الوحدة الإسلامية: حوار مع وكالة مهر الإيرانية    نشرت مجلة "الاجتهاد والتجديد" بحثًا حول المعمر المغربي    وحدت به معنای حذف مذاهب نیست/ اهانت به یکدیگر بر آتش فتنه می‌دمد    كيف نثبت صدقية المراقد؟    ظاهرة تزايد المقامات: ظروفها وأسبابها    مقتلة بني قريظة بين دراية القرآن ورواية المؤرخين    الترجمة الفارسية لكتاب: الإسلام والبيئة    الجزء الثاني من المقابلة مع جريدة النهار الكويتية: الفساد يورثنا فائضًا من التخلف    
 
بحث
 
المشاورة
 
س » صديقتي تعرفت على شاب عبر الفايس بوك، وهو متزوج. وتقول إنها أحبته وهو يريد الزواج منها. وأنا خائفة عليها، ما رأيكم؟؟
ج »

إنّ قرار الزواج هو قرار مصيري، ولا ينبغي الارتجال فيه أو التسرع في أمره. وإني أعتقد أنّ صديقتك بدأت بداية خاطئة من خلال التعرف عليه عبر الفايس بوك، ولكن مع ذلك فإني أقول لها:

إن البداية الخاطئة للموضوع لا تمنع من الاستمرار فيه، لكن على ان تتم دراسة هذا الأمر بعقلانية وبواقعية وبعيدًا عن الأحلام والعواطف التي سرعان ما تتبخر عند اصطدام هذه الأخت بالواقع وصعوباته ومعاناته اليومية، فهل بإمكانها أن تعيش حياتها كضرّة؟ وهل أنّ هذا الرجل متمكن من إعالة أسرتين؟ هل أنّ ذويها وأهلها يقبلون بذلك؟ وهل سيُتاح لها أن تعيش حياتها معه بحرية وودّ؟ إنّ عليها أن تجد جوابًا مقنعًا على هذه الأسئلة، وبعدها تتخذ القرار المناسب على ضوء تفكيرها العقلاني، وعلى ضوء مشورتها لأهل العقل وذوي التجربة في هذه المجالات، ولا سيما من المختصين التربويين.

.


 
س » ما كان مقصود اليهود من قولهم: إنّ يد الله مغلولة، كما نقل عنهم القرآن الكريم ؟
ج »
يمكن ذكر اتجاهين في تفسير الآية: 
الأول: إرجاع الغل في يده إلى اعتقادهم في مسألة القضاء والقدر، فإنه اعتقاد يحدّ من قدرة الله تعالى، وهذا ما عبرت عنه الآية بأن يد الله مغلولة.
الثاني: ما رواه بعض المفسرين أن ذلك إشارة إلى طمعهم وجشعهم ، وأن اليهود بلسان الحال وليس بلسان المقال، يريدون أن يهب الله لهم الأرض ومن عليها وإلا فهو بخيل ومغلول (والعياذ بالله).
 

 
 
  محاضرات >> دينية
دور العاطفة في إحياء عاشوراء بين السلب والإيجاب
الشيخ حسين الخشن



 

رأيت من المناسب والضروري ونحن على أعتاب ذكرى عاشوراء المجيدة أن نطلّ على هذه الذكرى بحديث يتصل ببعض وسائل إحيائها وبمفردات خطابنا العاشورائي. وقد رصدنا في الآونة الأخيرة أن صوت الدعوة إلى الإصلاح قد ارتفع من خلال جمع من العلماء الأعلام والمراجع حفظهم الله

جميعًا، وهذا أمر إيجابي وأعتقد أنّ ثمة شعورًا يتملك الكثيرين من أعلامنا، ربما يفصح عنه البعض وربما يحاذر آخرون من طرحه، وهذا الشعور مفاده: أنّ ثمة ترديًا متزايداً في بعض وسائل الإحياء، وأنه لا بد من الوقوف في وجهه وأنّ ثمة أخطاء تُرتكب بصرف النظر عن أسبابها لا بد أن تُعالج.

وفي واقع الأمر فإنّ نهضةً رفعت عنوان الإصلاح كشعارٍ أساسي من شعاراتها "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" إذا بها تحتاج هي إلى شيء من الإصلاح في بعض وسائل إحيائها أو في بعض الخطاب الذي يقوده بعض الناس باسمها.

 

 وفي البدء أقول: إنّ المهم في مواجهة التردي أو التحريف ليس في أن نتبرم أو نبدي انزعاجنا بل المهم – وانطلاقاً من المسؤولية الشرعية الملقاة على عاتقنا وتكريمًا وإجلالًا لهذا الإمام العظيم الذي له حق علينا إلى يوم الدين - أن ننخرط في كل الأعمال الإصلاحية التي تحاول تهذيب الخطاب

العاشورائي وتسعى إلى إبعاده عن الالتباسات والشبهات والتحريف. ولهذا فإنّ التساؤل الأول الذي يفرض نفسه علينا هو: لماذا يا تُرى يحصل ما يحصل في بعض إحياءات عاشوراء من تجاوزات وأخطاء؟؟ لماذا يا تُرى نجد أنّ الخطاب العاشورائي لا يلتزم في كثير من الأحيان بضوابط النقد

التاريخي وضوابط التوثيق. وهذا التساؤل جوهري لنعرف أين مكمن الداء، ولماذا يحصل ما يحصل من تجاوزات على صعيد الخطاب العاشورائي أو على صعيد وسائل الإحياء.

 

طغيان المنحى العاطفي على وسائل الإحياء

 

يمكن أن نتحدث عن جملة من المناشئ التي تقف وراء هذا التردي.. ولكنّي سوف أركز الكلام على منشأ واحد أراه أساسيًا في كل ما يجري، ألا وهو: طغيان المنحى العاطفي في التعامل مع الذكرى ومع كيفية إحيائها.

 

وفي البدء علينا الاعتراف والتأكيد على أنّ للعاطفة دورًا أساسيًا في إحياء ذكرى عاشوراء أو أي ذكرى أخرى من ذكريات الإسلام المجيدة. إنّ العاطفة لها دور محوري في ذلك، وإذا تمّ إبعاد ذكرى عاشوراء أو تفريغها من البعد العاطفي فهذا سيؤدي إلى تحجيمها وتحويلها إلى حدث جامد لا روح ولا

حراك فيه. والوجه في كون البعد العاطفي يشكل محورًا أساسيًا في عمليات الإحياء هو أنّ الإنسان عبارة عن عقل وقلب، الإنسان ليس عقلًا صرفًا، الإنسان أيضاً وجدان وكتلة من العواطف، ولذلك نجد أنّ الخطاب القرآني وخطاب الأنبياء والأئمة (ع) يركز على ثنائية العقل والقلب، البرهان والوجدان،

حيث نراه يخاطب الإنسان فيناغي الوجدان من جهة كما يملأ العقل بالحجة الدامغة من جهة أخرى، وأعتقد أنّ اعتماد هذا الأسلوب الذي ينطلق من ثنائية العقل والقلب هو المدخل للتغيير الاجتماعي والفكري والعاطفي. لذلك نحن لا يمكن أن نُفرغ عاشوراء من البعد العاطفي لتتحول إلى مجرد ذكرى

جامدة وقصة تاريخية لا فاعلية لها، ولكن في الوقت عينه لا يمكن أن يطغى البعد العاطفي على سائر الأبعاد ليتحول هاجس إبكاء الجمهور واستدرار الدمعة هي الأساس في إحياء الذكرى، ويغدو المعيار الأهم في نجاح الخطيب أو فشله. هذا هو الواقع، ففي كثير من الأحيان نرى أنّه يصبح المعيار في

نجاح الخطيب أو نجاح المجلس هو في كثرة المناديل التي تُوزع على الحضور أو في كثرة الأصوات التي ترتفع بالبكاء هنا وهناك. مع أنّ المعيار ليس ذلك، المعيار في أداء الرسالة وإيصال الحقيقة، فغلبة المنحى العاطفي خطير، وعليه فلا بد أن نعطي العاطفة مجالها ودورها لكن ضمن الضوابط التي يحكم بها العقل ويحكم بها القرآن ويحكم بها منهج دراسة التاريخ ومنطق السنن التاريخية، هذه كلها تشكل ضوابط للعاطفة.

 وخلاصة القول: إنّ غلبة المنحى العاطفي وطغيانه على كل الأبعاد الأخرى هو المنشأ الذي يتولد عنه ما يتولد من تردي في خطابنا وفي وسائل الإحياء، وهو الذي يؤدي إلى هذه النتائج السلبية والتي سأشير إلى أهم عناوينها:

 

السلبية الأولى: تناسل الطقوس وتوالدها.

 

في الواقع نشهد أمرًا غريبًا على صعيد الطقوس، وهو توالد الطقوس، فهذا التطبير آخذ بالتزايد بأشكاله وألوانه فبدأ بتطبير الرجال ثمّ امتد إلى تطبير النساء وإلى تطبير الأطفال، وبهذه الطريقة التي لم تعدْ خافية على أحد، وبرز أيضاً "التطيين" المتمثل بالدخول في أحواض الطين، وقد أسماه البعض

بـ"شعيرة التطيين"، في تساهل بإطلاق لفظ الشعيرة. وهكذا "التزجيج" المشي على الزجاج، والتجمير المشي على الجمر، وقد أطل علينا بعضهم لينظر لنا حول شعيرة النطح لأن زينب (ع) فيما يزعمون نطحت رأسها بمقدم المحمل. هذا التوالد في الطقوس آخذ بالتزايد لدرجة أنْ تغدو هذه الأعمال هي

التي تطبع صورة التشيع في الرأي العام، ولعلكم لمستم ذلك، ومن لم يلمس فليدخل إلى مواقع التواصل الاجتماعي ويضع كلمة عاشوراء بل وكلمة الشيعة على محرك البحث الإلكتروني وسيرى المشاهد الغريبة، حيث ستبرز أمامك صورة المطبرين والمتطينين والمشاة على الجمر.. بما يؤشر إلى أي حد

غدت هذه الأعمال تعكس صورة عاشوراء لدى المتلقي، وهكذا يتحول التشيع إلى حفنة من الطقوس. والخطورة هنا أننا أمام محاولة لمسخ صورة التشيع من خلال الطقسنة، من خلال هذه الأعمال الفارغة من مضمونها الفاعل ومن محتواها الحركي، إنّ الحسين (ع) ثورة على الظلم وحركة في وجه

الفساد ومنظومة أخلاق، وليس مجموعة من الطقوس الجوفاء التي لا تغير في الواقع شيئا بقدر ما تشوه صورة الخط. إذًا السلبية الأولى التي نرصدها لطغيان المنحى العاطفي في خطاب النهضة الحسينية هي ما أسميناه ب "توالد الطقوس".

 

السلبية الثانية: الانتقائية في التعامل مع النصوص التاريخية.

 

عندما يصبح استدرار الدمعة هو كل همّ الخطيب، فإنه من حيث لا يشعر سوف يجانب الحقيقة ويبتعد عن الموضوعية في التعامل مع النص التاريخي. إنّ الموضوعية هي الشرط الأساس في صدقيتنا، وبدونها نجانب الأمانة، إنّ من ليس موضوعيًا فهو ليس أمينًا، والانتقائية التي أتحدث عنها تعني أن

أنتقي من النصوص ما يخدم غرضي. إنّ غرض المتكلم وهدفه سينعكس على أدائه ومنهجه في البحث والكتابة والتأليف، فإذا كان غرضي هو تثقيف الجمهور ضمن ضوابط الرسالة فإنّي أتحرى الحقيقة ولا أنتقي نصًا من هنا أو نصًا من هناك ولا أتعامل بمزاجية. وأمّا إذا كان الغرض هو إبكاء

الجمهور فسوف أنتقي النصوص التي تلائم هذا الغرض. مثال: عندما نواجه قضية خروج العباس (ع) إلى الميدان، يوجد على مستوى النص التاريخي روايتان، لكن نحن لم نسمع إلا برواية واحدة. الروايتان هما: الرواية الأولى: هي أنّ العباس خرج إلى المشرعة طالبًا للماء للأطفال، وصل المشرعة،

ودنا من الماء ووضعه في كفه، وهمّ بشربه لكنه تذكر عطش الحسين (ع) فرماه من يده، إلى أن ملأ القربة ثم في طريق العودة قطعوا يمينه وقال ما قال من الأشعار التي تُنقل عن لسانه، ثم قطعوا يساره ثمّ استهدفوا القربة، وأريق ماؤها ثم ضربوه بسهم فسقط على الأرض ثم جاء إليه الإمام الحسين

(ع) ووضع رأسه في حجره ... هذه الرواية التي نسمعها وهي مليئة بعناصر الإثارة العاطفية، ولكن أتعلمون أنّ هذه الرواية هي أضعف الروايتين حول ما جرى في مقتل العباس. الرواية الأخرى هي التي ينقلها الشيخ المفيد في الإرشاد ومفادها أنّ أبا الفضل العباس لم يطلب منه الإمام الحسين (ع)

الخروج إلى المعركة ليجلب الماء بل خرجا سوية إلى المعركة، فاقتطع القوم أبا الفضل العباس عن أخيه الحسين (ع)، فواجههم حتى قتلوه. أنا الآن لا أريد أن أرجح إحدى الروايتين على الأخرى، لكن أقول: عندما يكون همنا إبكاء الجمهور سترانا نندفع إلى الأخذ بالرواية الأولى ونستبعد الرواية

الأخرى ولا نذكرها كما هو حاصل بالفعل. وأمّا إذا كان همنا هو الأمانة والموضوعية والحقيقة، فسوف نتحقق لنرى أي الروايتين هي الأقوى والتي تؤيدها القرائن والشواهد التاريخية. إذًا الانتقائية عندما تحكم خطابنا ستكون الحقيقة هي الضحية الأولى، والسبب في هذه الانتقائية هو أنّ الهاجس

الأساس عندنا هو إبكاء الناس.

 

السلبية الثالثة: التساهل في العرض التاريخي.

 

 من سلبيات تحكم العاطفة بالخطيب وبالجو العاشورائي برمته، هو تراجع دور المصادر التاريخية ذات القيمة وذات الاعتبار والأهمية، فتكثر مصادر من قبيل: "ذكر أرباب المقاتل" و"ذكر أرباب المنبر"، حيث نسمع بعض الخطباء يقولون: قال أرباب المنابر، يعني ينقل خطيبٌ عن خطيب عن

خطيب، ويصبح أرباب المنبر مصدرًا للسيرة الحسينية. وهكذا يكثر الحديث بلسان الحال (وهو ما تحدثنا عنه في بحث مستقل). وكل ذلك يعبّر عن تساهل في العرض التاريخي وتسامح، ولا يقتصر الأمر على التوسع في قاعدة التسامح في أدلة السنن فإنّ ما جرى عليه القوم هو أكثر من تسامح، وقاعدة

التسامح - لو تمت – فموردها هو السنن والمستحبات، ووسعها البعض للمكروهات ووسعها البعض للموارد التي لا يوجد فيها رواية وإنما فيها فتوى لمشهور الفقهاء! ومع أنّ هذا التوسع غير مبرر، إلا أنّ الأغرب أن نوسعها للمجال التاريخي، وهذا له مخاطر جمة، ولا تُفاجأ في أنّ كثيراً من الأحداث

التي تنقل هي أحداث لا يعرف لها مصدر؛ ما هو مصدر حضور ليلى في كربلاء وما جرى عليها من تفاصيل حول استشهاد ولدها علي الأكبر؟ لا تجد مصدرًا لذلك. وأنا شخصيًا لا أستبعد أنّ الأمر في قضية ليلى أو غيرها من الأمور التي لا مصدر لها قد بدأ الأمر بلسان الحال ثم تحول لسان الحال

إلى لسان المقال. يعني الشاعر يتخيل: كأني بليلى خرجت وحدث معها ما جرى.. ثم جاء منْ بعده وعرض المسألة بلسان يفيد تأكيد الحدث. إذًا المشكلة الحقيقية هي مسألة التساهل في المصدر التاريخي وفي العرض التاريخي، ولذا نغدو أمام واقع مملوء بالغرائب، واقع لا يحكمه منهج، لدرجة أنه أحيانًا

تُعرض القضية ونقيضها، مثلا: الصورة التي ننقلها عن أبي الفضل العباس وكيفية خروجه إلى المشرعة، دليل على موقف عظيم يدل على شهامته ونبله، حيث وضع المياه في يده ثم رماه عندما تذكر عطش الحسين وأطفاله، وقال: يا نفس من بعد الحسين هوني، وبعده لا كنت أن تكوني. إنّه موقف

إيثار وشهامة، هذا ما نسمعه في مصرع العباس. لكن لا يمضي يومان، حتى تسمع صورة مغايرة، وذلك عند تلاوة مصرع الإمام الحسين (ع) وخروجه إلى طلب الماء، حيث يقول الخطيب: إنه لما وصل (ع) إلى الماء وأخذ الماء ليشربه فلم يمنعه من شربه إلا أنهم عيّروه بالأطفال، قائلين له: أنت

تشرب الماء وأطفالك عطاشى؟! فقارن بين موقف أبي الفضل كيف أنه بادر إلى رمي الماء من يده لأنه تذكر عطش الحسين (ع) وأطفاله، بينما الإمام لم يتذكر عطش الأطفال!! هذا يخلق مشكلة في ذهن الكثيرين، ويعطي انطباعًا بسمو موقف أبي الفضل على موقف الحسين (ع)!!. ومثال آخر: عندما

تسمع أنّ زنيب في موقف معين كانت متماسكة وأنّ الإمام الحسين (ع) يوصيها قائلاً:" لا تخمشي عليّ وجهًا ولا تشقي ثوباً"، ثمّ بعد يومين تسمع الخطيب نفسه ينقل لك أنها "نطحت رأسها وسال الدم من جبينها"، واستفاد البعض من هذا العمل - الذي لم يرد في نص يعوّل عليه - شرعية التطبير، مع

أنه لا يدل بطبيعة الحال، ولكن أقول تعالوا إلى انعكاس هذه الصور المتضادة في ذهن المتلقي، حيث يسمع القضية ونقيضها، نتيجة التساهل والتسامح في العرض التاريخي. وهكذا نصبح أمام مشكلة حقيقية بسبب تحكم وغلبة العاطفة على أي اعتبار آخر. والمشكلة الحقيقية هي أن يصبح النص

العاشورائي عصيًا عن التحقيق، ويصير البعض ينظّر لعدم التحقيق بتنظيرات غريبة وعجيبة. كنت أسمع لبعض الخطباء وهو ينقل قضية (انظروا لنتائج تحكم العاطفة) فيقول: إنّ أحد المحققين همّ ذات يوم بأن يحقق الرواية الصحيحة في وفاة سيدتنا الزهراء، لأنه يوجد ثلاث روايات في هذا المجال.

فيقول: جاءته السيدة الزهراء في المنام وقالت له يا فلان، أستكثرت أن يُبكى علي ثلاثة مواسم؟ دع الناس تبكي عليّ! فترك البحث في تحقيق المسألة لأجل منام لا حجية فيه. وهكذا يتجمد البحث التحقيقي في قضية كربلاء ونظائرها، مع أنّ هذا البحث مفتوح فيما يتصل بحياة بحياة النبي (ص) وبحياة

أمير المؤمنين وبحياة سائر الأئمة (ع)، نبحث ونحقق بأريحية ونتساءل: هل حدثت هذه القضية أم لم تحدث؟ ولكن لما يأتي الدور إلى ذكرى الحسين ع) نرى أبواب البحث توصد، وإذا بحث أحدهم فلا ينعكس بحثه على الخطاب العاشورائي.

 

 

السلبية الرابعة والأخيرة: تسرب الخرافة إلى النص العاشورائي.

 

 ومن نتائج طغيان العاطفة دخول الكثير من الخرافات على المجلس العاشورائي، وأعتقد أنّ منْ يقرأ كتاب "أسرار الشهادة" للدربندي يعرف ماذا أقول. فهذا الكتاب يُطبع وينشر بشكل مكثف، والحال أنّ رجلاً كالمحدث النوري المعروف بإخباريته الصرفة، ينقده نقدًا لاذعًا لأنه كان يلتقط الأمور من

هنا وهناك دون تحقيق. فقد كان الدربندي معاصرًا له، وقد نقل كيف أخذ بعض المجاميع التي لا أساس لها وأوردها في كتابه، وقد نصّ – النوري - على ذلك في كتابه "اللؤلؤ والمرجان في آداب أهل المنبر"، وكتاب النوري مهم. وفي أسرار الشهادة سوف يصبح يوم عاشوراء اثنين وسبعين ساعة! هذه

خرافة سجّلت فيه، لماذا زيادة ساعات يوم عاشوراء؟ لأنّ الأحداث التي تُنقل عمّا جرى فيه أحداث لا يمكن أن تنتهي بفترة ما بعد الظهر، على اعتبار أنّ المعركة بدأت بعد صلاة الظهر من يوم العاشر، فالإمام الحسين قام وصلى ثم بدأت المعركة. هذه الأحداث التي تُنقل تحتاج إلى اثنين وسبعين ساعة وأكثر ولذا يدافع الدربندي عن هذه الفكرة، وهكذا تتسرب الخرافة الى أقدس ذكرى وتشوه أطهر دم.

 

ما هو العلاج؟

في معالجة هذا الواقع المرير، فقد اقترح بعض العلماء (حفظه الله) أننا في عملية النقد مدعوون إلى اعتماد سياسة سلبية وهي تتلخص بتجاهل الأحداث القلقة وغير الثابتة وعدم ذكرها إلى أن تنسى بمرور الوقت، فعندما لا تذكر القضية الفلانية والفلانية على المنابر فإنّ ذلك كفيل بنسيانها. هذا اتجاه في

المعالجة وهو جيد وله إيجابياته، ولكني أعتقد أنه لا يحلّ المشكلة من جذورها؛ لأننا لسنا نحن من يملك الساحة والمنابر لوحدنا، فللآخرين من أصحاب المنهج العاطفي المتسامح في العرض خطباؤهم ولهم منابرهم الإعلامية القوية، وهي منابر تؤثر في الساحة برمتها. ولو أنك لاحظت بيوتات أهلنا،

فسوف ترى أنّ القنوات الفضائية التي يشاهدونها، هي قنوات الخط الآخر. إذًا مجرد أنك لا تذكر هذه الأمور فهذا له إيجابية، ولكني لا أعتقد أنه يحل المشكلة. وإنما أعتقد أننا معنيون باعتماد منهج آخر وهذه أهم عناوينه وخطوطه العريضة:

 

أولاً: تغيير المفاهيم غير المتوازنة

 

فالمسؤولية الشرعية تفرض علينا أن نضع الأصبع على الجرح، أن نمتلك الجرأة في وضع البعد العاطفي في حدوده. فالعاطفة لها دور لكن لا يجوز أن تكون العاطفة وهاجس إبكاء الجمهور على حساب الحقيقة وعلى حساب صورة الدين؛ لذا نحتاج إلى أشخاص يمتلكون جرأة حتى لو قيل عنهم ما قيل. وامتلاك الجرأة لا يلغي ضرورة العمل بحكمة وروية في سبيل تغيير المفاهيم التي تسللت إلى الرأي العام. ومن هذه المفاهيم هي ربط عاشوراء فقط بالدمعة، هذا مفهوم خطير، عاشوراء مدرسة للتغيير العاطفي والروحي والوجداني والاجتماعي، وليست مجرد خيمة لذرف الدموع.

 

ثانياً: دعم العمل البحثي التحقيقي

 

ومن مسؤوليتنا في الحوزات أن نبذل الجهد في تحقيق وتنقية النص العاشورائي، وأن نثبت أنه ليس عصيًا على التحقيق، ومن وظيفة كل الرساليين أن يدعموا ويشجعوا كل المحاولات التحقيقية الرامية إلى إيصال الصورة الحقيقية عن مجريات عاشوراء وما تلاها وما سبقها.

 

ثالثاً: رفع مستوى الوعي العام لدى الأمة

 وأنا أعتقد أنّ ارتفاع الحس النقدي العام لدى المتلقي ليس أمراً سلبياً فهو يضبط الخطاب، والخطيب ليس فوق النقد، فالنقد عندما يجري على أصوله فإنه يغربل الأفكار ويخدم الحقيقة، ولذا كلما رفعت مستوى الوعي العام للأمة كلما ساهمت في ضبط الخطاب ووصلت إلى الحقيقة. وهناك في الأمة

الكثير من أهل الوعي وأهل التعقل ومن الحكماء الذين لو ارتفع حسهم النقدي لساهم في محاصرة هذا الخطاب التساهلي الذي يريد تحويل الحسين (ع) إلى مجرد خرافة أو دكانة للتعيش باسمه. ومن اللازم أن نعوّل على هؤلاء وأن لا نرضخ لكل محاولات التخويف والتخوين والتهديد التي يقودها البعض

قائلاً: إياكم والشعائر! في محاولة إيقاف أي نقد يتوجه إلى بعض الأعمال التي تمارس باسم الإحياء. كنت أقرأ لبعض العلماء المعروف بأنه من حراس التطبير ودعاته حيث يحكي قضية مفادها: أنه كان هناك عالم من العلماء وفقيه كبير ولديه أنظار فقهية عظيمة، لكن تفاجأ – ناقل الرواية -  أنّ هذا

الفقيه لم يلاقِ أصداء في الأوساط الحوزوية، لدرجة أنه يسأل أحد المراجع الكبار في الحوزة عن هذا الفقيه وعن رأي من آرائه، وإذا بهذا المرجع لم يسمع بذلك الفقيه أصلاً، فأخذ يتساءل عن سر هذه المجهولية؟ وأنه لماذا هذا الفقيه لم يجد هذا الصدى؟؟ ليتبيّن له أنّ السرّ كامن في أنّ عنده موقفًا من بعض

ما يسميه هو بالشعائر! إنه مجرد تهويل يمارس على أعصاب المصلحين، ويجدر بالعالم المصلح أن لا يخضع لمثل هذا التهويل، الذي مفاده: أنّه كلما بالغت في التطبير أكثر فأكثر فأنت أقرب للحسين (ع)، هذه معادلة خاطئة، إنّ من يضع الضوابط والأسس الشرعية لعملية الإحياء ومن يعمل على

تهذيب الشعائر لا يقل إخلاصًا من غيره، إن لم يكن أشد حرصًا على النهضة وأهدافها.

 

النقد بحكمة

وعلينا أن نؤكد هنا على ضرورة الإضاءة على الأمور التي نراها خطأ، لكن المهم هو أن نحسن طريقة الإضاءة وطريقة النقد، والذي أعتقده أنه لا بدّ أن نعتمد أسلوبًا حكيمًا وغير مستفز للآخر حتى عندما ننتقد التطبير، فلا نخلق معركة مع المطبرين؛ إنّ معركتنا ليست معهم، بل نحن نقدر عواطفهم،

فهم ربما ينطلقون من عاطفة طيبة وجميلة، لكن دعونا نخاطبهم: تعالوا نفكر سوية، ما هو الأسلوب الأجدى في إحياء ذكرى الحسين؟ أنتم تطبرون في الشارع العام ولا تطبرون في منازلكم، أي أنكم تريدون أن توصلوا رسالة للرأي العام؟ هل تصل رسالة من خلال التطبير؟ باختصار: لا بد من أن

ننقد ولكن المطلوب هو النقد الحكيم والهادئ. ولا بد أن يكون لدينا مؤسسات ومعاهد لإعداد الخطباء ولدراسة النص العاشورائي، ربما يوجد بعضها، ولكن هذا الأمر لا بد أن يولى أهمية كبرى، لأن من يمتلك منبر الحسين يمتلك جمهور الشيعة.

 

والله الموفق.

  • محاضرة أُلقيت في المعهد الشرعي الإسلامي في 15/9/2017 مـ.  





 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon