صدر حديثاً كتاب: أبعاد الشخصية النبوية    صدر حديثاً كتاب: حاكمية القرآن    "فقه العلاقة مع الآخر المذهبي" تحت الضوء: قراءة ولمحة سريعة عن الكتاب    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    تنزيه زوجات الأنبياء(ع) على ضوء الروايات    الإنسان والماء: معادلة الحياة والموت    كيف نفهم حديث: علي أمير النحل؟    
 
بحث
 
الحسين شاهدًا وشهيدًا
 
س » برایکم هل للمسیره الاربعینیه الحسینیه دور فی الوحده الاسلامی اکمالاً لموسم الحج؟
ج »

إن هذه المسيرة هي تعبيرٌ عاطفيٌ مقدّرٌ عن تفاعل الأمّة مع أبي عبد الله الحسين (ع) وولائها لنهجه وخطّه، وإنّنا ممن يعتقد بأن الارتباط بأهل البيت (ع) لا يُمكن أن ينفصل عن الواقع والحياة المُعاشة، فعندما تزحف نحو الحسين (ع) لا بدّ أن تستحضر أنّك تسير في خطّ إمامٍ رفع راية الإصلاح ولم يركن إلى الظالمين وواجه الفساد والمُفسدين، وبالتالي لن تنسجم مع  ذاتك ومع مبادئك إن كنت لا تحمل هذه الأهداف في حياتك المعاصرة، فمن يُناصر الظالمين في زماننا وعلى رأسهم (الكيان الغاصب في فلسطين المحتلة والاستكبار العالمي وقوى الاستبداد)، فمن يُناصر هؤلاء لن يكون حسينيّ الهوى والهوية حتى لو مشى إلى الحسين (ع) وبكى عليه. إن للمسيرة إلى الحسين (ع) وظيفة إيمانية عقيدية ولها وظيفة ثورية سلوكية، وعلينا أن نأخذ الحسين (ع) بكلّه لا أن نأخذه مُجزءًا، ونؤمن ببعض ما أتى به ونكفر بالبعض الآخر.


 
س » ماهو رایکم عن مکانه زیاره الحسین ع فی حل الخلافات الاسلامیه و تجاوز الازمات المنطقه خاصه عبر استلهام قوات المقاومه عن مکتب عاشوراء؟
ج »

إن لزيارة المراقد والمقامات الدينية أكثر من وظيفة، منها الوظيفة الروحية، حيث يسير الإنسان الزائر في رحلة إلى الله تعالى يُعمّق فيها إيمانه لأن هذه المقامات هي من بيوت الله التي تفتح قلب المؤمن على الله وتجعله قريبًا منه (جل وعلا). ومنها الوظيفة السلوكية، فإن الزائر لا بد أن يستلهم تعاليم المزور ويقتبس هديه ويقتفي أثره. ومنها الوظيفة الرسالية، حيث إن على الزائر أن يستحضر الأهداف الكبرى التي تحرّك الإمام الحسين(ع) في سبيل إرسائها، ومن جملة هذه الأهداف: السعي إلى جمع المسلمين على كلمةٍ سواء، ألا وهي كلمة العدل ونبذ الظلم والفساد، إن أهم ما يجب أن يجمع المسلمين اليوم هو هذا الشعار وهذا العنوان، فالمسلمون على اختلاف مذاهبهم يعانون من سياسات الإفقار والتجويع ومن الحُكّام الفاسدين والظلمة، إن القهر والفقر والاستضعاف والظلم، إن ذلك كله لا يعرف دينًا ولا يميّز بين سنيّ أو شيعيّ، فعلى كلّ شيعيّ أن يعلم أن عدوه ليس السنيّ، وكذلك على السنيّ أن يعلم أن عدوه ليس الشيعي، إن عدو الطرفين في هذا الزمن هو كل ظالم وفاسد، وكل من يعمل على قهر الشعور واضطهادها وسلب خيراتها وتقديمها هدية للمستكبر الأمريكي أو للمحتل الصهيوني.


 
 
  مقالات >> تاريخية
تأملات في الخطاب العاشورائي المعاصر
الشيخ حسين الخشن



والسّؤال: هل الخطاب العاشورائيّ ولا سيّما خطاب المنبر الحسيني ارتقى إلى مستوى هذه النّهضة ومشروعها؟ وحمل قيمها الإنسانيّة ورسالتها الإسلاميّة؟

الإنصاف يقتضي منّا القول بأنَّ الخطاب العاشورائيّ المعاصر، رغم إيجابيّاته الّتي لا يمكن إنكارها، لم يرقَ إلى مستوى النّهضة وتطلعاتها، بل إنّه عرف الكثير من الإخفاقات والسّلبيّات، وهذا بيان تفصيلي لهذه الحقيقة:

1ـ ما المقصود بالخطاب العاشورائيّ؟

وفي البدء، لا بدّ من أن نشير إلى أنّنا لا نقصد بالخطاب العاشورائيّ خصوص ما يتلوه قارئ العزاء أو الخطيب الحسينيّ فحسب، فما يتحفنا به قارئ العزاء، هو جزء هامّ ومصداق بارز لهذا الخطاب العاشورائيّ، لكنّه لا يختصره، بل إنّ كلّ جهدٍ شفهيّ أو كتابيّ، سرديّاً كان أو تحليليّاً، شعريّاً أو نثرياً، قصصيّاً أو مسرحيّاً... إنّ كلّ جهدٍ من هذا القبيل، هو خطاب يعكس هذه النّهضة وأهدافها.

وفي ضوء ذلك، يغدو كلّ واحدٍ منّا معنيّاً بهذا الخطاب ومنتجاً له، فعندما تشرح لصديقك معنى النَّهضة وأهدافها وشخصيَّة رجالاتها، فأنت تقوم بإحياء ذكرى الحسين(ع) وتتقدم بخطابٍ عاشورائيّ، وكذلك الأستاذ الّذي يشرح لطلابه أهداف هذه النَّهضة الإنسانيَّة، والفنّان الّذي يرسم بريشته لوحةً لمشهدٍ عاشورائيّ، أو الفنّان الّذي ينتج فيلماً عن هذه النّهضة... إنّ هؤلاء جميعاً يساهمون في تقديم خطابٍ عاشورائيّ وقد يكون مؤثراً أكثر من غيره.

أجل، يبقى لخطاب المنبر الحسيني الذي يعتليه الخطباء وقراء العزاء ومن يسمون بـ «الرواديد» دورٌ محوريٌ في مخاطبة الجمهور العام، ولذا كان لزاماً علينا أن نوليه أهميّة خاصة، وهو ما سوف نركز الحديث عنه في هذا المحور.

 والمنبر الحسيني يقوم على عدّة مرتكزات أساسية وهي:

1ـ الخطيب.

2ـ  المخاطب.

3ـ الخُطبة.

والخطبة تتكون من عدة أجزاء:

1ـ  مقدمة.

2ـ  محاضرة.

3ـ التخلّص (الربط بين المحاضرة والمصيبة).

4ـ المصيبة (سرد السيرة الحسينية).

وعناصر الخطبة المذكورة، منها ما يتّصل بالمضمون، ومنها ما يتّصل بالشكل أو طريقة الأداء أو الأطوار الإنشادية، وأقصد بالمضمون المادة المكوّنة للخطاب، من شعر، أو قصص، أو سيرة، أو موعظة، وأقصد بالشكل الطريقة الأدائية، حيث يلاحظ أنّ طريقة الإنشاد الشائعة هي طريقة الإنشاد الشجي، والتي تعتمد على ترجيع الصوت بطريقة مفجعة ومبكيّة.

 والأطوار الإنشادية المعتمدة عندهم عديدة:

 1ـ الدرج.

2ـ المثكل.

3ـ الحداء.

4ـ التخميس.

5 ـ القزويني.

وتطوير خطاب المنبر الحسيني يفرض تطويراً في العناصر الثلاثة المشار إليها (الخطيب، المخاطب، الخطبة)، بما يتلاءم مع وظيفة هذا الخطاب التغييرية، فوظيفة الخطاب العاشورائي هي التي يُفترض أن تحكم عمليّة التطوير، ومن هنا فإنّ تحديدنا لوظيفة الخطاب المذكور هي المعين لنا في عملية التطوير.

2ـ وقفة مع الخطيب والمخاطب

 ومع أنّ حديثي مخصّص للكلام حول العنصر الثالث المتقدّم، أعني الخطاب، إلا أنّي سوف أسجل وقفة سريعة عند العنصرين الأول والثاني، أعني ما يتّصل بالخطيب والمخاطب، وإليك توضيح ذلك:

أولاً: فيما يتّصل بالخطيب، فلا شكّ أنّه يمثّل عنصرًا هامّاً في المعادلة، ونجاح المنبر الحسيني مدينٌ بنسبةٍ كبيرة لكفاءة الخطيب وقدرته على إيصال الرسالة إلى المتلقي، كما أنّه لا مجال للحديث عن أي تطوير للمنبر الحسيني إذا لم يتم إيلاء هذا العنصر العناية اللازمة به. وما تلزمنا الإشارة إليه في هذه العجالة هو أنّ الخطيب الحسيني لن يتسنى له القيام بدوره على أتمّ وجه ما لم يمتلك جملة مؤهّلات وملكات خاصة، وعلى رأسها الملكات الروحيّة والمؤهلات الثقافيّة، بالإضافة إلى امتلاكه حظاً مقبولاً من فن مخاطبة الجمهور، ومما يؤسف له أنّ ثمّة شريحة كبيرة ولعلّها الأكثر عدداً ممّن يعتلون المنبر الحسيني لا يملكون المؤهلات الكافية، ولذا فإنّهم يساهمون في تجهيل المستمع وتلقينه معلومات غير دقيقة أو أفكار خرافية أو مفاهيم مغالية أو متشددة، ما قد يُسهم في زيادة منسوب العصبيات المذهبيّة في المجتمع أو في تقديم صورة غير لائقة عن خط أهل البيت(ع).

ومردّ ذلك إلى عدم إيلاء قضيّة المنبر الأهميّة اللازمة من قبل المعاهد والحوزات العلميّة والمرجعيات الدينيّة، ولذا رأينا أنّ معظم أهل العلم قد عزفوا عن التصدّي للمنبر ومَهمّة الخطابة، معتبرين أنّ ذلك لا يليق بالعالم والفقيه، فتركوا المجال لمن ليس لهم قدم راسخة في سوق العلم والفقه، كما أنّه لم تقم لدينا معاهد متخصّصة للخطابة الحسينية. أجل علينا أن لا نغفل ولا نتغاضى عن وجود نماذج رائدة من خطباء المنبر الحسيني المثقفين والأدباء والفضلاء ممّن كانت لهم بصمات جيّدة في الارتقاء بهذا المنبر ليكون مدرسة سيارة ومتحركة في الواقع الإسلامي، لكنّها ـ مع الأسف ـ تبقى حالات نادرة وجهود فرديّة ولم ترق إلى مستوى الظاهرة العامة، ونأمل لبعض المحاولات المعاصرة الساعية إلى تأسيس معاهد حسينيّة متخصصة أن تتكلل بالنجاح، لكننا نعتقد جازمين أنّ الخطيب الحسيني لا يمكن أن يؤدّي الرسالة المطلوبة منه ما لم يتسلّح بالعدة العلميّة الكافية التي تمكّنه من تقديم خطاب رسالي، ثقافي وتربوي متماسك ينفتح على الجيل المعاصر وهمومه وطموحاته، ولا أعتقد أنّ مجرد دخول الخطيب في دورة ثقافية لمدة سنة ـ مثلاً ـ كافٍ ليصنع منه خطيباً محاضراً في قضايا الدين والتاريخ والمجتمع. كما أنّ الخطيب ليس مطرباً ليكون الأساس في مهمته هو حسن الصوت، كما أنّه ليس مهرجاً، يعمل على إثارة غرائز الجمهور. إنّ الخطيب هو صاحب رسالة، وعليه أن يوظِّف صوته ومهارته الخطابية لمصلحة الرسالة.

ثانياً: فيما يتّصل بالمخاطب، فإنّ كلمتي الوجيزة التي أسجلها هنا هي أنّ المخاطب والمستمع له دور أساسي وفعال في رفع مستوى الخطاب وتسديد الخطيب. إنّ حضور الجمهور بحسِّه النقدي كفيل برفع مستوى الخطاب، وبإشعار الخطيب بالمسؤولية عن كل كلمة يقولها وكل معلومة ينقلها، ومن هنا كان من الضروري أن ينأى المخاطَبُ بنفسه عن أن يكون مجرد إمعة[1] أو متلقٍ يتقبّل كل ما يلقى إليه، أو يرى نفسه غير معني بهذا الخطاب وأنّه قد قضى واجبه الديني وأدى قسطه للعلى بمجرد الاستماع إلى مجلس عزاء أو مرثية. إنّ على كل شخص مؤمن بأهميّة الثورة الحسينيّة وفاعليتها وضرورة استمرارها حية فاعلة مسؤولية كبيرة في حمل همّ هذه النهضة ونشر قيمها، ولذا فلا بدّ أن يكون معنيّاً بالخطاب العاشورائيّ، وأن يساهم في تقديمه وتطويره.

إنَّ الجمهور العام معنيّ بأن يكون جمهوراً مشاركاً بفاعليّة، وعندما يستمع، فعليه أن يستمع بعقلٍ مفتوح وأذنٍ واعية... وأن يقيّم كلّ ما يُلقى عليه. ولا يعيرن عقله أو يعطي سمعاً لكلّ أحد، فالاستماع مسؤولية، وقد ورد في الحديث عن أبي جعفر(ع): «من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان النّاطق يؤدّي عن الله فقد عبد الله، وإن كان النّاطق يؤدّي عن الشّيطان فقد عبد الشّيطان»[2].

وقصارى القول: إنَّ التّثقيف مسؤوليّة، وهي مسؤوليّة مشتركة بين الخطيب الّذي يقوم بتثقيف النّاس، والمستمع الّذي لا بدَّ له من أن يعرف كيف يتثقَّف وعمَّن يأخذ ثقافته.

3 ـ المزايا الإيجابية للخطاب العاشورائي

بالعودة إلى العنصر الثالث، أعني الخطاب العاشورائيّ، فإنّي وفي ضوء التّعريف المتقدّم له أدخل الآن إلى دراسته وتقييمه، وقد قلنا إنّه يحمل الكثير من الإيجابيّات، ويمتلك الكثير من عناصر القوّة:

الإيجابيَّة الأولى: أنَّه يمتلك قدرةً على الاستقطاب الجماهيريّ قلَّ نظيرها، فقد لا تجد شخصاً مهمّاً كان متفوِّهاً أو خطيباً مقتدراً يستطيع أن يستقطب النَّاس ويجذبهم إليه كما يستقطبهم الخطيب الحسينيّ والمنبر الحسينيّ، وباعتقادي فإنّ منشأ هذه القدرة على الاستقطاب ليست في الخطيب ولا في الخطاب بمقدار ما هي حرارة القضيَّة التي يتناولها الخطاب والخطيب، عنيت بذلك قضية مقتل الحسين(ع)، وهذا ما أشارت إليه الكلمة المروية عن الإمام الصادق(ع): «إنَّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً»[3] إنّ هذه الحرارة هي الّتي تمتلك قوَّة الجذب، فالحسين(ع) ساكن الضمائر ومتربع على عرش القلوب، ولا أخال إنساناً يمتلك حساً سليماً يمكنه أن لا يتفاعل عاطفياً وروحياً مع مأساة كربلاء.

الإيجابيَّة الثَّانية: هي دوره الاستنهاضيّ والتَّعبويّ، فهو كان ولا يزال قادراً على استنهاض الأمَّة وتعبئتها، ودفعها نحو الحركة والثَّورة، وربَّما في هذا السّياق، جاءت كلمة الإمام الخميني المعروفة: «كلّ ما عندنا فهو من كربلاء ومن عاشوراء».

الإيجابيَّة الثَّالثة: هي دوره الثَّقافيّ والتَّنويريّ، فنحن لا نُنْكر أنَّ بعض الخطباء العاشورائيّين والعلماء المفكّرين، ممن تحدَّثوا وكتبوا عن الثَّورة الحسينيّة، قد امتلكوا خطاباً تنويريّاً تثقيفيّاً واستطاعوا أن يربطوا عاشوراء بالواقع المعاصر وأن يقدموا تحليلاً مترابطاً لهذه النهضة وأهدافها ومنطلقاتها، ونستطيع أن نذكر على هذا الصعيد أسماء بعض هؤلاء الأعلام، وعلى رأسهم: الشيخ الوائلي والشهيدين الصدر ومطهري، والسيد فضل الله والشيخ شمس الدين وأعلام آخرين.

 هذه أهم الخصائص الإيجابيّة للخطاب العاشورائيّ.

4 ـ سلبيات في الشكل والمضمون

وإلى جانب الخصائص الإيجابيَّة المذكورة، هناك إخفاقات وسلبيّات وثغرات، يمكن رصدها في الخطاب المذكور، منها ما يتّصل بالمضمون ومنها ما يتّصل بالشكل، ونحن نعرض إليها فيما يلي بالنقد الهادف في سبيل تلافيها بما يخدم رسالة النهضة الحسينية.

أما ما يتّصل بالشكل فأعتقد أنّ أهل الاختصاص هم الأقدر على رصد هذه الثغرات والعمل على تلافيها، ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نسجل في هذا الصدد ملاحظتين:

الملاحظة الأولى: أنّ العناية بالصوت أمر جميل بكل تأكيد، لأنّ الصوت الحسن الندي يؤثّر بشكلٍ كبير في تعميق المضمون في النفس والوجدان، بيد أنّ هذا لا ينبغي أن يشكّل مقياساً ومعياراً لنجاح الخطيب أو فشله، وعندما يغدو الأمر كذلك ويصبح تقييم الخطيب على أساس الصوت، فهذا يعني أننا أمام مشكلة تعبّر عن انحراف حاصل في وظيفة الخطاب.

الملاحظة الثانية: غلبة اللهجة العامية العراقية على مجالس العزاء، وإذا كان استخدام هذه اللهجة مبرّراً في العراق وبعض البلدان الخليجية، ولكن لست أدري ما الموجب لأن يتكلّم الخطيب في لبنان وبلاد الشام عامة باللهجة العراقية ويستخدم أشعاراً ومصطلحات بلهجة لا يفهم منها السامع شيئاً؟! هذا مع أنّ بالإمكان استخدام الشعر العامي اللبناني وهو مفهوم لدى الجمهور العام في بلاد الشام وأكثر وقعاً في النفوس، والكثيرون يفهمون هذا اللون من الشعر أكثر من فهمهم اللغة العربية الفصحى. 

وأمّا السلبيات التي يمكن رصدها على مستوى المضمون الديني للخطاب العاشورائي فهي التالية:

السّلبيّة الأولى: إنَّ هذا الخطابَ لا يزال في الأعمِّ الأغلب خطاباً مذهبيّاً في منحاه العام، فهو يحبس الإمام الحسين(ع) ونهضته في إطارٍ مذهبيٍّ ضيِّقٍ، ليغدوَ إمامَ الطّائفة وإمامَ الجماعة، وليس إمامَ المسلمين، فضلاً عن أن يكون إمامَ الإنسانيّة.

السَّلبيَّة الثَّانية: إنَّ هذا الخطاب لا يزال خطاباً عاطفيّاً بامتياز، ويطغى عليه المنحى العاطفيّ الّذي يستهدف إبكاء النّاس، ليغدوَ ذلك هدفاً للخطيب الحسينيّ، ومقياساً لنجاحه، ولا ريب أن للعاطفة دوراً أساسياً في هذا المجال بيد أنّ ذلك لا يجعلها غاية مطلوبة في حد ذاتها، إنّ العاطفة لا بدّ أن تمثّل مدخلاً ومفتاحاً للتغيير في السلوك وتعميق الارتباط الفكري والروحي والمعنوي.

السَّلبيَّة الثَّالثة: إنَّ الخطاب العاشورائيّ يتصف بالتَّسامح والتَّساهل في عرض الأفكار، ففي المادة التثقيفية التي يقدمها هذا الخطاب سواء كان في المجال الأدبي أو الفكري أو التَّاريخيّ، لا نلمس ـ في الأعمّ الأغلب ـ تدقيقاً وتحقيقاً وتوثيقاً وتجديداً، الأمر الذي يجعل هذا الخطاب محشواً بالقصص والحكايا التي تُرسل إرسالاً دون أن يُذكر لها سند أو يعرف لها مصدر، كما أنّه مملوء بالتناقضات، حيث تطرح الرواية ونقيضها أو ما يضادها، وقد يحصل ذلك على لسان الخطيب الواحد، ولعلَّ غلبة المنحى العاطفيّ المشار إليه، هي الّتي أدَّت إلى هذا التَّسامح في تقديم النصّ التَّاريخيّ ونقل الأخبار والروايات والقصص دون تثبت، لأنَّه إذا كان الغرض هو إبكاء الجمهور، فلا ضير في أن يتوسَّل الخطيب كلّ شيءٍ يستدرّ الدَّمعة، بصرف النَّظر عن صحّته أو عدم صحّته.

وما أرومه في هذه المقام، هو التَّركيز على هذه السلبيَّة الثَّالثة، أي مسألة التّسامح في مصادر الخطاب العاشورائيّ، لأنّي أعتقد أنَّ لهذا الأمر سلبيَّاتٍ كثيرةً ونتائج خطيرة على الوعي العام وعلى صورة الإمام الحسين(ع) وهدفيّة ثورته، ولا سيّما في هذا الزمن الذي أصبح فيه الخطاب المذكور يبث عبر وسائل الإعلام ويسمعه الآلاف من الناس على اختلاف مستوياتهم وانتماءاتهم، ونجد البعض من ذوي النوايا السيئة أو الحسنة يعمدون إلى استغلال الأمر فينشرون بعض المقاطع الغريبة والمستهجنة من كلمات قراء العزاء وذلك بغرض النقد والإصلاح أو بغرض التشهير بشيعة أهل البيت(ع) وتسجيل النقاط عليهم. وقد انتشرت في الآونة الأخيرة بعض المقاطع المصوّرة والمختارة بعناية لتظهر تناقض الخطباء في القضية الواحدة. وقد ترك ذلك أصداءً سلبية في نفوس الكثيرين من أتباع أهل البيت(ع) فضلاً عن غيرهم. 

هل إن النص العاشورائي عصي على التحقيق؟

وربما يسأل سائل: لماذا يبقى النص العاشورائي عصياً على التحقيق وكأنه يمتلك حصانة ضد الاختراق؟ ولماذا يبقى التسامح والتساهل وعدم التدقيق هو السمة العامة التي تطبع هذا النص الذي يرد على لسان الخطيب، مع أنّ لدينا الكثير من الجهود البحثية والتحقيقية التي يمكن البناء عليها لتقديم مادة تتصف بالاعتبار التاريخي؟  

والجواب: إنّ السرّ في ذلك يكمن ـ في جانب أساسي ـ فيما أشرنا إليه في السلبية الثانية من طغيان البعد العاطفي على الخطاب العاشورائي، فعندما تتحوّل الدمعة إلى هدفٍ في حدِّ نفسها فإنّ ذلك سوف يسوّغ للخطيب أن يستعين بكل الشواهد التي توصله إلى هذه النتيجة، بصرف النظر عن دقة هذه الشواهد من الناحية التاريخية[4].

إنّ فداحة الخطب وقداسة الرموز سمح بأسطرة القضيّة وجعلها مكوّناً لهوية الجماعة وجزءاً من وجدانها، وبالتالي أصبح من الصعب جداً ضبط النص والقيام بعمل تصحيحي والوقوف في وجه ما يضيفه مخيال القراء، وأصبحت جهود المصلحين والباحثين على هذا الصعيد تذهب هباءً منثوراً ولا تجد لها آذاناً صاغية.

5 ـ الصمت ومحاولات التوجيه؟!

وثمة تساؤل يطرح نفسه في المقام وهو لماذا هذا السكوت العام من قبل الفقهاء إزاء السلبيات المذكورة، ولا سيما ما يتّصل بالتسامح في مصادر النص، واقتصار محاولة التصحيح على بعض المجددين والمفكرين الإسلاميين؟

والجواب: إنّ الفقهاء وهم أصحاب الكلمة الفصل في الوسط الشيعي قد اكتسبوا ثقافتهم وكونوا تصوّرهم عن الحدث العاشورائي من خلال المنبر الحسيني، وقد تلقوا منذ الصغر هذه المفاهيم والمقولات في أجواء المأساة والبكاء ممزوجة بالألم والأسى والفجيعة ما جعلها مستقرة في الوجدان بل في اللاوعي، ولذا غدوا يأنسون ويألفون ـ كسواهم من عامة الشيعة ـ استحضار هذه الفجائع ويتفاعلون معها عاطفياً ويرون في ذلك ممارسة عبادية تعبر عن عمق الولاء والحب لأهل البيت(ع) وإحياء أمرهم، إنّ هذه التربية التي تربى عليها الفقيه والعالِم منذ نعومة أظافره سوف تجعل من العسير عليه أن يواجه أو يعترض حتى لو اكتشف فيما بعد أنّ القصة المتداولة لا يوجد أي شاهد عليها بل يتجه لاشعورياً إلى التبرير إرضاءً لأحاسيسه وانسجاماً مع تربيته ومشاعره الداخلية التي يصعب عليها التخلي عما اعتادت سماعه من أحداث وألفته من صور حتى صار ذلك جزءً من وجدانه. وهذا المقدار من الذاتية قد لا يستطيع الفقيه التخلص منه إلاّ بجهد جهيد.

على أنّ بعضهم لا يرى أنّ النقد مؤثّرٌ، أو أنّه لا يمتلك جرأة المواجهة حتى لو اقتنع بأنّ هذه القصة أو تلك ممن يُتلى على المنابر صبحاً وعشياً ليست صحيحة أو لا دليل عليها، فيلوذ بالصمت حفاظاً على مكانته الاجتماعية والدينية، ويركن إلى السكوت خشية أن تطاله أو تناله سهام الإسقاط أو تحاصره جهود المقاطعة.

ويرى المحدث النوري أنّ سبب عدم قيام العلماء بالنهي عن اختلاق الروايات يعود «إمّا إلى عدم اطلاعه عليها أو لعدم ملاحظة ما فيها من نقص وشذوذ أو لعدم تمكنه من النهي لضعف حاله عن مواجهة هؤلاء وردعهم»[5].

محاولات التوجيه

ولم يقف الأمر عند حدود الصمت عمّا يجري بل إنّ البعض ذهب إلى خطوة أكثر خطورة، وهي محاولة تبرير واقع الخطاب العاشورائي، وذلك بالقول: إنّ الروايات المشجية والمؤثرة والتي تشتمل على صور مؤثرة من المعاناة والمأساة، لا داعي للتشدد في رفضها وإخضاعها لمعايير علم الرجال الدقيقة، لأنّها ما دامت لا تشتمل على مفاهيم مزورة أو قلقة ولا تمسُّ المعتقد ولا تنافي الحكم الشرعي، فلا ضير في طرحها.

ولكن هذا الكلام لا يستقيم، وله مخاطر جمة، فهو سيعني الإقرار بالواقع على علاته، ويبرر الكذب الجزئي، بحجة أنه لا يترتب عليه مفسدة أو ضرر يتّصل بالعقيدة أو الشريعة، وهذا بالإضافة إلى أنّه غير مبرّر شرعاً فإنّه سيشرع أبواب الكذب على مصراعيه، وسنغدو أمام نصٍّ فضفاض لا يمكن ضبطه ولا تقف المسألة عند حد، وهكذا ستضيع الحقيقة وتتشوه القضية. إنّ المسألة مسألة منهج واضح يرفض استغلال الأكاذيب ولو كان ذلك لغاية نبيلة، وهي تحريك مشاعر الجمهور.

وقد يقترح البعض حلاً آخر يتلخص في إبقاء كل المرويات ـ بصرف النظر عن الوثاقة بها سنداً أو مصدراً أو مضموناً ـ قيد التداول، ولكن على أن تطرح لا بعنوان أنها أحداث تاريخية ووقائع حقيقية، بل تصاغ بلغة أدبية رمزية افتراضية، على طريقة لغة الشعر، وبذلك تؤدي وظيفتها وغرضها دون أن نكون قد وقعنا في المحاذير الشرعية، من التقول والكذب. ألا ترى أنّ الشاعر دعبل أنشد شعراً عند الإمام الرضا(ع) ضمّنه بعض الصور المتخيّلة، فقال:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً

وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذا للطمت الخد فاطم عنده

وأجريت دمع العين في الوجنات

أفاطم قومي يا بنت الخير فاندبي

نجوم سماوات بأرض فلات[6]

ويلاحظ أنّ الإمام(ع) ـ بناءً على صحة الرواية ـ لم يرَ بأساً فيما قاله دعبل، وليس ذلك إلا لأنه يقدِّم صورة شعرية تعتمد على الخيال، وليس أحداثاً حقيقية وقعت في التاريخ.

 إلا أنّ هذا الطرح لا أعتقد أنّه هو الحل المناسب، لأنّ الواقع لا يشير إلى انضباط المسألة، فما كان يطرح بعنوان خيال شعري سرعان ما يتحوّل إلى حقائق، وسيأتي أنّ بعض الأمور ربما تمّ طرحها في بادىء الأمر بعنوان لسان الحال ثمّ غدت تطرح على المنابر وكأنها حقائق تاريخية.   

والحلّ الأمثل هو أن يصار إلى اتخاذ موقف أو قرار جريء بالسعي إلى إصلاح الخطاب العاشورائي، فليتحملْ العلماء وعلى رأسهم الفقهاء مسؤوليتهم الإسلامية في الإصلاح باعتماد خطة متكاملة وتدريجية تستهدف العمل الجاد بدون مداهنة أو تسويف، ولا يترك الأمر إلى قراء العزاء لأنّ الخطابة بالنسبة لمعظمهم غدت مهنة يعتاشون عليها فلا يتوقع منهم القيام بإصلاح ذاتي.

وفي هذا السياق سوف أتقدم بأفكار مختصرة تسعى ـ أولاً ـ إلى بيان ما هي المصادر الصّحيحة والمعتبرة للثّقافة الحسينيّة والعاشورائيّة، ثمّ أبحث ثانياً عن المصادر غير المعتبرة:    

6ـ المصادر المعتبرة للثقافة العاشورائيّة

أمّا المصادر المعتبرة، والّتي لا بدّ من الاعتماد عليها في الخطاب الديني عموماً ومنه الخطاب العاشورائي، ولن يكون الخطاب إسلامياً إذا تجاوزها وابتعد عنها فهي تتمثل بأمرين أساسيين:

أوّلاً: القرآن الكريم.

وهو المصدر الأوّل للثّقافة الإسلاميّة، ويمتاز بأنّه ـ أيضاً ـ المرجع الّذي تُحاكم على ضوئه كافّة المصادر الآتية، وذلك لأنّه مصون من الخطأ ومحفوظ من التلاعب والتحريف.

وحيث إنّه ليس هناك شكٌّ في أنَّ القرآن الكريم هو مصدر الثَّقافة الإسلاميَّة الأوّل، فإنَّ من الضروري أن نعرف كيف نفهم القرآن؟ وكيف نقدّمه إلى النّاس؟ لأنّ بعض الخطباء والكتَّاب قد ينزلق إلى اعتماد منحى خطير في هذا المجال، وذلك من خلال فتح باب تأويل القرآن على مصراعيه، مما يعدُّ خروجاً عن ضوابط قراءة النص وقواعده، هذه القواعد التي يشكّل الظهور العرفي الحجر الأساس فيها. إنّ بعض التأويلات التي تذكر لآيات القرآن الكريم تقترب من العبث والتلاعب بالنص لأنها لا تقوم على قاعدة، ولا ترتكز على أساس، بل ربّما اندرجت في نطاق تحريف القرآن.

فعلى سبيل المثال، قد نسمع بعض الخطباء يفسِّر قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1]، بأنّ الكاف هي كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد، والعين عطش الحسين، والصّاد صبر الحسين... وهنا نتساءل: كيف يمكن تقبّل هذا التأويل حتى لو استند على بعض المرويات[7]؟!

ولكن ربما يقال: إنّ هذا من التأويل الذي عَلِمَه الأئمة من أهل البيت(ع) فلا يصحّ ردُّ الرواية الواردة في ذلك.

 ولكننا نلاحظ على هذا النمط من التأويل:

1ـ أنَّ القرآن الكريم ليس كتاب ألغاز أو أحاجٍ، إنّه بيان وتبيان للنّاس، كما تنصُّ العديد من الآيات الكريمة، وكتاب كهذا لا يمكنه أن يستخدم هذه الطريقة المعمّاة في إيصال الفكرة، ولا سيّما أنها تفتح الباب على تأويلات غير منضبطة، ويمكن لكل أحدٍ أن يستغلها في تأويل كتاب الله تعالى والتلاعب بآياته وتفسيرها بما ينسجم مع أهوائه الخاصة.

2ـ إنّ أئمّة أهل البيت(ع) فيما صحّ لنا من أخبارهم لم يعتمدوا هذا المنهج التأويلي في تفسير القرآن الكريم بل حاربوا ذلك ووقفوا في وجهه واعتبروه خطراً على كتاب الله تعالى، ولهذا عندما قيل للإمام الصادق(ع) أنّ بعض الناس يروون عنكم أنّ الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال، في إشارة إلى ما جاء في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:90]، فيكون الأمر بالاجتناب في هذه الحالات متمثلاً بالابتعاد عن فلان وفلان وفلان! نجده(ع) رفض هذا النهج وتقدّم ببيان قاعدة في تفسير القرآن الكريم وفي محاكمة الموروث التفسيري التأويلي، والقاعدة هي ما جاء في قوله(ع): «ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعقلون»[8].

ثانياً: السنة الصحيحة

المصدر الثّاني للثّقافة الإسلاميّة هو السُنّة، وهي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، والاعتماد على السنة يحتاج من بعض الجهات إلى تدقيق أكثر من التعامل مع القرآن الكريم، وذلك لأنّ القرآن الكريم مصدر معصوم وهو قطعي الصدور، بينما الروايات التي تحكي لنا سنة المعصوم ليست كذلك، بل فيها الكثير من المكذوبات والموضوعات والضعاف، ومن هنا كان تراثنا برمته بحاجة إلى غربلة وتصفية وتنقية، وسوف نشير عمّا قليل إلى كيفية الغربلة هذه، ولكنّ ما نريد التنبيه عليه هنا أنّه من غير المقبول ولا السديد أن يقرأ الخطيب على منبره كل ما وقعت عليه عيناه من الأخبار التاريخية، بل عليه أن يخضعها للضوابط الآتية.

وربما يقال: إنّ إيكال هذه المهمّة التحقيقية إلى الخطيب هي من التكليف بما لا يطاق، الأمر الذي يلزم منه سدّ باب الخطابة الحسينية، وأن لا يُسمح بصعود المنبر إلا للفقهاء الذين لديهم مبانٍ رجالية يستطيعون في ضوئها محاكمة التراث وتقييمه.

ولكننا نقول: ليس الأمر بهذا العسر، فهناك فسحة كبيرة أمام الخطيب، وبإمكانه الاعتماد على تصحيحات بعض الأعلام الرجاليين، وهي متوفرة وتغطي غالب الكتب والمصادر الحديثية[9].

على أنّ بإمكانه أن يستشهد من الروايات بما يكون مضمونه منسجماً مع المفاهيم القرآنية ولا يصادمها، حتى لو لم يتحقق من صحة سندها، فإنّ موافقتها للقرآن الكريم تجبر ضعفها، وتسمح بالوثوق بمضمونها، وهذا ما أشرنا إليه من أنّ الثقافة القرآنية تبقى هي المحور الذي يدور رحا الثقافة الإسلامية عليه، وعلى الخطيب ـ كما الفقيه ـ أن يتسلح بالقرآن ويعتمد عليه، ويتزود من معينه في كل ما يقدمه من مفاهيم وأفكار، أو يستنبطه من فتاوى.

ثالثاً: التاريخ المعتبر

والمصدر الثالث هو التّاريخ، ولكنّ التثقيف المستند إلى الأخبار التاريخية يتوقف على حيازة الخبر على شروط الاعتبار التاريخي. وبيان ذلك: أنّ الاعتبار له عدة مستويات:

الاعتبار الكلامي: وذلك لأنّ القضيّة إذا كانت تتصل ببيان مفهومٍ عَقَديّ فلا بدّ في إثباتها من العثور على دليل قطعي عقلياً كان أو نقلياً.

 الاعتبار الفقهي: بمعنى الاعتماد على خبر موثوق أو صحيح يرويه الثّقاة، وذلك عندما يكون المفهوم المطروح متصلاً ببيان حكم شرعي.

الاعتبار التّاريخيّ: عندما يتّصل الأمر بنقل حادثة تاريخيّة لا علاقة لها ببيان حكمٍ شرعيّ أو مفهوم عقدي، فهنا قد يكفينا الاعتبار التّاريخيّ، بمعنى أن يكون للحادثة الّتي تُقَدَّم إلى النّاس مصدر تاريخي معتبر ولا يكون المضمون مخالفاً لضوابط وشروط قبول الخبر، مما تأتي الإشارة إليه.

والحقيقة أن المصادر التاريخية المعتبرة أو بتعبير أدق الصالحة للاعتماد عليها في بيان أحداث النهضة الحسينية ومجرياتها ليست بالقليلة، فهي متوفرة، وهي تبلغ العشرات، من تاريخ الطبري وما نقله عن أبي مخنف، إلى «مقاتل الطالبيين» إلى «تاريخ اليعقوبي» إلى «أنساب الأشراف» إلى «الإرشاد» للشيخ المفيد، إلى غير ذلك، ويضاف إليها ما تضمنته بعض كتب الحديث المعتبرة من روايات أضاءت على بعض الجوانب المتصلة بالنهضة الحسينية ومجرياتها. 

إنّ الخطيب ليس قصاصاً وإنّما هو داعية رسالي ومسؤول عن بناء جيل على أساس الثقافة الإسلامية الأصلية، ولذا ليس صحيحاً أن يحدّث مستمعيه ورواد مجلسه بكل خبر يقرأه أو رواية يسمعها وإنّما عليه أن يُخْضِعَ الخبر لضوابط البحث التاريخي.

ربما يقال: لو بنينا على هذا التشدد في نقل الأخبار التاريخيّة  لكان اللازم أن يتوقف معظم الخطباء عن صعود المنبر، لأنّه إذا اشترطنا في كلّ روايةٍ أو قصّةٍ يراد نقلها، أن تكون مرويةً بسندٍ صحيح، فلن نجد في معظم الأخبار التاريخيّة ما يتوفر على هذا الشرط.

ولكننا نعلّق على ذلك بأنّه لا داعي لهذا التهويل لأنّ منهج الوثوق هو الكفيل بالتغلب على هذه الثغرة، وهذا المنهج يعتمد على جمع الشواهد المختلفة التي تشكّل كل واحدة منها قرينة احتمالية، وبضمِّ هذه الشواهد بعضها إلى البعض الآخر يحصل الوثوق بمضمون القضية، وتكتمل صورة المشهد التاريخي.

ضوابط في محاكمة الخبر 

      وأمّا الشروط والضوابط التي لا بدّ من توفرها في الأحاديث والأخبار التاريخيّة حتى يتسنى لنا اعتمادها في الثقافة العاشورائية وغيرها، فهي مذكورة ومفصلة في علم الأصول والرجال والدراية، ونحن نشير إلى بعضها، ليضاف إلى ما تقدم من ضرورة توفر الخبر على الاعتبار التاريخي أو الفقهي: 

1ـ أن لا يتعارض النقلُ التاريخي مع كتاب الله ومضامينه ومفاهيمه، فالخبر الّذي يعارض القرآن الكريم يجب طرحه وعدم الاعتناء به، حتّى لو كان صحيح السّند، فضلاً عمّا إذا كان ضعيفاً، أجل، علينا وقبل أن نتسرع برمي الخبر بأنه منافٍ لكتاب الله تعالى، أن نكون ملمين بهذا الكتاب ومطلعين عليه ومتشبعين بثقافته ومتدبرين في آياته.

وفي ضوء هذا المعيار، فقد ذكر بعض الفقهاء أنّ الخبر الذي يذمّ بعض الأقوام وبعض الشّعوب وبعض الأعراق، لا بدّ من طرحه، كالرّوايات التي تنهى عن مزواجة الأكراد ومعاملتهم التجارية، معللة ذلك بأنهم «حيّ من الجنّ كُشف عنهم الغطاء»[10]، فمثل هذه الأخبار تنافي روح القرآن ومفاهيمه الأصيلة الّتي جاءت لتقول: لا فرق بين مسلمٍ وآخر، بين إنسانٍ وآخر، إلا بالتّقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: 13].

وعلى هذا الأساس فعندما يقدّم لنا الخطيب حديثاً أو قصّةً تاريخية تتضمن إقدام الإمام الحسين(ع) على ما ينافي عزّته وكرامته، فلا يمكن قبول ذلك. فإنّ أيّ خبرٍ يخدش حرمة مؤمنٍ عاديّ، فضلاً عن أن يخدش حرمة نبيّ أو وليّ، هو خبر مرفوض ويُضرب به عرض الحائط، لأنّه يُنافي الكتاب الكريم الّذي أكّد كرامة الإنسان وعزّة المؤمن، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[الإسراء:70]،وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:8].

2ـ  أن لا يتنافى الخبر مع معطيات العقل الفطريّ والوجدان السليم، وهذا المعيار لا غبار عليه، لأنّ ما ينافي العقل والفطرة والوجدان السليم لا يمكن أن يفعله المعصوم، أو يقوله.

 أجل، علينا التنبيه هنا إلى أنّ المعيار في رفض الخبر ليس مخالفته للذّوق أو الاستحسانات الخاصّة، وإنّما المعيار هو العقل القطعي، والفطرة السّليمة المودعة في الإنسان، والّتي كانت إحدى وظائف الأنبياء أن يعملوا على إيقاظها، كما جاء في نهج البلاغة عن الإمام عليّ(ع) وهو يحدّد وظائف الأنبياء تجاه الأمّة، يقول: «وواتر إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَه لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِه، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ»[11]، يعني أن العقل قد يعلوه الغبار وتجتاحه الأهواء والمصالح، فيأتي دور النبيّ(ص) ليثير هذه الدّفينة ويكتشف هذا الكنز ويعيده إلى إشراقته.

3ـ ومن معايير قبول الخبر أن لا يعارض المسلّمات والحقائق العلميّة، والوجه في هذا المعيار هو ما نقوله دائماً إنّ الوحي هو كلام الله، والكون هو خلق الله، ولا يمكن أن يتعارض قول الله مع فعله، وعلينا التنبيه هنا إلى ضرورة عدم التسرع في رمي الخبر وردّه لمجرد منافاته مع فرضية علمية لا تزال موضع جدل بين أهل الاختصاص، إننا نتحدث عن ردّ الخبر في حال منافاته مع الحقائق العلمية، وإنّ حركيّة العلم وتطوّره تفرض علينا المحاذرة والدقة في هذا المجال.

وعلى هامش هذا المعيار علينا أن نشير إلى ضرورة الدقة في نقل أخبار الآحاد التي تتضمن بعض القضايا الإعجازية العامة والتي لا بدّ ـ بطبيعة الحال ـ أن يراها ويشهدها الآلاف من الناس، ومع ذلك ينفرد بنقلها شخص أو شخصان أو ثلاثة أشخاص، فإنّ الإنسان يستريب في هذا المقام، إذ مع توفر دواعي النقل ولا سيّما أمام غرابة الحدث، فلماذا قد يتفرد بالنقل هذا الراوي أو ذاك؟!

وقد أوضحنا هذه المصادر وسواها بشيء من التفصيل في مجال آخر، فليراجع[12].

هذه إطلالة سريعة على أهمّ المصادر المعتبرة للثّقافة العاشورائيّة والإسلاميّة.

7 ـ المصادر غير المعتبرة

وأمّا المصادر التي لا يصح اعتمادها في الثّقافة الإسلامية والعاشورائيّة، وإن كان بعض الخطباء الذين يعتلون المنبر الحسينيّ يكثرون من الرجوع إليها فيمكن أن نلخصها بما يلي:

أوّلاً: الأخبار والرّوايات غير الموثّقة

 إنّ بعض الخطباء والكتاب لا يتوثّقون من الروايات التي ينقلونها ويتحدثون بها مع الجمهور العام، مع أنّ بعضها ليس له اعتبار تاريخيّ، فضلاً عن الاعتبار الفقهي، وهم يكتفون بنقلها من بعض الكتب غير المعتبرة، مع أنّ وجود الرّواية في كتاب معتبر وقد ألّفه عالم جليل ـ فضلاً عن أن يكون غير معتبر ـ لا يعني أنّها معتبرة وصحيحة وتصلح للتثقيف العام، كما هو الحال في بعض روايات «بحار الأنوار»، حيث إنّ العلامة المجلسي(ره) هو نفسه لا يضمن صحّة جميع أخبار كتابه، بل ربما قال: «وجدْتُ في نسخة قديمة من مؤلفات أصحابنا»[13]، ولهذا فمجرّد أنّ يجد الخطيب الرّواية مذكورة في «البحار» أو غيره من المصادر، فهذا لا يبرّر له اعتمادها وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش أو فوق النقد.

أجل، إنّ بعض الأخبار قد لا يكون لها إسناد بالمعنى المعروف فقهياً، لكنّها تمتاز بقوّة في مضمونها، ولها كيمياء خاصّة، وعليها حلاوة تشهد بصدورها عن الإمام(ع)، وقد ورد في بعض الرّوايات عن رسول الله(ص): «إنّ على كلّ حقٍّ حقيقةً، وإن على كلّ صوابٍ نوراً»[14]، فإذا كان للكلام هذه القوّة في المضمون، وكان منسجماً مع مضامين القرآن الكريم، فيمكن للخطيب أو الكاتب طرحه على النّاس ونقله إليهم وتثقيفهم به، أمّا الأخبار الّتي لا تملك اعتباراً فقهيّاً، ولا اعتباراً تاريخيّاً، ولا تملك هذه القوّة في مضمونها بما يساعد على الوثوق النوعي بصدورها عن المعصوم، فلا يصح اعتمادها في التثقيف العام وإلقاؤها إلى الجمهور.

ويبلغ التساهل في هذا المجال مداه عندما يصبح مصدر بعض الخطباء في سرد الأحداث ونقل الأخبار هو «أرباب المنبر الحسيني»، فيقول لك الخطيب: «نقل أرباب المنابر» أو «حدَّثَ بعض الخطباء» بكذا وكذا.. فالمصدر ـ إذاً ـ هو «بعض الخطباء»! وهكذا ينقل خطيب عن خطيب عن خطيب؛ دون أن تدري من هو ذاك الخطيب! وما مدى دقته وتثبته ووعيه وأمانته! وقد يتردد الكلام المنقول على ألسنة الكثيرين، ويتعرّض للزيادة والنقصان، فكلٌ يصيغ الحادثة المزعومة بطريقته الخاصة ويضيف عليها من مخياله! وربما يأخذ التساهل منحى آخر، حيث نلاحظ أنّ ما يتردد على لسان خطيب منسوباً إلى «أرباب المنبر»، قد ينقله خطيب آخر بعنوان «ورد في بعض الأخبار» في عملية إلقاءٍ للكلام على عواهنه، واستخفاف بعقول الجمهور.

إنّ ما ينقله «أرباب المنبر» ليس مصدراً معتبراً لنقل الرّواية ولبناء الثّقافة الإسلاميّة، وعلى الخطيب أن يتثبت من الأمر وأن لا يرسل الكلام إرسالاً، فالمنبر مسؤولية والحديث مع الناس مسؤولية.

والشيء المؤلم أنّ بعض الأخبار التي تتلى على المنابر الحسينيّة لا أصل لها أو يطالها التحريف دون أن تجد مُنْكِراً لذلك، وكأنّه قُدّر للخطاب الحسيني أن يظلّ بعيداً عن التدقيق وعن اعتماد الضوابط!

ثانياً: الكتب غير المعتبرة

 والمصدر الأكثر التباساً في مجال التثقيف العام ولا سيما فيما يتّصل بالثقافة العاشورائية هو الكتب غير المعتبرة، وعدم اعتبار الكتاب لا ينشأ دائما من كون الكتاب مكذوباً أو منحولاً على صاحبه، أو غير ثابت النسبة إليه، بل ربما كان الكتاب معلوم النسبة إلى مؤلفه، بيد أنّ المؤلف قد لا يكون موثوقاً، أو ربما لا يملك خبرة وضبطاً وتدقيقاً، بما قد يجعله يعتمد على ما لا يمكن الاعتماد عليه، فعدم اعتبار الكتاب لا يعني الطعن في شخص مؤلفه ولا يعني أيضاً أنّ كل ما حواه الكتاب مرفوض، ولكن التمييز بين الغث والسمين يحتاج إلى دراية ومعرفة، ومن هنا وجدنا أن العلماء الأبرار الأتقياء كما يقول العلامة المحدّث الشيخ النوري: «لا ينقلون عن الكتاب الذي عرف صاحبه باللامبالاة في نقل الحديث بأن لا يفرّق في نقله بين الأخبار الموهونة وغير الموهونة، ولا يميز بينها في مقام النقل فلا تراه يردّ خبراً على الإطلاق»[15].

ومما يؤسف له أنّ الكتب غير المعتبرة في هذا المقام كثيرة وهي لا تزال متداولة ومنتشرة ويتم طبعها باستمرار، وفيما يلي نشير إلى بعضها:

1ـ كتاب «إكسير العبادات وأسرار الشّهادات » للدّربندي، والمعروف اختصاراً بأسرار الشهادة، وهو من الكتب التي أدخلت إلينا العديد من الأخبار التي لا أصل لها، وأعتقد أنّ المحدث النوري المعاصر لهذا الشيخ قد أوضح الأمر بشكل جلي حول شخصية الدربندي وذهنيته وكيفية جمعه لكتابه المذكور، مؤكداً أنّه لا يمكن الوثوق بكتابه، وإن كان هو رجلاً صالحاً في نفسه، ومن أهم الدلائل التي ذكرها المحدث النوري لإثبات عدم الوثوق بكتاب «أسرار الشهادة» أنّ الدربندي اعتمد كمصدر لكتابه على بعض المجاميع المجهولة التي نهى بعض كبار الفقهاء آنذاك عن نشرها أو قراءتها، لما تضمنته من الأكاذيب[16]. والغريب أنّ هذا الكتاب وأمثاله لا يزال في محل التداول ويطبع مراراً وربما اعتمد البعض عليه، «مع أنّ فيه الغث والسمين بما لا يخفى على نقّاد فنّ الحديث»، كما قال العلامة الخبير السيد الخونساري الصفائي[17].

2ـ كتاب «المنتخب» للطريحي من العلماء المتأخرين[18]، وكتابه هذا لا يمكن التعويل عليه، فهو لا يذكر لنا مصادره، وإنما يرسل الأحاديث إرسالاً، وقد أشار المحدث  النوري إلى أن هذا الكتاب مشتمل على ما هو موهون وما ليس كذلك[19]، وهكذا فقد غمز المحدّث الشيخ عباس القمي من هذا الكتاب ومن كتاب «نور العين» الآتي، حيث قال تعليقاً على خبر ضرب السيدة زينب(ع) لرأسها في مقدم المحمل: «لا يوجد ذكر المحمل إلا في خبر مسلم الجصاص، وهذا الخبر وإن نقله العلامة المجلسي، لكن مستنده هو كتاب منتخب الطريحي وكتاب نور العين، ولا يخفى على أهل الخبرة والفنّ في علم الحديث، حال الكتابين المذكورين، ونستبعد القول بأنّ زينب نطحت جبينها بمقدم المحمل حتى سال الدم وإنشادها تلك الأبيات؛ فإنها أجلّ من ذلك وهي عقيلة الهاشميين، عالمة غير معلّمة، رضيعة ثدي النبوة، وذات مقام شامخ في الرضا والتسليم»[20].

وكتاب المنتخب هذا هو ـ بحسب الظاهر ـ أول من روى قصة حديث الكساء بالطريقة غير المشهورة والمتداولة أخيراً في بعض المجالس.

والواقع أنّ المتأمل في الكتاب سيجده مليئاً بالقصص الخيالية المرسلة إرسالاً دون سند أو إشارة إلى مصدر، والغريب أنّ الكثير من قصصه هي من منفرداته، والغالب عليها الطابع الإعجازي وبعضها معاجز ذات بعدٍ وتأثيرٍ كبيرين، مما يفترض ويحتم ـ بحسب طبيعة الأمور ـ أن يكون نقلها عاماً ومشهوراً، لا أن ينفرد بنقلها بعض المتأخرين!

ومن الأمثلة على ذلك: خبر الطير الذي تمرّغ بدم الحسين(ع) ثم طار إلى المدينة المنورة وهو ينوح ويبكي، وقد سقطت منه العديد من قطرات الدم على امرأة يهودية مصابة بالجذام والعمى فشفيت من ذلك، وعلى أثر ذلك أسلم أبوها وخمسمائة من قومها، والسؤال هل يبقى الدم طرياً كل هذه المدة؟! ثمّ أين كان هؤلاء الخمسمائة من اليهود إلى زمن الإمام الحسين(ع)؟! والحال أنّ اليهود قد تم إجلاؤهم عن المدينة في زمن رسول الله(ص)! وتمّ إجلاؤهم من الجزيرة العربية بعد وفاته(ص)!

3ـ كتاب «نور العين في مشهد الحسين»، المنسوب إلى أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني الشافعي (419هـ)، هذا الكتاب ـ أيضاً ـ لا يمكن الاعتماد عليه لعدم الوثوق به، واحتمال الوضع فيه وارد، لجهة أنّ أسلوبه لا يتلاءم مع أسلوب علماء القرن الرابع كما نبّه عليه المحقق المعاصر السيد عبد العزيز الطبطبائي(ره) والذي رجح أن «الكتاب منحول منسوب، فأسلوبه لا يلائم مصنفات القرن الرابع»[21].

إلى غير ذلك من الكتب غير المعتبرة والتي نبّه عليها بعض العلماء والباحثين، ومنهم الشيخ الريشهري، فقد أورد في كتابه «موسوعة الإمام الحسين(ع)» الصادر مؤخراً، عشرة مصادر تحت عنوان «المصادر غير الصالحة للاعتماد» في مجال معرفة أحداث النهضة الحسينية، منها ما ذكرناه ومنها مصادر أخرى، كـ «محرق القلوب» و«معالي السبطين»، و«ناسخ التواريخ» وغيرها من الكتب المتداولة[22].

ومن الغريب أنّ بعض الخطباء يسندون الكثير من القصص والأخبار والأحداث التي يتلونها على المنابر إلى «أرباب المقاتل» في عبارة توحي بكون القضية مسلمة أو مشهورة، دون أن يحدد لنا الخطيب من هم أرباب المقاتل هؤلاء؟ ولا تفاجأ إذا ما قلت لك: إنّك قد تبحث في «كتب المقاتل» عن القضية المزعومة فلا تجد لها عيناً ولا أثراً!

ثالثاً: المنامات والأحلام

ويلاحظ أيضاً أنّ بعض الخطباء يكثر من سرد المنامات على المنابر، ويستشهد بها ويثقّف الناس من خلالها. وربما يطرح بعض الأمور والأحداث المتصلة بالسيرة الحسينيّة ومجرياتها مما لا وجود لها في كتب التاريخ والسيرة مكتفياً بأنّها منام لبعض الصالحين، والسؤال: هل يمكن أن يشكّل المنام والرؤيا مصدراً للثّقافة الإسلاميّة؟

 والجواب: إنّ المنام تارة يكون لنبي من الأنبياء وأخرى لغيره، فإذا كان مناماً لنبي فهو وحي، لأنّ أحد أشكال الإيحاء إلى النبي(ع) هي الرؤيا، فعندما يرى النبيّ إبراهيم(ع) ـ مثلاً ـ في المنام أنّه يذبح ابنه إسماعيل(ع)، فهذا وحي من الله تعالى، ولذا نرى إبراهيم(ع) اندفع إلى تنفيذ الوحي المتلقى من خلال الرؤيا، وانقاد إسماعيل(ع) للأمر مسلماً لأمر الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ *  قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 102 ـ 105]، وأما غير النبي من الأشخاص العاديين فلا يكون منامه حُجّةً شرعاً ولا يعول عليه، وبناءً عليه فإنّ المفاهيم والتصورات العقدية والأخلاقيّة والأحكام الشّرعيّة لا تؤخذ من المنامات ولا يستدل عليها بذلك، وإنّما لها مصادرها المعتبرة والمعروفة، فقد ورد في الحديث الصحيح عن الإمام الصّادق(ع)، وقد سئل عن بعض الأمور العباديّة الّتي رُئِيَتْ في المنام، قال: «إنّ دين الله أعزّ من أن يُرى في المنام»[23]. وينقل عن الشّيخ جعفر آل كاشف الغطاء أنّه قال: «إنّ الأحلام ليست شواهد الأحكام، باتّفاق علماء الإسلام»[24]

إننا لا نريد القول بأنّ نقل المنامات على المنابر أو في مجال التثقيف العام هو أمر محرّم شرعاً، أو مرفوض بالمطلق، فلربما يستأنس المتكلم بمنامٍ لبعض الصالحين، وإنّما غرضنا التحذير من تحويل المنبر الحسيني إلى منصّة لسرد المنامات أو تأويلها فضلاً عن الاعتماد عليها في إثبات بعض الأمور والأحداث.

 على أنّ المنام بحاجةٍ إلى من يعبّره بطريقة سليمة ويبيّن خباياه، وهذا علم خاص لا يمتلكه إلا الأوحدي من الناس، وقد كان يوسف الصديق(ع) يمتلك مثل هذا العلم، ويقال إنّ تلك كانت معجزته، حيث خصّه الله ببصيرة نافذة لا تخطأ في تعبير الرّؤى وتفسير الأحلام، ولذا عندما رأى عزيز مصر سبع بقراتٍ سمان يأكلهنّ سبع عجاف، لم يستطع المعبرون تأويل هذا المنام باستثناء يوسف(ع) فقد فسّرها تفسيراً أثبتت الأيام صحته، الأمر الذي كان سبباً في خروجه من السجن، ووصوله إلى أعلى المراكز في الدولة المصرية آنذاك، كما أنه(ع) كان قبل ذلك قد عبّر رؤيا صاحبي السجن وتحقق ما قاله لهما.

والخبير في تعبير الرؤيا يميّز أنواع المنام ويعي أنّ بعض المنامات ليس لها تعبير، وإنّما هي مجرّد أضغاث أحلام، بينما بعضها الآخر قد تصلح لتكون بشائر أو نذراً، كما جاء في بعض الرّوايات، ففي الخبر الصحيح عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه(ع) قَالَ: «الرُّؤْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوه: بِشَارَةٍ مِنَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِ وتَحْذِيرٍ مِنَ الشَّيْطَانِ وأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ»[25].

 لهذا لا يمكن للخطيب الذي يحترم نفسه وعلمه ومنبره أن يقف على منابر المسلمين ويطرح عليهم سيلاً من المنامات الّتي لا يُعرف من رآها ولا تحرز صدقيتها أو اعتبارها. وإذا ما أورد الخطيب مناماً في مناسبة معينة فيجدر به أن ينبّه المستمعين إلى أنه إنما يورده للاستئناس لا للاستدلال والاعتماد.

وموقع المنام في الثقافة الإسلامية قد تناولناه بشكل موسع ومفصّل في مجالات أخرى، ويمكن للمهتم مراجعة ذلك[26].

رابعاً: اعتماد لسان الحال

ومن المصادر غير المعتبرة في التّثقيف العاشورائيّ، اعتماد ما يعرف بلسان الحال، الّتي يكثر استخدامها على لسان الخطباء، حيث ينقلون الكثير من الأحداث والقصص والمحاورات بعنوان لسان الحال، أو بصيغة: «كأنّي به يقول»، ونحن هنا لا نريد أن نتحدث عن رفض مطلق لاعتماد هذا الأسلوب، ولكننا نعتقد أنّه أسلوب محفوف بالكثير من السلبيات والملاحظات، وقد تناولنا ذلك في مجال آخر[27]، ونكتفي هنا بالإشارة إلى ملاحظتين:

الملاحظة الأولى: أنّه عندما يكون المقصود حكاية حال المعصوم، فيرد سؤال في المقام، وهو أنّه مَنْ الّذي يعرف لسان حال المعصوم ليحكيَ حاله؟! فأنت عندما تريد أن تتكلّم بلسان حال إنسانٍ، فلا بدّ من أن تكون ملمّاً بحاله ومشاعره وتطلّعاته وعقله وطريقة تفكيره، وهذا ما يصعب التنبؤ به في الإنسان العادي، فما بالك بالمعصوم؟ إنّ الذي يريد أن ينقل لسان حال الحسين(ع)، فإنّ عليه أن يعرف الحسين(ع) معرفةً جيّدة، في فكره وعقله، وفي تطلّعاته ومشروعه، وفي مواصفاته السّامية. ومَنِ الّذي يجرؤ على القول: إنّه محيطٌ بحال الإمام الحسين(ع)، أو إنّه ملمّ بما كان يفكّر فيه ويجول في خاطره ظهيرة العاشر من محرّم، حتّى يتحدّث بلسان حاله ويحمله بعض الأقوال أو المواقف؟!

والواقع أنَّ الكثير مما ينقل إلينا بلسان حال الإمام(ع) إنّما يحكي ويعكس لسان حال المتكلّم أكثر من لسان حال المعصوم. وعلى سبيل المثال: عندما يتحدّث بعض الشّعراء، ممن نحترم ونقدّر، ويتكلّم بلسان حال الإمام الحسين أو سائر الأئمة من أهل البيت(ع) قائلاً:

سادةٌ نحن والأنام عبيدُ

ولنا طارفُ العُلى والتّليدُ[28]

 فإنّنا نتساءل: هل هذا لسان حال الأئمّة من أهل البيت(ع) فعلاً؟! وهل يتحدَّثون بهذا الأسلوب أو المنطق؟! أعني منطق السادة والعبيد؟! بالطبع لا، فهذه ليست حال الأئمة(ع) فهم أبعد ما يكون عن ذلك كما يشهد بذلك حالهم ومقالهم ورسالتهم. فهم قد نبذوا هذه الطبقية ورفضوا منطق الاستعباد وقادوا حملة تحرير العبيد.

وقد حذّر الشيخ عباس القمي(ره) قراء العزاء من « تصحيح الأشعار الكاذبة والمراثي المبتدعة بأنها بلسان الحال»[29].

الملاحظة الثّانية: إنّ قضيَّة لسان الحال شكّلت ـ باعتقادي ـ مدخلاً لتسرّب الكثير من الأكاذيب إلى النّهضة الحسينيّة، حيث إنّ بعض الأمور التي ينقلها الخطباء ويكاد يجمع الباحثون على أنه لا مصدر لها، لربما تكون قيلت في بادئ الأمر بعنوان «لسان الحال»، ثم تخيل البعض أنّها من الأمور الواقعة فعلاً فصارت تطرح على المنابر وترسل إرسال المسلمات.

 وعلى سبيل المثال: ثمة بيت شعريّ شهير يقول:

إن كانَ دينُ محمّدٍ لم يستقمْ

إلاّ بقتلي يا سيوفُ خذيني

ويتخيّل الكثيرون أنّه للإمام الحسين(ع)، وهذا خطأ شائع، وربّما وقع فيه بعض العلماء والخطباء[30]، وإنما هو بيتٌ من قصيدةٍ قالها الشاعر العراقيّ الشّيخ محسن أبو الحبّ، (ت 1305هـ)[31]، بلسان حال الإمام(ع)، لكن مع مرور الزمن وبسبب التساهل الذي يحكم قضية الخطاب العاشورائي أصبح هذا البيت يحكى بلسان المقال. ولعلّ الكثير من الأحداث الّتي لا أصل لها هي من هذا القبيل، كما في قصّة عرس القاسم، أو قضيّة وجود ليلى في كربلاء، والتي يتناقلها الخطباء، وهي تنصّ على أنّها دخلت الخيمة ونشرت شعرها، ودعت قائلةً: «يا رادّ يوسف على يعقوب ردّ عليّ ولدي علي». إنّ هذه القضيّة ـ كما يعلم الباحثون ـ لا وجود لها في أيّ مصدرٍ من المصادر، حتى أنّ العلامة المجلسي، رغم تتبّعه، يقول: لم أجد أيَّ نصٍّ عليها[32]، وهكذا فإنّ الشَّيخ عبّاس القمّي يقول: «لم أظفر بشيء يدل على ذلك»، يقصد مجيء ليلى إلى كربلاء[33]، ويذهب المحقق التستري إلى أنّه لم يُذكر في السير المعتبرة حياة ليلى يوم الطف فضلاً عن شهودها وحضورها، وإنما ذكروا شهود الرباب أم الرضيع وسكينة[34]، بل إنّ المحدّث النّوري يقول إنّ هذه القضيّة الّتي تحكي قصّة ليلى يوم عاشوراء وما فعلته عند خروج علي الأكبر إلى الميدان هي كذبٌ في كذب[35]، والتفسير الأقرب لانتشار هذه القصة أنّها قد طرحت في بادئ الأمر بلسان الحال، وغدت تُتلى على المنابر بكرةً وعشيّة، وبمرور الوقت، حصلت الغفلة عن كونها محكية بلسان الحال، فتحوّلت إلى حقيقة!

خامساً: أخبار العجائب والغرائب

ومن المصادر التي يلزمنا التدقيق في اعتمادها في مجال التثقيف العام: أخبار العجائب والغرائب والكرامات. فإننا حتى لو كنّا نؤمن بمنطق المعجزة والكرامة، لأنّ القرآن الكريم حدّثنا عن معاجز الأنبياء(ع) وكراماتهم، لكن الّذي يحصل في كثيرٍ من الحالات هو التوسّع والمبالغة في نقل الكرامات، والإسهاب في تثقيف النّاس بها، والإكثار من الاستشهاد بها بهدف إثبات حقانيّة العقيدة أو المذهب، فترانا نسمع العشرات من القصص التي تحدثنا عن أنّ فلاناً قد جاءه النبي(ص) أو الإمام(ع) وأنقذه من الهلكة، أو أنّ بعض الناس قد شفوا في المقام الفلانيّ، أو أن الضريح الفلاني نزف دماً مباركاً! إلى غير ذلك من الغرائب التي نسمعها كل يوم.

 وما نروم قوله هنا هو أنّ اعتماد هذه الطّريقة ـ ولا سيما في زماننا ـ في مجال التّثقيف العام لا يخلو من محاذير، وهذا ما نبينه من خلال النقاط التالية:

1ـ الأمور مرهونة بأسبابها

النقطة الأولى: إنّ التّقدير الإلهيّ الذي يمثل قاعدة أو سنّة من سنن الله في الخلق قضى بأن يجري هذا الكون وفق منطق الأسباب والمسببات، وليس وفق منطق المعاجز والكرامات، إنّ المعاجز وكذا الكرامات كما يستفاد من القرآن الكريم تمثّل حالة استثنائية، حتّى بالنّسبة إلى الأنبياء(ع)، بل ليس من شرط النبيّ(ع) أن يقوم بمعجزة، إذ يمكن إثبات نبوته عن طريق آخر كتصديق النبي السابق له[36]، ويلاحظ أنّ حياة الأنبياء(ع) لم تقم على أساس المعاجز، وإنما كانوا يعيشون حياةً طبيعيّةً، وإذا ما طلب النّاس منهم معجزةً، فلم يكن الله تعالى ليستجيب لطلبهم على الدوام، ولا سيما في مواجهة الأسئلة والطلبات التعنتية، بل كان الجواب الذي يكثر تردده في القرآن، هو قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ﴾[الأنعام: 109]، أو قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾[الإسراء: 93].

وخلاصة القول: إنّ القرآن الكريم يعلّمنا قاعدة هامة في هذا المجال وهي أنّ الحياة تسير وفق منطق السّنن، وليس الصدف، وأنّ الله تعالى لا يخرق القوانين لمجرد اقتراحات تصدر من هذا أو ذاك أو دونما أسباب موجبة.

ومن هنا تعرف أنّ ابتعاد المسلمين في مرحلة طويلة من تاريخهم عن الأخذ بالأسباب والمسببات بحجة أنّ ذلك ينافي مبدأ التوكل على الله أو قاعدة التوحيد كما توّهمت بعض الفرق[37] هو واحد من أهم أسباب تخلفهم وتأخرهم على الصعيد العلمي والحضاري، فعندما ابتعدت الأمة عن الأخذ بمنطق السنن، وأصبحت تفتّش عن أدويةٍ لأمراضها من خلال «التَّداوي» بالقرآن أو الأحراز، وتطلب النّصر بالدّعاء بدل إعداد القوّة، عندها تخلّفت وتأخّرت وأصبحت على هامش الأمم.

إننا بذلك لا نريد أن نتنكر لأهمية الدعاء واللجوء إلى الله تعالى في حالات الشدّة والرخاء وطلب الحوائج منه مباشرة أو التوسل إليه تعالى ببركة نبي أو ولي من الأولياء، فهذا قد يشكِّل مدخلاً لاستجابة الحاجات ونيل الطلبات، وليس ثمّة ما يمنع من أن يظهر الله تعالى كرامة لنبي من الأنبياء(ع) أو ولي من الأولياء، فإنّ ذلك في الواقع يمثّل مظهراً من مظاهر لطف الله بعباده وحضوره في حياتهم، بيد أن هذا ليس هو القاعدة المطردة ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الأخذ بالأسباب التي يقوم عليها نظام الكون والتي أمرنا الله تعالى بالأخذ بها.

في ضوء ما تقدم نقول: إنّ ما يفعله بعض الخطباء من الإكثار من ذكر الغرائب والعجائب ليس عملاً سديداً، إذ ربما يوحي ذلك للمتلقي وكأنّ الحياة قائمة على الخوارق والمعاجز.

2ـ التوثق من الكرامات

النقطة الثانية: إنّ من اللازم أن يتمّ التوثّق من هذه المعاجز أو الكرامات قبل أن تطرح على الرّأي العام، فبعضها ربما كانت مجرد تلفيقات، وبعضها قد يحصل فيها الاشتباه ويتخيّل الناس أنّها كرامة مع أنّها ليست كذلك.

فعندما يأتي شخصٌ ويقول لك: هناك شجرة في المكان الفلانيّ، يرشح منها الدّم في العاشر من محرّم كلّ عام، فلا تقبل ذلك ببساطة وسذاجة، بل توثّق من الخبر. ولا بأس أن اسجل هنا قصّة حدثت أيام دراستنا في مدينة قم، وخلاصتها أنّ أحد المشايخ جاء ذات يوم إلى أحد أساتذتنا الأجلّاء، وقدَّم له كتاباً ألّفه حول معجزة للإمام الحسين(ع) ويتضمن الكتاب قصَّة شجرة يرشح منها الدّم في يوم عاشوراء، مفترضاً أنّ ذلك يمثّل معجزة للإمام الحسين(ع)، وطلب من أستاذنا أن يكتب له مقدّمةً لذلك الكتاب، فقال له الأستاذ: أنا مستعدّ لكتابة المقدمة، لكن بشرط أن تجلس أنت أو شخص يوثق به تحت هذه الشَّجرة لمدة 365 يوماً، وتُكرر ذلك لسنوات، فإذا تبين نتيجة المراقبة أنّ هذه الشجرة يرشح منها الدَّم في كلّ سنة في يوم العاشر من محرم، ساعتئذٍ أكتب لك مقدّمةً لكتابك. لقد كان هذا الجواب لأستاذنا بمثابة ردٍّ حكيم ومتين، وهو كأنه يريد القول لهذا الشخص: إنّ خروج مادة حمراء من بعض الأشجار في يوم عاشوراء من بعض السنين ربما كانت مصادفة، فبعض أنواع الشجر يخرج منها سائل أحمر وقد يتحوّل إلى صمغ، فإذا حصل خروج هذه المادة في يوم عاشوراء فهذا لا يعني أنّ ذلك يمثّل معجزة أو كرامة للإمام الحسين(ع)، فإنّ طبيعة هذه الشجرة قد تكون مما يترشح منها هذه المادة الحمراء، وقد يصادف ذلك في يوم عاشوراء.

 لذا لا بدَّ من التّوثّق من دعاوى الكرامات، قبل أن تلقى على عواهنها، أو تنقل على المنابر وتطرح على الجمهور، مع أنّه قد لا يكون لها أساس من الصحّة، ومكانة الحسين(ع) ومنزلته الرفيعة في النفوس لا تحتاج إلى التشبث بمثل هذه الأوهام التي قد ينسجها بعض الناس من محض خيالهم، وعلى الخطيب أن يتحلى بالحكمة ولا يكون ساذجاً، وعليه أن يعلم أنّ نقل هذه الأمور قد يكون مضراً ومثاراً للسخرية والاستهزاء.

إنّ الأمور العجائبية والمخالفة لظواهر القوانين، لا يكفي للوثوق بها وطرحها على الملأ الاستناد في نقلها إلى بعض المؤمنين، كما هو شائع، حيث يقال: «حدثني من أثق بدينه»، بل لا بدّ من الوثوق ـ أيضاً ـ من عقل المحدِّث ورشده وبصيرته وضبطه للأمور، لأنّ منشأ الكثير من القضايا التي تروّج على أنها من العجائب والكرامات هو السذاجة وعدم التدقيق في القضية، وسوف أذكر مثالاً لذلك، هو قضية المعمر المغربي التي انتشرت في القرن الرابع الهجري، وهي تحكي قصّة رجلٍ يمني كان بصحبة أبيه وعمه قاصدين مكة المكرمة لحج بيت الله الحرام، وبينما هم يسيرون في الصحراء تاهوا لمدة ثلاثة أيام، وبعد ذلك عثروا على بئر ماء عليها رجلان فاستسقوا منهما فأعطاهما أحد الرجلين كوب ماء فشرب الابن منه، فكان هذا الماء هو ماء الحياة، فأخبره الرجلان باسميهما وأنهما الخضر وإلياس، وأنه سوف يعمّر إلى آخر الزمان حيث سيلتقى المهدي والمسيح، وأخبراه أيضاً أنه لن يدرك النبي(ص) بل سيصل المدينة وقد مات النبي(ص)، ولكنه سيلتقي أمير المؤمنين(ع) وتحكي الرواية كيفية لقائه أمير المؤمنين(ع) يوم صفين ثمّ بعد ذلك حضوره مع الحسين(ع) في كربلاء ثمّ هربه منها إلى المغرب حيث توطن فيها، وأنجب الأولاد وأنجب أولاده وأولاد أولاده.. 

وقصّة هذا الرجل قد رواها الشيخ الصدوق في كتاب «إكمال الدين وإتمام النعمة». وهي قصة خيالية غير قابلة للتصديق، كما نصّ على ذلك السيد الخوئي(ره) [38]، إذ لو كانت هذه الشخصية حقيقية ولها وجود فعلي لكان أشهر من نار على علم، فشخصٌ له كل هذا الحضور والدور وهذه المشاركة في العديد من الأحداث التاريخية أليس من الغريب أن لا نجد له ذكراً في المصادر التاريخية وغيرها، باعتباره أحد أصحاب أمير المؤمنين(ع) أو أحد الذين حضروا كربلاء ومع ذلك نجى من القتل؟! إلى غير ذلك من الملاحظات التي أوردناها على هذه القصة في دراسة خاصة[39].

إنّ كلامي هذا لا يشكّل دعوةً إلى التّشكيك أو رفض كلّ ما ينقل إلينا من الكرامات، وإنما أدعو إلى الحذر من اعتمادها وتسويقها ونشرها قبل التثبت منها، ولذا علينا عندما نستمع إلى عجيبة من العجائب أن نضعها في دائرة الإمكان، وفق القاعدة المعروفة المنقولة عن ابن سينا: «كلّ ما طرق سمعك فذره في بقعة الإمكان، حتّى يذودك عنه قاطع البرهان»[40]. ومن ثمّ يصار إلى التثبت منها ودراسة مدى صدقيتها والتفكر في جدوى طرحها على الرأي العام.

3ـ العجائب واللبس الكبير

النقطة الثالثة: إنّ منطق الأمور العجائبيّة، ليس هو الأسلوب السّليم لإحقاق الحقّ ودحض الباطل، ولا سيّما مع انتشار الحديث عن هذه الأمور لدى غالب أتباع المذاهب والأديان التوحيدية، ونحن بين الفينة والأخرى نسمع أو نشاهد بعض ذلك مما ينقل على شاشات التّلفزة، وهو يحكي لنا عن تمثالٍ رشح منه الزَّيت وشفي منه فلان أو فلان، إلى غير ذلك من القصص العجائبيّة الّتي تنقل ويتداولها النّاس، وربّما يتمّ في ضوئها تطويب[41] بعض الكهنة، ولو أنّنا تجاوزنا أصحاب الأديان التوحيدية المعروفة، وذهبنا إلى الهندوس، سنرى أمثال هذه القضايا الّتي قد تكون أحياناً مبنيّةً على علمٍ معيّن أكثر ممّا تكون كرامة إلهية، الأمر الذي يجعل من هذه القضية ليست ذات جدوى، لأنّ ذلك لم يعد فارقاً وفاصلاً بين الحق والباطل. وليس في زماننا نبي(ع) أو ولي ظاهر ومسدد من قبل الله تعالى، بحيث يمكّنه الله تعالى من أن يظهر حقانيته ويبطل زيف الآخرين وخوارقهم، ويظهر أضاليلهم وخِدعهم، كما أظهرت عصا موسي(ع) زيف السحرة وخِدعهم.

ولهذا، فإنّنا نعتقد أنّ حقّانيّة الدّين أو المذهب في يومنا هذا، ليست مدينة للإكثار من هذه القضايا العجائبية، وإنما هي في امتلاكه الحُجّة المقنعة، وابتنائه على رؤية روحية وتشريعية وأخلاقية واجتماعية مبدعة تجيب على أسئلة الإنسان وتروي غليله وعطشه، وإنّ قوّة المنطق في رسالة الحسين(ع)، هي الّتي تثبت حقّانيّة هذه النّهضة، وليس حصول عجيبة أو كرامة مع فلان أو فلان. على أنّه لا يمكن الاعتماد على أخبار الآحاد ولو كانت صحيحة في إثبات المعاجز الخارقة للطبيعة والتي تقتضي طبيعة الأمور شيوعها وتواتر نقلها، ما يجعل انفراد البعض بنقلها محل ريبة وموضع شك وتهمة.

ومع غض النظر عمّا تقدّم، فإنني أدعو نفسي، وأدعو غيري من الخطباء وأرباب المنبر، إلى احترام عقول النّاس، وأن نقدّم لهم العلم النافع والثقافة المثمرة التي تتصل بمسؤولياتهم وتثري عقولهم وتغني تجربتهم، أمّا طرح الأمور الغرائبية التي تثير انقساماً وبلبلةً في أوساط الجمهور، والتي لا يتفهمها الكثيرون فعلينا الحذر من طرحها، عملاً بوصيّة رسول الله(ص): «إنّا معاشر الأنبياء أُمِرْنا أن نكلِّم النّاس على قدر عقولهم»[42].

حسين الحياة لا الحقد

ختاماً أقول: إنّ انتماءنا إلى الحسين(ع) يفرض علينا أن نرتقي في خطابنا إليه لنقدِّمه في رسالته الإنسانيَّة المتسامية، فهو ليس حسين المهانة والذلّة الّذي يردّد في آخر لحظات حياته: «يا قوم إنّي عطشان»!، بل إنّ الحسين الحقيقيّ هو حسين «هيهات منّا الذلّة».

إنّ الحسين الإنسانيّ والحقيقيّ ليس هو حسين الحقد، هو حسين الحبّ لله وللنّاس، كيف وهو الّذي قال للقوم: «أمهلونا سواد هذه اللّيلة لنصلّيَ لربّنا، فإنّ الله يعلم أنّي أحبّ الصّلاة»[43].

 إنّ الحسين الحقيقيّ ليس حسين الموت، بل حسين الحياة، ورسالة الحسين هي رسالة الحياة. إنّ الحسين الإنسانيّ ليس هو حسين الدّمعة فحسب، بل حسين العاطفة والفكر والسّلوك.

 

 

 


[1]    « الإمعة ـ بكسر الهمزة وتشديد الميم ـ : الذي لا رأي له فهو يتابع كل أحد على رأيه، والهاء فيه للمبالغة»، انظر النهاية لابن الأثير ج 1 ص 67،  وفي الحديث عن رسول الله(ص): «لا تكونوا إمعة تقولون إنْ أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إنْ أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا»، انظر: سنن الترمذي ج 3 ص 246، وفي الحديث عن الإمام الكاظم(ع) أنه قال لفضل بن يونس: «أبلغ خيرا وقل خيرا ولا تكن إمعة . قلت: وما الإمعة؟ قال: لا تقل: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس. إن رسول الله(ص) قال: يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر فلا يكن نجد الشر أحبّ إليكم من نجد الخير»، انظر: تحف العقول عن آل الرسول ص 413.

 

[2]    الكافي ج 6 ص 434.

 

[3]    مستدرك الوسائل، ج1، ص 318.

 

[4]    تحدثنا عن هذا الأمر بشكل مفصّل في كتاب عاشوراء قراءة في المفاهيم وأساليب الإحياء.

 

[5]    اللؤلؤ والمرجان ص213.

 

[6]    كشف الغمة في معرفة الأئمة ج 3 ص 114.

 

[7]    انظر: كمال الدين وتمام النعمة ص 461،

 

[8]    تفسير العياشي ج 1 ص 341، وقد تحدثنا عن التأويل وضوابطه وشروطه في كتاب «أصول الاجتهاد الكلامي» فليراجع.

 

[9]    فيما يتّصل بالكتب الأربعة يوجد العديد من الدراسات التي عملت على تصنيفها وتمييز صحيحها من ضعيفها، وتعتبر كتب المجلسيين محمد تقي وولده محمد باقر (للمجلسي الأول: روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، وللمجلسي الثاني: مرآة العقول في شرح الكافي، وملاذ الأخيار إلى شرح تهذيب الأخبار) من أوسع ما كتب في هذا المجال وفق المعيار المعروف والمشهور في توثيق الرواة، كما أن تجربة الشيخ آصف محسني تعتبر هي الأخرى من أبرز التجارب المعاصرة في هذا المجال، وميزتها أنّها لم تغط الكتب الحديثية ذات المنحى الفقهي كالكتب الأربعة فقط، بل وشملت أكبر الموسوعات الحديثية الشيعية عنيت بذلك «بحار الأنوار»، من خلال كتابه «مشرعة بحار الأنوار»، ولديه كتاب خاص جمع فيه الأخبار المعتبرة من وجهة نظره، وهو «معجم الأحاديث المعتبرة». 

 

[10]  الكافي ج5 ص158، من لا يحضره الفقيه ج3 ص164، تهذيب الأحكام ج7 ص11.

 

[11]  نهج البلاغة ج 1 ص 24.

 

[12]  انظر: أصول الاجتهاد الكلامي ص358 وما بعدها.

 

[13]  ورد هذا التعبير في باب الزيارات، انظر: بحار الأنوار ج 97، ص 169، 189، و207، و331، وج 98، ص 262، وج 99 ص 115، و197، و247، وغيرها من الموارد.

 

[14]  الكافي ج2 ص54.

 

[15]  اللؤلؤ والمرجان ص 226.

 

[16]  يقول المحدث النوري: «ولا أزال أذكر أنّه حينما كنت مجاوراً بكربلاء المقدسة أيام دراستي على علامة عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني طاب ثراه الذي ليس له في التبحّر والفضل والإتقان عديل، جاءه سيد عربي قارئ عزاء من الحلة وكان أبوه من وجهاء الطائفة وقد ورث عنه كتباً قديمة فأراد أن يستعلم حال أحد الكراسات التي ورثها عن أبيه هل هو معتبر أم غير معتبر ولم يكن لذلك الكرّاس بداية ولا نهاية وقد كتب في حاشيته هذا من مؤلفات العالم الفلاني (هو العالم شهاب الدين العاملي راجع أسرار الشهادة.) من علماء جبل عامل من تلامذة المحقق صاحب المعالم. وبما أنّ اسمه موجود في تراجم الرجال فقد أمكن الاستعلام عن حاله فلم يوجد بين مؤلفاته اسم ذلك «المقتل» وعندما طالع(ره) في ذلك الكتاب أدرك أنّه لكثرة اشتماله على الأكاذيب الواضحة والأخبار الواهية لا يحتمل أن يكون مؤلفه عالماً فنهى ذلك السيد عن نشره والنقل عنه.

     ولكن بعد عدة أيام اطّلع عليه، في بعض المناسبات، أحد الفضلاء المعروفين الساكنين العتبات العالية فأخذه من السيد. وبما أنّه كان مشغولاً بتأليف كتابه أسرار الشهادة فقد أدرج فيه روايات ذلك الكتاب وأضافها إلى الأخبار الواهية المجعولة التي لا حصر لها الموجودة في كتابه المزبور فاتحاً بذلك للمخالفين أبواب الطعن والسخرية والاستهزاء وقد وصلت به همّته إلى درجة أنّه جعل جيش الكوفة مليوناً وستماية ألف منهم مليون راجل والباقي فرسان مهيئاً بذلك لجماعة قراء العزاء ميداناً فسيحاً لا يبلغون منتهاه مهما أطلقوا لأنفسهم العنان. وقد أوغلوا في الافتراء على علمائنا العظام بكثرة تردادهم قول: «قال الفاضل الدربندي». والفاضل المذكور من العلماء المبرزين والأفاضل المعروفين وليس لإخلاصه لخامس آل العبا عليهم آلاف التحية والسلام حدٌ ولا نظير إلا أنّ هذا الكتاب ليس له أي واقع ولا اعتبار لدى علماء هذا الفن وجهابذة الحديث والسير بل إنّ الأخذ عنه والاعتماد عليه يدل على ضعف الناقل وقلّة بصيرته في الأمور بل إنّ نفس المؤلف يعترف في كتابه بضعف رواياته ويبرز بعض العلامات الدالة على كذبها ووضعها إلا أنّه راح يبرر سبب نقله لها فكان شريكاً فيما سببته تلك الروايات من الفساد».

     ويضيف النوري:«ومن المطالب العجيبة التي نقلها لي مشافهة أنّه سمع فيما مضى أنّ العالم الفلاني قال أو روى أنّ يوم عاشوراء كان سبعين ساعة. وأنّه كان يستغرب ذلك حينها ويتعجب من ذلك النقل لكنه حينما فكر وتأمل في وقائع اليوم العاشر تأكّد وتيقّن أنّ ذلك النقل صحيح وأنّ تلك الوقائع لم يكن لها لتحصل لولا تلك المدة من الزمن. هذا حاصل كلامه وإن كنت لا أذكر نص عبارته بسبب طول المدة وقد قوّى هذه الفكرة في كتابه. ويمكنك أن تعرف من خلال هذه الفقرة كيفية تفكيره». انظر: اللؤلؤ والمرجان في آداب أهل المنبر، العلامة حسين النوري الطبرسي المتوفي سنة 1330هـ تعريب الشيخ إبراهيم البدوي دار البلاغة، الطبعة الأولى، 2003م/ 1423هـ. ص 200 ـ 201.

[17]  انظر: كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار ج 3 ص 458، مؤسسة آل البيت، ط 1، قم إيران، 1411هـ.  

 

[18]  اسمه «المنتخب في جمع المراثي والخطب» للشيخ فخر الدين بن محمد علي بن أحمد بن طريح النجفي، المتوفى سنة خمس وثمانين وألف، ويسمى «مجالس الطريحي» و «المجالس الفخرية» و«المنتخب الكبير»، انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 22 ص 420.ويسمى أيضاً بالبياض الفخري، انظر كشف الحجب والأستار للسيد إعجاز حسين ص 558.

 

[19]  اللؤلؤ والمرجان ص 228.

 

[20]  انظر: منتهى الآمال ج 1 ص 729.

 

[21]    انظر: أهل البيت في المكتبة العربية ص 655، وهكذا فإنّ إسماعيل باشا في هدية العارفين ج 1 ص 8، يبدو منه التشكيك في نسبة الكتاب إلى الإسفراييني، حيث ذكره بعنوان «رسالة تنسب إليه».وهكذا فإنّ الشيخ فضل علي القزويني (1290 ـ 1367 هـ) بدوره قد رفض الاعتماد على هذا الكتاب، حيث قال: «ومن نظر في مقتله المطبوع (نور العين) يعرف أن فيه أكاذيب وأموراً على خلاف ما أجمع عليه الفريقان، ولا يهمّنا نقل مجعولاته، ومن أراد فلينظر إلى مقتله؛ فإنّا لا نعتمد على ما تفرّد به»، انظر: الإمام الحسين وأصحابه ج 1 ص 150.

 

[22]  موسوعة الإمام الحسين(ع) ج1 ص 88 وما بعدها.

 

[23]  الكافي، ج3، ص 482.

 

[24]  الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين ص83.

 

[25]  الكافي ج 8 ص 90.

 

[26]  انظر: «في فقه السلامة الصحية ـ التدخين نموذجاً» ص268 وما بعدها، و«تحت المجهر» ص45 وما بعدها، وفي «بناء المقامات الدينية» ص41.

 

[27]  انظر: عاشوراء قراءة في المفاهيم وأساليب الإحياء ص164 وما بعدها.

 

[28]  هذا البيت هو من قصيدة للسيد جعفر الحلي (ت 1315هـ).

 

[29]  منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ج 1 ص 834، طبعة جامعة المدرسين.

 

[30]  انظر: الشيعة هم أهل السُنَّة للتيجاني ص102.

 

[31]  انظر كتابه: أدب الطف ج10 ص131.

 

[32]  جلاء العيون في سيرة المعصومين الأربعة عشر (فارسي) ص406.

 

[33]  نفس المهموم ص 315.

 

[34]  قاموس الرجال ج7 ص422.

 

[35]  اللؤلؤ والمرجان في آداب أهل المنبر ص128.

 

[36]  ربما كان النبي هارون(ع) كذلك فلم يثبت أنّ له معجزة خاصة.

 

[37]  انظر حول ذلك ما ذكرناه في كتاب «ظواهر ليست من الدين» ص 17 وما بعدها.

 

[38]  معجم رجال الحديث ج3 ص98.

 

[39]  الدراسة موجودة على الموقع الرسمي الإلكتروني للشيخ حسين الخشن. وعنوان المقال قصة المعمّر المغربي «أبو الدنيا» بين الحقيقة والخيال.

 

[40]  مضمون القاعدة موجود في كتاب الإشارات والتنبيهات ج 4 ص160.

 

[41]  التطويب هو «تقديس» كاهن ميت، وإعلانه قديساً وطوباوياً من قبل البابا، وذلك بسبب عجيبة تحدث عند قبره أو نتيجة التوسل به.

 

[42]  الكافي، ج1، ص 23.

 

[43]  البداية والنهاية لابن كثير، ج8، ص 191.

 

 






 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon