"فقه العلاقة مع الآخر المذهبي" تحت الضوء: قراءة ولمحة سريعة عن الكتاب    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    تنزيه زوجات الأنبياء(ع) على ضوء الروايات    الإنسان والماء: معادلة الحياة والموت    كيف نفهم حديث: علي أمير النحل؟    
 
بحث
 
كلمات الإمام علي: إنما يقيم امر الله من لا يصانع ولا يضارع ولا يتبع المطامع
 
س » مولانا انا اعاني من حديث النفس حيث يدور في ذهني صور وكلام فيه إساءة وجرأة على اولياء الله، مع اني اشعر بذنب كبير وانا ملتزم واخاف المحاسبة على هذا الحديث النفسي الباطني فبماذا تنصحني؟
ج »

هذه الوساوس وأحاديث النفس معفو عنها ولا يحاسب الإنسان عليها ما دامت غير اختيارية له ولا يتعمد استحضارها وإنما تفرض نفسها عليه، لأنه كما ورد في الحديث الشريف "كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر". أجل، يجدر بالمؤمن أن يُدرّب نفسه على تجنّب مثل هذه الوساوس حتى لا تسقط حرمة الأنبياء والأولياء (ع) في نفسه، فيكون اقترانهم (ع) بالصور القبيحة وألفاظ السباب أمرًا عاديًا. ولكن السؤال هو عن الطريق الأمثل لتجنب مثل هذه الوساوس، وفيما أرى وأرجح فإن الأمر قد يختلف من حالة إلى أخرى، فبعض الناس قد يكون طريقهم الأسهل للخروج من وطأة هذه الأحاديث النفسية هو أن يستحضروا عظمة الأنبياء (ع) في أنفسهم، وأن يستحضروا قبل ذلك أن هذه النفس بما يجول فيها من معاني قبيحة وكلام نفسي سيء تجاه الأنبياء، إن هذه النفس مكشوفة أمام الله، فهو مطلع على قباحة هذه الصورة التي تفرضها هذه الوساوس، ومن المعلوم أن حضور الله في نفس الإنسان يطرد وساوس الشيطان وكل قبيح منها، والإنسان المؤمن لا يحب أن يراه الله على هذه الصورة لأنه يخجل من ذلك. في المقابل فإن شريحة أخرى من الناس لا ينفعها الطريق المتقدم، بل قد يزيد ذلك من تفاقم المشكلة لديهم، ولذا فقد يكون العلاج الأمثل بالنسبة إليهم أن لا يُبالوا بهذه الوساوس -على قباحتها- وأن يعلموا أنها أنها وساوس عابرة ولا يحاسب الله عليها، ولا ينبغي إيلاؤها كثير أهمية


 
 
  مقالات >> اجتماعية
النظام الأخلاقي وحماية البيئة
الشيخ حسين الخشن



 

تحدثنا غير مرة عن الكلّيات والقواعد الفقهية التي يمكن في ضوئها تأسيس فقه بيئي يستطيع تزويدنا بالقوانين اللازمة والضرورية لحماية البيئة والحدّ من التعديات التي تطالها، إلا أنّ القوانين وحدها لا تحمي البيئة ما لم يكن لدى الإنسان إحساس بالمسؤولية، وهذا الإحساس إنما يوفّره النظام الأخلاقي المرتكز على وعي بيئي.

 

إصلاح البيئة من إصلاح الإنسان:

 

ولا أعتقد أننا نبالغ بالقول: إن جلّ المخاطر التي تتعرض لها البيئة هي نتاج طبيعي لضعف الوازع الأخلاقي لدى الإنسان، لأنّ الأخلاق ليست هي الحصن المنيع التي تمنح الإنسان معنى إنسانيته وتؤمن له الاستقرار الداخلي وتنظم علاقاته بالآخرين فحسب، وإنما هي أيضاً عنصر الحماية الرئيسي للبيئة ومواردها ومكوناتها، وكلما سما الإنسان أخلاقياً وروحياً كان ذلك أدعى للاستقرار البيئي فضلاً عن الاستقرار الاجتماعي... وكلما تداعت أو تصدّعت المنظومة الأخلاقية وتردّى الإنسان روحياً كان ذلك مؤشراً على ازدياد المخاطر البيئية، فضلاً عن الأزمات الاجتماعية، ولذا فإن إصلاح البيئة يبدأ من إصلاح الإنسان، وإصلاح الإنسان لن يكون ميسوراً إلا بإعادة الإعتبار إلى القيم الأخلاقية السامية، وذلك لأنه عندما تسود مبادئ النفعية والأنانية ويغدو الطمع والجشع والاحتكار... دليل النجاح و"الشطارة"، وفي المقابل تصبح قيم الرفق والإحسان والاقتصاد، دليل السذاجة والفشل عندما يسود هذا "المنطق" بموازينه المغلوطة ومفاهيمه المعكوسة فعلى الإنسانية السلام، وعلى البيئة ألف سلام!

 

في ضوء ما تقدم لا يعود مستغرباً هذا الاهتمام الديني بموضوع النظام الأخلاقي، لدرجة أن رسول الله محمد(ص) لخّص هدف بعثته بأنه العمل علىٍ تشييد صرح الأخلاق وإكمال مكارمه، قال(ص) ـ فيما روي عنه ـ: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(السنن الكبرى للبيهقي10/192، بحار الأنوار:16/210)، ولا يخفى ما تختزنه كلمة "أتمم" من اعترافٍ بجهود السابقين من الأنبياء والحكماء على صعيد البناء الأخلاقي.

 

والحقيقة أن الإرشادات والوصايا والتعاليم الأخلاقية التي جاءت بها الرسالة الإسلامية تطبيقاً وتأكيداً لمقولة رسول الله(ص) الآنفة حول مكارم الأخلاق تحتلّ حيزاً كبيراً من التراث الإسلامي الخالد الذي تركه رسول الله(ص) وأهل بيته(ع)، وما علينا إلا أن نعمل على نشر هذه التعاليم والتبشير بها سواء في وسط المسلمين أو غيرهم.

 

وفيما يتصل بموضوعنا فإن الإرشادات التي تساهم في حماية البيئة وفيرة ومتنوعة، وبعضها يعتبر إرشادات عامة تصلح للتوجيه في حماية البيئة بكافة عناصرها، وبعضها تمثل إرشادات خاصة تنفع للتوجيه في مجالات محددة، ونعرض فيما يلي إلى بعض المفاهيم الأخلاقية العامة، على أن نعرض للوصايا والإرشادات الخاصة في سياقها.

 

1 ـ الزهد

 

لا ريب أن لجشع الإنسان وطمعه الذي لا حدّ له تأثيراً سلبياً على البيئة، إمّا بشكل مباشر، لأن زيادة استهلاك الإنسان للمنتجات على اختلاف أنواعها الغذائية أو الصناعية أو غيرها تستتبع زيادة الإنتاج مع ما يستلزمه ذلك من استنزاف الموارد الطبيعية، وإما بشكل غير مباشر لأن الطمع والجشع يجرّ في كثير من الحالات إلى التقاتل ونشوب الحروب والصراعات وهي بطبيعة الحال تدمر الكثير من مظاهر البيئة وعناصرها، ومن هنا فإنّ  مفهوم الزهد يمكنه أن يلعب دوراً كبيراً في حماية البيئة، لإنه يروّض الإنسان على القناعة، ويحدّ من نزعة الجشع والطمع لديه.

 

وإن بعض مظاهر الطمع يمكن الحكم بحرمتها لكونها إسرافاً أو احتكاراً أو لانطباق عنوان محرم آخر عليها، ولكن بعض مظاهره قد يصعب الحكم بمنعها وتحريمها بالعنوان الأولي، ولكن لا ريب في كونها مذمومة للشارع الأقدس من خلال الكثير من الروايات التي تتحدث عن ذم الطمع وتحذر منه، وإليك بعض هذه الروايات: 

 

عن أمير المؤمنين (ع): "الطمع أول الشر"(الحكم من كلام أمير المؤمنين (ع) 1/ 576). وعن رسول الله (ص):" إنَّ صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين وهلاك آخرها بالشح والأمل"(الخصال: الشيخ الصدوق ـ تحقيق علي أكبر الغفاري ـ طبع جامعة المدرسين / قم ص 79 ، والأمالي له أيضاً الطبعة الأولى 1417هـ، وعن الإمام الصادق (ع): "إن فيما نزل به الوحي من السماء: لو أن لإبن آدم واديين يسيلان ذهباً وفضة لابتغى إليهما ثالثاً، ياابن آدم إن بطنك بحر من البحور ووادٍ من الأودية لا يملؤها شيء إلا التراب"(من لا يحضره الفقيه: تحقيق الشيخ علي أكبر الغفاري/ الناشر جامعة المدرسين إيران قم 1404هـ ج4 / 418 و2 / 194 ، علل الشرايع ج 2/ 408، وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب مقدمات الطواف / الحديث 2 ج 13 / 256 ). 

 

ونجد في الروايات ربطاً ملفتاً بين الحرص والفقر أو بين الطمع والفقر ، فعن أمير المؤمنين(ع): "الحرص مفقرة"(راجع: الحكم من كلام أمير المؤمنين(ع) 1/ 576). وعنه(ع) " الحرص رأس الفقر ورأس الشر"(م.ن)، وهكذا قوله:"الطمع فقر ظاهر "(م.ن)، أو" الطمع فقر"(م.ن).

 

وهذا وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الزهد ربما يفسّر تفسيراً خاطئاً بما يجعله مساوياً لإهمال الحياة بكل عناصرها أو باعثاً على ترك العناية والاهتمام بالبيئة ومكوناتها، إنّ هذا التفسير أو الفهم الخاطئ للزهد سينعكس بشكل سلبي على البيئة، لكنه ـ كما قلنا ـ تفسير خاطئ ولا يمت إلى الإسلام بصلة، وهو مجافٍ لكل التعاليم الإسلامية التي تؤكد على ضرورة الاهتمام بالحياة والعمل على تطويرها نحو الأفضل "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً"، والخلاصة: إن المطلوب هو الزهد في الحياة لا الزهد بالحياه، والزهد كما قيل: ليس أن لا تملك شيء، بل أن لا يملكك شيء.

 

2ـ الاقتصاد:

 

من المفاهيم والتعاليم الإسلامية التي لها دور هام في التخفيف من استنزاف مصادر الطبيعة وطاقاتها مفهوم الاقتصاد في الصرف والإنفاق، ومما جاء في الحث على الاقتصاد: ما روي عن النبي(ص): "إياكم والسرف في المال والنفقة، وعليكم بالاقتصاد، فما افتقر قوم قط اقتصدواْ "(كنز العمال ج 3/53، تفسير مجمع البيان ج 8 / 222، الناشر مؤسسة الأعلمي/بيروت 1415هـ)، وعن أمير المؤمنين  (ع) "الإقتصاد ينمي اليسير "أو القليل"(مستدرك الوسائل ح 13 الباب 19 من أبواب مقدمات التجارة). وعن الإمام الصادق (ع) "إن السرف يورث الفقر وإن القصد يورث الغنى" (الكافي 4/53من لا يحضره الفيه 3/174).  وعنه(ع) "ضمنت لمن اقتصد أن لا يفقر"(وسائل الشيعة ح 2 باب 22 من مقدمات التجارة)، وعن أمير المؤمنين (ع): "الاقتصاد نصف المؤونة"(مستدرك الوسائل ح 13 الباب 19 من أبواب مقدمات التجارة )، وعنه (ع): " لن يهلك من اقتصد"(م.ن)، وعنه(ع): "من لم يحسن الاقتصاد أهلكه الإسراف"(م.ن). 

 

3ـ الرفق: 

 

إن مفهوم الرفق من المفاهيم الإسلامية التي تساهم في حماية البيئة، لأنه لا ينحصر بالرفق بالإنسان، بل يتسع ليشمل الرفق بالحيوان والطبيعة أيضاً، ففي الحديث عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله (ص): "إنَّ الله يحب الرفق ويعين عليه، فإذا ركبتم الدواب العجف، فانزلوها منازلها فإن كانت الأرض مجدبة فانجوا عنها وإن كانت مخصبة فانزلوها منازلها"(الكافي:2/120، العجف: الهزال، وقوله: "فانجوا عنها" أي أسرعوا بها). وعن أبي جعفر(ع): "إذا سرت في أرض خصبة فارفق بالسير وإذا سرت بأرضٍ مجدبة فعجّل بالسير"(من لا يحضره الفقيه: 2/ 290) ، وعن أبي جعفر الباقر (ع) قال: "قال رسول الله(ص) لو كان الرفق خلقاً يرى ما كان مما خَلق الله شيء أحسن منه" (الكافي:  /12 )، وعن الباقر (ع) أيضاً:"إن الله عزَّ وجل رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"(الكافي:2/ 119).

 

وعنه(ع) قال: "قال رسول الله(ص) إن الرفق لم يوضع على شيء إلاّ زانه، ولا نزع عن شيء إلاّ شانه"(الكافي2/119)، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تؤكد على أن الرفق خلق إسلامي رفيع، ينبغي التخلق به ومراعاته في التعاطي مع الإنسان أو الحيوان أو الطبيعة(راجع بحار الأنوار:1/151)   .

 

وقد بالغ بعض الشعراء المسلمين في دعوته إلى العطف على الكائنات جميعها بما في ذلك النبات، مقدماً صورة بليغة ومعبرة عن إحساس النبات وشكواه إلى الله من عنف الإنسان وقسوته، قال:

 

إرحم الغصن لا تنله بسوءٍ          قد يحسّ النبات كالإنسان
واستمع للحفيف منه تجده           بات يشكو الإنسان للرحمان





 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon