"فقه العلاقة مع الآخر المذهبي" تحت الضوء: قراءة ولمحة سريعة عن الكتاب    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    تنزيه زوجات الأنبياء(ع) على ضوء الروايات    الإنسان والماء: معادلة الحياة والموت    كيف نفهم حديث: علي أمير النحل؟    
 
بحث
 
ليلة القدر خير من ألف شهر
 
س » ما المراد من الحديث: "من فطّر مؤمنا" ؟؟ هل يجب إعطاؤه وجبة كاملة أم تكفي حبة حلوة أو تمرة مثلا ؟؟
ج »
الظاهر  أن المراد من الحديث هو إطعام الصائم بما يُشبعه ويسد رمقه، وليس مجرد إعطائه حبة حلوى أو تمر أو ما إلى ذلك، والوجه في هذا الاستظهار  أن ذلك ما فهمه الصحابة من كلامه (ص) ولذلك نجدهم – بعد أن حثهم على إفطار الصائم – قالوا له: "يا رسول الله ليس كلنا يقدر على ذلك"، ما يعني أنهم فهموا من كلامه ما ذكرناه من إطعام الصائم حتى إشباعه، ولعل مناسبات الحكم والموضوع تشهد لذلك وأن المقصود هو مساعدة الفقراء والذين لا يجدون طعاماً للإفطار.
وقوله (ص) لهم بعد أن اعتذروا بعدم القدرة: "اتقوا الله ولو بشق تمرة، ولو بشربة من ماء.." لا ينافي ما ذكرناه، لأن الاكتفاء بتمرة أو بشربة ماء هو  تكليف (التكليف الاستحبابي) من لا يقدر إلا على ذلك كما هو واضح.
وهذا المعنى جاء واضحاً في رواية التهذيب، حيث إنه قال لهم بعد أن اعتذروا بعدم القدرة: "إن الله كريم يعطي هذا الثواب لمن لا يقدر إلا على مذقة من لبن يفطر بها صائم أو شربة ماء عذب أو تمرات لا يقدر على أكثر من ذلك".
وبناءً على هذا الفهم للحديث:
1- لا يكون تناول الصائم لحبة تمر في بيته مثلاً سبباً في فوات الأجر لمن دعاه إلى الإفطار، إلا أن يستفاد ذلك من دليل آخر.
2- لا يكون ما أعد من ثواب لإطعام الصائم في الخبر شاملاً لمن يكتفي بحبة تمر يطعمها للصائم مع قدرته على إطعامه وإشباعه، دون أن يعني ذلك أنه غير مثاب ولا ماجور؛ كيف وقد قام بعمل خير. والله العالم

 
س » هل سند دعاء أبي حمزة الثمالي صحيح؟ كيف استطاع الراوي أن يحفظه غيبا وهو طويل جدا؟
ج »
أولاً: إن الدعاء مروي في بعض المصادر الأساسية المُعدة لنقل الأدعية، عنيتُ به مصباح المتهجد للشيخ الطوسي، ورواه أيضاً السيد ابن طاووس في إقبال الأعمال بإسناده إلى أبي محمد بن هارون بن موسى التلعكبري (رض) بإسناده إلى الحسن بن محبوب الزراد عن أبي حمزة الثمالي، وتردد بعد ذلك ذكره في كتب الأدعية كـ "مصباح الكفعمي" وكتب الحديث كـ "بحار الأنوار" وقد تلقاه الشيعة بالاهتمام والحفظ، وقد شرحه أعلام كثيرون كما لا يخفى على من يراجع كتاب الذريعة للآغا بزرك الطهراني.
ثانياً: إن مضامين الدعاء عالية جداً ونجد فيها بصمة الإمام زين العابدين (ع) الخاصة المبثوثة في ثنايا سائر أدعيته المروية في الصحيفة السجادية، كما نجده يلتقي في الروح مع دعاء كميل المروي عن أمير المؤمنين (ع) وليس في مضامينه ما يثير الريبة أو يبعث على التشكيك في نسبته إلى الأئمة (ع).
ومن مجموع ما ذكرناه في النقطة الأولى والثانية لا يبعد الوثوق بصدوره عن الإمام زين العابدين.
ثالثاً: وأمّا كيف روى أبو حمزة الثمالي هذا الدعاء على طوله، وأنه ربما نسي بعض فصوله. فتعليقنا على ذلك أن الدعاء المذكور لم يدع به الإمام (ع) لمرة واحدة، بل كان من دأبه الدعاء به في السحر كما يظهر مما ذكره الشيخ الطوسي، ومع مواظبته عليه حفظ فصول الدعاء، ولا سيما أن حافظة الناس في تلك الأزمنة كانت قوية بسبب اعتمادهم على الحفظ أكثر من اعتمادهم على التدوين. على أنه من الوارد أن يكون أبو حمزة قد عرض الدعاء على الإمام (ع) بعد تدوينه فأمضاه الإمام (ع).

 
 
  مقالات >> فقهية
الإبداع والابتداع
الشيخ حسين الخشن



 

تمهيد 

 

إنّ حالة الضيق بالآخر والتبرّم منه أو الخلاف معه ومعاداته تترجم نفسها بأشكال مختلفة، ولها تعبيرات متعدِّدة، ويأتي على رأسها رميه بالكفر وإخراجه عن الدين، وهذا ما تكلّمنا عنه بالتفصيل في الفصل الأول، لكنْ ثمّة أشكالٌ وأنحاء أخرى للتكفير لا تصل إلى حدِّ إخراجه عن الدين كليةً، لكنّها تنتقص من دينه وإيمانه وترميه ببعض الاتهامات التشهيرية التي قد لا تقلّ في خطورتها عن رميه بالخروج عن الدين، وذلك من قبيل رميه بالفسق أو الشذوذ أو الضلال أو الابتداع في الدين أو مخالفة المشهور ويصل الأمر إلى هتك حرمته ونزع الحرمة عنه وتجويز لعنه وسبّه..

 

واعتبار أنواع التبديع والتفسيق والتضليل المشار إليها هذه من أنحاء التكفير قد لا يخلو من مسامحة لُغَويّة، باعتبار أنّ مدلول التكفير المباشر هو إخراج الآخر عن الدين، بيد أنّ الذي يسهّل الخَطْب ويهوّن الأمر أنّه شاع إطلاق لفظة التكفير على ما يشمل الأنحاء المذكورة وقد قيل: لا مشاحة في الاصطلاح.

 

وكيف كان، فإنّنا نخصّص هذا الفصل للحديث عن أنحاء التكفير الأخرى التي شاع التراشق بها في الأوساط الإسلامية، وسوف نحاول تحديد مفاهيمها تحديداً دقيقاً يضع الأمور في مواضعها ونصابها الصحيح، وفق رؤية واضحة المعالم، وذلك في مسعىً يهدف إلى قراءة الجميع في كتاب واحد وارتوائهم من مَعِين واحد وتحاكمهم إلى مرجعيّات متّفق عليها.

 

 

 

 

الإبداع والابتداع

 

إنَّ واحدة من أخطر أسلحة التراشق الداخلي التي يستخدمها المسلمون في وجه بعضهم البعض، رمي الآخر بالابتداع في الدين، الأمر الذي يستتبع إخراجه من الدائرة الإيمانية والحكم عليه بأنّه من أهل النار ومعاقبته بما يضع حدّاً لبدعته... فما هو تعريف البدعة؟ وما المائز بينها وبين الإبداع؟ وهل أنّ كلّ مُحدَث بدعة؟

 

 

تعريف البدعة

 

البدعة في اللغة: هي الشيء المُحدَث على غير سابق مثال، وفي الاصطلاح الشرعي: ذُكر لها عدّة تعريفات متقاربة، لعلّ أقربها إلى الصواب أنّها "إدخال ما ليسَ من الدين فيه أو إخراجه منه"، وهذا الأمر لا يرتاب في حرمته أحد من المسلمين، لأنّ ذلك من مختصات الله سبحانه، وقد حذّر سبحانه من التدخّل في دينه، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ}[الشورى: 21]، وقال سبحانه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ}[النحل: 116]، ولخطورة هذا الأمر عند الله فقد حذّر نبيّه (ص) من الإقدام عليه، قال سبحانه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين}[الحاقة: 44-46] وأما الروايات الدالّة على حرمة الابتداع في الدين، وأنّ "كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار" فهي مستفيضة ومرويّة من طرق الفريقين[1].

 

 

ليس كلّ محدث بدعة

 

وفي ضوء التعريف المتقدّم، يتضح أنّ كل عمل يأتي به المسلم بعنوان كونه عبادة وجزءاً من الدين فهو بدعة محرّمة ما لم يأتِ عليه بدليلٍ شرعيّ، كالزيادة في ركعات الصلاة أو أفعالها أو اختراع عبادة جديدة أو نحو ذلك، وأمّا ما لا ربط له بالعبادة ولا يُؤتى به بعنوان أنّه من الدين، فلا يدخل في مفهوم البدعة ولا يكون محرّماً ما دام لا يخالف حكماً شرعيّاً، ويدخل في ذلك العادات والتقاليد الحادثة بعد وفاة رسول الله (ص)، وكذلك كلّ ما استحدثه الناس من وسائل العيش وأساليب المواصلات، فهذا وأمثاله خارج عن مفهوم البدعة، لأنّ الإسلام لا يضع قوالب جاهزة وأُطُراً محدّدة لطرائق العيش وأنماط الحياة المتحرّكة، وإلاّ لما صلح لمواكبة المستجدّات وما كان خاتم الشرائع السماوية، ولذا رأينا أنّ الصحابة قد اختلفت سيرتهم بعد انتقالهم من مكة إلى المدينة التي واجهتهم بعادات لم يألفوها في اللباس والمسكن وغير ذلك فقد "كانوا في مكّة لا يعرف جُلُّهم المخيط من الثياب، فلمّا استقرّوا في المدينة لبسوا الثياب المخيطة والحلل اليمانية"[2]، واستمرّ التفاعل الطبيعي للصحابة مع المستجدّات بعد وفاة رسول الله (ص) وإثر احتكاكهم بالشعوب الأخرى نتيجة الفتوحات، فاقتبسوا من تلك الشعوب وأخذوا عنها الكثير من العادات والآليات التنظيمية على مستوى إدارة الدولة وتنظيم شؤونها دون أن يخطر في بال أحدهم أن يسأل عن الحكم الشرعي لذلك، لمعرفتهم أنّ هذه القضايا خارجة عن نطاق الدين وشبهة التحريم، أو لوضوح حكمها الشرعي عندهم.

 

وتُحدِّثنا الروايات أنّ الإمام الصادق (ع) كان يلبس الثياب الجيّدة المجلوبة من إيران، ولمّا اعترض عليه سفيان بن عيينة بمخالفة سيرته لسيرة جدّه عليّ (ع) الذي كان يلبس الثياب الخشنة أجابه: "ويحك، إنّ عليّاً كان في زمن ضيّق، فإذا اتّسع الزمان فأبراره أولى به"[3]، والعادات التي خالف فيها الخلف السلف كثيرة جداً دون أن نجد نكيراً لذلك من علماء الأُمّة وفقهائها، لاسيّما أئمّة أهل البيت (ع).

 

وأما ما رُوِيَ عن رسول الله (ص) "إنّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ مُحدثة بدعة"[4] وفي رواية أخرى إضافة ترد على الحديث: "ألا وكلّ بدعة ضلالة ألا وكلّ ضلالة في النار"[5]، فلا ينبغي أن يُفهم منه تحريم كلّ أمر حادث وجديد، بل إنّ بعض المحدثات يلزم الأخذ بها من قبيل الاستفادة من وسائل الإعلام والكتابة بهدف نشر الإسلام والدفاع عنه، وكذلك الأخذ بوسائل إعداد العدّة والأسلحة الحديثة للدفاع عن كيان الأُمة ورد كيد المعتدين، وما إلى ذلك ممّا يتوقف عليه إقامة النظام العام للأُمة وحفظ كيانها، وانطلاقاً من ذلك فقد رأى بعض الأعلام أنّ قوله: "وكلّ بدعة ضلالة" عام مخصوص[6]، وقسّم بعضهم البدعة إلى خمسة أقسام: "واجبة: كحفظ العلوم بالتدوين والردّ على الملاحدة، ومندوبة: كبناء المدارس، ومباحة: كالتوسعة في ألوان الطعام وفاخر الثياب، ومحرّمة ومكروهة.."[7].

 

ولكن يمكننا القول: بأنّه لا داعي لتخصيص الحديث المذكور، لأنّ التخصيص فرع ثبوت العموم، والحال أنّ الحديث لا عموم له من الأساس، لأنّه ناظر إلى تحريم البدعة، والبدعة كما قلنا: هي الإضافة في الدين، وهذا ما يشهد به صدر الحديث، وتحريم ذلك أمر متّفق عليه.

 

 

الخلط بين الإبداع والابتداع

 

وإنّها لإساءة كبيرة للإسلام أن يُجعل في مواجهة كلّ مُحدَث وجديد، بفعل الالتباس الحاصل والذي أدّى إلى الخلط وعدم التفرقة بين الإبداع والابتداع، وهو ما جعل عقلية الفقيه المسلم تتّسم بالحذر والتوجّس من كلِّ حادث وجديد، فيتوقّف- مثلاً- بعض علماء الحجاز السابقين في أمر التلغراف، بحجّة أنّه حادث في آخر الزمان![8]، ويتوقّف علماء آخرون عن استعمال مكبّر الصوت وينعتونه ببوق الشيطان![9].

 

والأمثلة في هذا الصدد كثيرة، وهي تحكي وتعكس عقلية متوجّسة، فرضت التخلّف على واقع المسلمين، وعلى الأقل ساهمت في تدنّي مستواهم في سلم الرقي والتقدّم البشري.

 

والخلط بين البدعة والإبداع لم يكن الأثر السلبي الوحيد للفهم الخاطئ لمفهوم البدعة، بل هناك أثر سلبي آخر لا يقلّ عنه خطورة وهو تحويل تهمة الابتداع إلى سيف مُسْلَط على رقاب المسلمين وعصا تضرب ظهورهم وتشكّك في تديّنهم وإخلاصهم، لا لشيء سوى أنّهم لا يلتزمون بالرؤية المحدّدة لمفهوم البدعة الذي قدّمته بعض الفرق الإسلامية وتريد تطبيقه على سائر المسلمين.

 

والحقيقة أنّ الخلاف لا يكمن في مفهوم البدعة وحكمها، بل في تطبيق المفهوم على المصاديق والجزئيات، فربّ أمر يراه البعض بدعة في الدين هو بنظر آخرين سنة حسنة، وعلى سبيل المثال: فقد كوّنت بعض الفرق الإسلامية رؤية خاصة عن توحيد الله والتوسّل بالأنبياء والأولياء والتبرّك بآثار النبيّ (ص) أو الاحتفال بذكرى مولده واعتبرت أنّ كل مَن يُخالِف رؤيتها في ذلك فهو مشرك أو مبتدع دون أن تصغي لما عند هؤلاء من أدلة تبرّر لهم ما يقومون به، مع أنّ الورع والعلم يقضيان بضرورة السؤال قبل إصدار الأحكام، ولا ريب أنّ من يقوم بتلك الأعمال ويؤمن بشرعيّتها فإنّه يقدّم- عادة- من الأدلّة الشرعية المُتَّفَق عليها كالكتاب والسُّنّة، ما يشهد لصوابية رأيه وصحّة دعواه، وحينئذٍ فغاية ما يحقّ للآخر، هو أن يناقشهم في تمامية تلك الأدلّة لجهتَي السند والدلالة، فإن أقنعهم أو أقنعوه فهو المطلوب، وإلاّ فعليه أن يعذرهم وعليهم أن يعذروه ما دامت القضية المختلَف عليها من القضايا الاجتهادية لا الضرورية، والخلافية لا الإجماعية.

 

ويُشار هنا إلى أنّ الدليل الشرعي الذي يُخرج العمل عن كونه بدعة، ليس بالضرورة أن يكون نصّاً خاصاً، بل يكفي اندراج العمل المعين تحت نصّ عام أو مطلق ليخرج بذلك عن نطاق الابتداع في دين الله، فالقيام عند ذكر النبيّ محمد (ص)- مثلاً- أو تقبيل يد الأبوين بقصد الاحترام جائز وراجح، وإن لم يرد فيه نصٌّ خاصٌّ ولم يكن متعارفاً في عصره (ص)، فإنّه يكفي لمشروعيّته دخوله تحت الأدلّة الدالة على رجحان تعظيم المؤمن أو احترام رسول الله (ص)، شريطة أن لا يكون هناك دليل على تحريم ذلك والمنع منه. والأمثلة في ذلك كثيرة[10].

 

 

البدع والنوايا الطيبة

 

أجل، إنّ بدعية العمل لا تتأثّر في الغالب بنوايا الإنسان، فالحرام لا يخرج عن الحرمة إذا كانت نوايا فاعليه حسنة وطيّبة، وعلى سبيل المثال فإنّ ضرب الرؤوس بالسيوف الذي يُؤتى به من قبل بعض الناس بنيّة طيّبة بعنوان أنّه شعيرة مواساةً للنبيّ (ص) وآل بيته (ع) هو فعل إن لم ينطبق عليه مفهوم البدعة باعتبار أنّ الشعائر توقيفية كما هو معروف، فهو فعل مسيئ للإسلام والمسلمين حتماً.

 

ومثال آخر: عندما يقرّر البعض أن يقيم صلاةً معيّنة بكيفيّة خاصة دون دليل على ذلك، أو يقرّر أن يجمع الناس على صلاة نافلة لم يثبت بالدليل فيها استحباب أدائها جماعة، فإنّه بذلك يبتدع في دين الله تعالى، حتى لو كانت نيّته سليمة وهدفه سليماً وهو أن يعبد الناس ربهم، أو يجتمعوا على عبادته عزّ وجلّ.

 

وإنّ تساهُل العلماء إزاء هذه القضايا يهدّد الدين بالتحريف ويعرّضه للمسخ والتشويه، وقد قال رسول الله (ص): "إذا ظهرت البدع في أمّتي فليُظْهِر العالم عِلْمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله"[11].

 

وفي حديث آخر عن الصادقَيْن (ع): "إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظْهِرَ علمه، فإنْ لم يفعل سُلِب نور الإيمان"[12].

 

ولذا فإنّ من واجب العلماء حراسة الإسلام والحفاظ على صفاء مفاهيمه ونقاء تعاليمه وأحكامه، وهذا الواجب يستدعي الوقوف في وجه كل بدعة في الدين حتى لو كان غرض أصحابها سليماً ونواياهم طيبة.

 

 

كيف نواجه البدع؟

 

ثم إنّ مواجهة البدع والانحرافات لا بدّ أن تكون بالطرق المحلّلة والوسائل المشروعة والنظيفة، إلاّ أنّ البعض قد غالى في هذا المجال وجوّز استعمال كافة الأساليب ولو لم تكن نظيفة في حدِّ ذاتها في مواجهة أهل البدع، كالكذب عليهم ومباهتتهم، واستدلّ لذلك بما ورد في الحديث الصحيح عن الإمام الصادق (ع) قال: "قال رسول الله (ص): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأَظْهِروا البراءة منهم وأَكْثِروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد ويَحْذَرُهم الناس ولا يتعلّمون من بِدَعِهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدَّرجات في الآخرة"[13]

 

ولكن الظاهر أنّ المباهتة لا يُراد بها الكذب والافتراء على أهل البدع بما ليس فيهم من المعايب، وإنْ فَهِمَ ذلك جمعٌ من الفقهاء[14]، معتبرين أنّ مصلحة إسقاط المبتدع من أعين الناس تبرّر الكذب عليه، بل المراد بها إفحامهم وإسكاتهم بالحجّة، قال العلامة المجلسي[15]: "والظاهر أنّ المراد بالمباهتة إلزامهم بالحجج القاطعة وجعلهم متحيرين لا يحيرون جواباً كما قال تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}[البقرة: 258]، ويُحتمل أن يكون البهتان، للمصلحة.. والأول أظهر"، وقال الجوهري: "بهته بهتاً: أخذه بغتة، قال تعالى: {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}[الأنبياء: 40] وبهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير.."[16].

 

وفي تعليق له على الصحيحة المذكورة ذكر بعض الأعلام ما نصّه:

 

"والمراد- يقصد بالصحيحة- أن يُعرّف العلماء الناس ببدع المبتدعين وأهل الريب، ويُبيّنوا لهم أعلام الحقّ ويوضحوا لهم مناره، ويُظْهِروا لهم بهتان المبتدعين وكذبهم، وأنَّ ما يقولونه بهتان وبدعة سبيلها إلى النار.."[17].

 

فهو يفسّر قوله (ع): "باهتوهم" بإظهار بهتانهم وكذبهم للناس، ولكنّ هذا الاحتمال بعيد، وما ذكره المجلسي أقرب ظهوراً، ولو تنزّلنا عن أرجحية هذا التفسير على التفسيرين الآخرين، فلا مجال للتنزل عن كونه احتمالاً وارداً، بما يؤدّي إلى إجمال الصحيحة في هذا الأمر، ويكون المرجع هو عمومات حرمة الكذب والبهتان.

 

هذا وثمّة ملاحظة على ما جاء في الرواية من الأمر بالسبّ، فإنّ ذلك مخالف لتعاليم الإسلام وما ورد عن رسول الله (ص) وأهل البيت (ع) كما سيأتي، ما يجعلنا نتوقّف بشأن هذه الفقرة- على الأقل- مستبعدين صدورها عن رسول الله (ص) أو الإمام الصادق (ع).

 

 

 

 

 

 

من كتاب العقل التكفيري 

14/4/2014



[1]انظر: سنن النسائي ج3 ص189، والكافي للكليني ج1 ص56، والخصال للصدوق ص606.

 [2]السلفية للبوطي ص15.

[3] وسائل الشيعة ج5 ص19، الباب 7 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 11.

[4] مسند أحمد ج3 ص371، وصحيح مسلم ج3 ص11.

 [5]أمالي الشيخ المفيد ص188، ومستدرك الوسائل ج12 ص324، باب وجوب إظهار العلم عند البدع.

[6] سبل السلام لابن حجر العسقلاني ج2 ص48.

[7] المصدر نفسه، وراجع القواعد والفوائد للشهيد الأول ج2 ص146.

 [8]كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب للسيد الأمين ص83.

 [9]راجع: الإسلام ومتطلّبات العصر للشهيد مطهري ص137.

[10] راجع: كتاب السلفية للبوطي ص149، وكشف الارتياب ص102 و131.

[11]الكافي ج1 ص54، وراجع كنز العمال ج1 ص179.

[12]علل الشرائع ج1 ص236.

 [13]الكافي ج2 ص375.

 [14]كالسيد الخوئي في مصباح الفقاهة ج1 ص701، والسيد الكلبيكاني في الدر المنضود ج2 ص 148.

[15] مرآة العقول ج11 ص81، ويظهر من السيد علي الطباطبائي اختيار هذا التفسير للمباهتة، فإنّه بعد أن استدل بالصحيحة المذكورة على جواز غيبة الفاسق، قال: "ولا تصح مواجهته بما يكون نسبته إليه كذباً لحرمته وإمكان الوقيعة فيه من دونه"، رياض المسائل: ج13 ص526، وذهب العلامة أبو الحسن الشعراني إلى أكثر من ذلك حيث اعتبر أنّ تفسير المباهتة بالكذب هو من أوهام العوام، قال: "وربما يختلج في ذهن بعض العوام أنّه يجوز البهتان والافتراء على أهل البدع بأن يُنسب إليهم كفر لم يتفوّهوا به، لمزيد تنفير الناس عنهم، وهو غلط واضح، بل البهتان كذب وهو حرام"، شرح أصول الكافي للمازندراني ج10 ص43.

[16] الصحاح للجوهري ج1 ص244.

[17] كلمة التقوى ج2 ص325.

 






 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon