حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
تكريم الإنسان
 
س » كيف نربط بين الحج ومستقبل الحياة؟
ج »
على الحاج والزائر وهو يطوف على تلك الديار والربوع والأطلال المقدسة ويزور بعضاً من أماكن التراث الإسلامي أن يستحضر حركة التاريخ الإسلامية بطريقة سُننية.
فهو يهفو إلى الماضي وإلى البدايات بطهرها وصفوها ويقتبس منها لحاضره دون أن يغرق في تفاصيلها وهوامشها، فالعبرة هنا بالمقاصد والمآلات لا بالهوامش والتفاصيل.
إن علينا أن نأخذ من هذا التاريخ ما هو ثابت من القِيَم والأفكار التي لا يطويها الزمن بدل الانشغال بالتفاصيل والتقاتل على أمور عفا عليها الزمن، وهي خارجة عن مسؤوليتنا. وهذا هو منهج القرآن في قراءة التاريخ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة-134)

 
س » ماذا يمثل الحج في وجدان المسلم؟
ج »
لا ريب أن الحج يشكل فرصة ذهبية للإنسان المسلم تساعده على تحصين نفسه روحياً ومعنوياً، وتمنحه الكثير من الطمأنينة والسكينة بما يساعده على التطهر من كثير مما يعلق بالروح والنفس من تشكيكات وما يجتاحها من حالات برود وجفاف.
هذا إن أحسن المسلم اغتنام هذه الفرصة وأتى بالفريضة بشرطها وبشروطها، والخشوع والخلوص لله هو من أهم شروطها.
باختصار: إن الحج يمثل سياحة روحية مذهلة، ويمكن أن تمد الإنسان بزاد معنوي عظيم بما يجعله صاحب يقين واطمئنان ويعطيه زخماً كبيراً في حركته الرسالية وفي حياته الشخصية والاجتماعية.

 
س » ما هي أبعاد التوحيد الفكري؟
ج »
التوحيد الفكري لا ينحصر بالاعتقاد بأنَّه لا مؤثّر على نحو الاستقلال في هذا الكون إلا الله، وأنَّه لا يمكن استمداد التشريعات من أي مرجعية تبتعد عن الله تعالى وعن اعتباره مصدر التشريع، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام - 57]، إلى غير ذلك من مجالات التوحيد المذكورة في محلها.  إنَّ التوحيد لا يقتصر على ذلك، بل يتعداه إلى جعل الإنسان فكره صدى لإرادة الله التشريعية والتكوينية، وأن يذيب الأنا الفكرية والثقافية التي تتضخم لدى الكثير من المفكرين والعلماء حتى ليَغدوا قولهم أهم من قول الله ورسوله ورأيهم مقدماً على حكم الله ورسوله.
التوحيد الفكري الخالص يعني أن يذيب الهوى الفكري ويعطف الرأي على القرآن، لا أن يعطف القرآن على رأيه، كما جاء في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المؤمن والموحد الخالص: «يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ».

 
س » بين التجديد والتمسك بأقول الماضين، كيف نفكر؟
ج »

التجديد لا يعني القطيعة مع تراث الماضين، وإنَّما يعني عدم الجمود على أفكار الماضين، واعتبارها مقدسات لا تُمَسّ. وبين الأمرين بَوْنٌ شاسع ومساحة كبيرة، ينطلق فيها عقل المجتهد المجدد الذي يعيش قلق المعرفة، ويقرأ النص بعقل مفتوح دون أن تؤسره قراءات الماضين لهذا النص، وفي الوقت عينه لا يستخف بجهود الماضين في شتى أبواب المعرفة؛ لأنَّ المعرفة الإنسانية والدينية هي صرح يُبنى لَبِنَةً لَبِنَةً، ويصعده الإنسان درجةً درجةً، ولا يمكن القفز على كل هذا النتاج المعرفي الذي جاءتنا به عقول مبدعة وجبارة بحجة أنَّنا نريد التجديد والإبداع.


 
س » أنا امرأة مثقفة لكني أشعر بأني أسيرة البيت وخدمة الأولاد، ما يشعرني بالأسى؟
ج »

تعليقاً على هذا السؤال المفعم بالألم والأمل نقول:

إنَّ قيامكِ بشؤون منزلكِ واهتمامكِ بتربية أولادكِ هو في حقيقته نوع جهاد؛ لما ورد عن رسول الله (ص) أنَّه قال: «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ» . وهذا الأمر يفترض أن يكون مدعاة للغبطة والسرور وليس للحسرة. وما نفع أن تخرج المرأة إلى ميادين الحياة وتقصّر لا سمح الله في تربية أولادها.
ثانياً: إنَّ ارتشافكِ للعلم عبر وسائل التواصل المعاصرة أو عبر قراءة الكتب هو عمل طيب وسلوى للمؤمن وأنيس للإنسان. وكما قال الشاعر: «وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ» . ولذا ليس عليكِ أن تشعري بغربة الروح، والحال أنَّ أبواب السماء أمامكِ مفتَّحة، وأبواب المعرفة غير موصدة. نعم، ثمة رغبة دفينة لديكِ، وهي في القيام بعمل رسالي، والحقيقة أنَّه يمكنكِ القيام بهذا العمل حتى ولو كنت داخل جدران البيت من خلال تأسيسك لصفحة على وسائل التواصل تنشرين فيها المعارف وتستفدين وتفيدين، وأننا نجد اليوم هذا المنبر هو أهم منبر لنشر الإسلام وهدية الأنام. ولهذا عليكِ ألّا تعيشي حالة من الحزن والأسى والانطواء على الذات، مع وجود مثل هذه الفرصة أمامكِ، والتي يمكنكِ من خلالها أن تؤدي مسؤولية وعملاً يرضي الله ورسوله.

 
س » هل يمكن أخذ الطلاق المدني شرطاً في الزواج الشرعي؟
ج »
أولاً: يمكن أن تكون الوكالة مقيدة ببعض الحالات، كأن يرتكب الزوج أموراً سيئة، ويمكن أن تكون مطلقة بحيث يقع الطلاق من دون أي سبب.
ثانياً: الطلاق المدني إذا كان غير مستجمع للشرائط الشرعية، فلا يكون جعله شرطاً في متن عقد الزواج مصححاً له شرعاً ومبرراً له. وإذا كان الطلاق المدني مستجمعاً لشرائط الطلاق الشرعي، فإنَّه يكون نافذاً حتى لو لم يُشترط في عقد الزواج.
ثالثاً: إذا كانت المرأة راغبة في أخذ الوكالة بالطلاق، مطلقاً أو مقيداً، فلا نرى أن ممانعة الزوج ورفضه لذلك سيكون عملاً جيداً لمستقبل حياته الزوجية؛ لأنَّ هذه الممانعة قد تخلق لديها هواجس نفسية، وربما تتحول هذه الهواجس إلى عُقَدٍ من خلال رتابة الحياة الزوجية أو لدى حصول أي خلاف بينها وبين الزوج. نعم، لو أن شخصاً آخر غير الشخص الذي سيكون زوجاً لها، أقنعها بأنَّه لا داعي لأخذ هذه الشروط في عقد الزواج، لأنَّ الأساس في الحياة الزوجية هو الوئام والسكينة والرحمة والاحترام المتبادل، لكان ذلك أنجع وأفضل.

 
 
  محاضرات >> دينية
"إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً"
الشيخ حسين الخشن



 

{وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} (الفرقان 30) .
 
إنها شكوى مؤلمة يبثها النبي(ص) في يوم المحشر شاكيا إلى إليه تعالى قومه الذين أفنى عمره الشريف في سبيل هدايتهم وتعليمهم كتاب ربه...م ( القرآن الكريم )، وإذا بهم – وبدل أن يحفظوا رسول الله في القرآن الكريم- يرمون هذا الكتاب وراء ظهورهم ويتخذونه مهجوراً.
 
إننا وأمام هذه الشكوى وفي مستهل هذا الشهر، شهر الصيام، شهر القرآن الكريم نرغب في أن نطل على هذا الموضوع، لنتعرف على المراد بهجر القرآن، وما هي آثار الهجر السلبيّة؟ وما هي دلالاته؟ وما هي مظاهره وأنواعه؟ 

 

شهر رمضان ربيع القرآن

 

وفي البدء لا بد نشير إلى أن لشهر الصيام علاقة خاصة بكتاب الله، فهو - من جهة - الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس..} وقال تعالى: {إن أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرينمباركة إنا كنا منذرين} {إنا أنزلناه في ليلة القدر ..} هذا بصرف النظر عن الخلاف في معنى إنزال القرآن في شهر رمضان، هل وأنّه المراد به بدء نزوله في هذا الشهر، أو أنّ المراد به النزول الكامل والدفعي على قلب النبي(ص)، ومن جهة أخرى فإنّ هذا الشهر هو ربيع القرآن، فـ "لكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان" كما جاء في الحديث الشريف، ( أنظر : معاني الأخبار ص228)، إنّ معنى هذا الحديث أنّ تلاوة القرآن في شهر رمضان هي التي تجعل هذا الشهر مزهرا مخضراً كفصل الربيع، وبدون القرآن سيغدو شهر رمضان خريفاً ماحلاً، وفضلا عن ذلك فإنّ تلاوة القرآن في شهر الصيام هي عبادة ذات مغزى خاص، وهي التي تضفي على هذا الشهر رونقاً روحياً خاصاً، ومن هنا يُضاعف الله ثواب من قرأ القرآن في هذا الشهر "من قرأ فيه آية كان له ثواب من ختم القرآن في غيره من الشهور"،( من خطبة الرسول الأكرم في استقبال شهر رمضان).

 

معنى الهجر

 

يذكر المفسرون للهجر معنيين: 

 

الأول: بمعنى البذاء والشتم، فأن يهجرالمرء القرآن معناه أن يتفوه اتجاهه بكلمات الهجر، أي السباب والشتائم، وهذا المعنى - باعتقادي - بعيد، لأن الحديث في الآية هوعن أمة النبي(ص) وقومه، الذين يشكوهم (ص) إلى الله تعالى يوم القيامة، ومن يشتم القرآن فليس من أمته ولا من قومه.

 

الثاني: هو الاعراض عن القرآن وتركه إلى سواه، يقال فلان هجر زوجته أي تركها وأعرض عنها، وهذا المعنى هو الأقرب إلى الصواب، وهو الذي يمكن أن يصدر من أمته (ص).

 

ويستوقفنا هنا – ونحن نتحدث عن معنى الهجر- التعبير الذي استخدمته الآية، فالله تعالى لم يقل "إن قومي هجروا القرآن"، وإنما قال: {إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}.

 

ولو أنه قال: "هجروا القرآن" فهذا يشير إلى أمر سلبي وهو إعراضهم عنه وعدم عملهم به، لكنه قال:" اتخذوا القرآن.."، أي أنً هناك فعلاً قد صهر منهم وهو اتخاذه مهجورا، فهم اختاروا الاعراض عنه عن وعي وتصميم، وذلك إمّا لأنّه لا يستجيب لمصالحهم، أو لغير ذلك من الأسباب .

 

الآثار السلبية للهجرة

 

والمتضرر من هجر القرآن هو نحن بنو الإنسان وليس القرآن ولا الله سبحانه فهو الغني المطلق، إن القرآن الكريم كنز ولا يضر الكنز شيء إن لم يكتشفه الانسان، لكن إن لم نكتشفه نحن فقد يكتشفه آخرون ويستفيدون من بركاته ومعارفه وكنوزه، وفقاً لقانون الاستبدال {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}.

 

ولعل الأثر السلبي الخطير لهجران القرآن الكريم هو حرماننا في هذه الدنيا من بركاته ودروسه، وما واقعنا المتردي أخلاقياً والمشتت اجتماعياً والمنتشظي سياسياً وغير المستقر روحياً إلاّ دليل بين على هجرنا للقرآن الكريم حتى لو كنا نتلوه على المنابر ونعلقه على صدورنا، إنّ المعيار في آخذنا بالقرآن وعدم هجرنا له هو واقعنا، تماما كما أنّ صدق إيماننا وإسلامنا يعرف من خلال هذا الواقع لا من خلال الشعارات ولا الشكليات.

 

والأثر السلبي الآخر لهجر القرآن هو أثر أخروي، فكما أنّ هجرنا للقرآن سوف يصيبنا بالتردي في دار الدنيا، فإنه سوف يصيبنا بالتردي في الآخرة، حيث ستطالنا شكوى النبي(ص)، وهذه الشكوى ستكون مؤلمة لنا بكل تأكيد،إنها شكوى ثقيلة في الميزان وتبعث على الندامة والحسرة حيث يقف رسول الله(ص) ويقول: يا رب إنّ هؤلاء قومي الذين أفنيت عمري في تعليمهم القرآن ومبادئه وبيان أحكامه حلاله وحرامه، إنّ قومي هؤلاء الذين تركت بين ظهرانيهم كتاباً هو نور وهدى وحبل متين قد تركوا هذا الكتاب وأعرضوا عنه وخالفوا وصيتي. 

 

مظاهر الهجر وأنواعه 

 

لا يخفى أن لهجر القرآن مستويات عديدة وأنواع مختلفة، ولنتعرف على هذه المستويات من الهجر لا بد أن نتعرف على واجبنا تجاه القرآن ووظيفة القرآن ودوره في حياتنا، ونحن نعتقد أنّ للقرآن وظيفة معرفية، وأخرى روحية، وثالثة سلوكية، وتوضيح ذلك:

 

1- أما الوظيفة المعرفية للقرآن، فباعتبار أنّه مصدر للعقيدة، فنحن نبني تصوراتنا الاعتقادية ورؤيتنا الكونية على أساس القرآن الكريم ومن وحي آياته، فأي تخط وتجاوز لهذه المرجعية القرآنية هو هجران، بل هو أعلى درجات الهجران، وهذا ما وقع فيه الكثيرون ممن يستوردون أفكارهم من الآخرين. أوالذين اختاروا مذاهب وتبنوا أفكاراً وآراءاً تمثل الاعراض عن القرآن، فأفكارهم ومتبياتهم الفكرية والسياسية والاقتصادية.. هي مصداق لهجر كتاب الله.

 

2- أما الوظيفة الروحية للقرآن، فباعتباره مصدراً للغذاء الروحي، لأنّ الإنسان لا يحتاج فقط إلى معارف عقلية، بل هو بحاجة إلى ما يملأ القلب والوجدان، والقرآن إذا ما أحسنا التعامل معه فإنه يملأ العقل الروح والوجدان، ولهذا فتلاوة القرآن الصحيحة لا بد أن تمنحنا الأمن والاستقرار {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} وقال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}، ويقول الإمام علي(ع) في صفات المتقين: "فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم"، إنّ القرآن هو الذي يغير القلوب والعقول.

 

3- أما الوظيفة العملية للقرآن، فباعتباره كتاب الحياة، وكتاب التشريع والأخلاق، فسلوكنا وأخلاقنا وحياتنا لا بدّ أن تنسجم مع القرآن وتستقي منه، وهذه من أهم وظائف القرآن وأهدافه. إن بعض الناس باختياراتهم الخاطئة وسلوكياتهم المنحرفة قد جسدوا الهجر، فإذا كان النبي(ص) قد جسد القرآن في أخلاقه حتى قالت إحدى نسائه "كان خلقه القرآن" فإنّ أناساً من أمته قد جسدوا هجر القرآن باخلاقهم البعيدة عن نهج القرآن.

 

وهذا يعني أنّ الهجر هجران، فهناك هجر شكلي بأن لا يقرأ المسلم الكتاب ولا يستمع إليه، وهناك هجر عملي وسلوكي بأن يتبنى فكرة تخالف مبادئ القرأن أو يتخذ موقفاً لا ينسجم مع روح القرآن.

 

إنّ القرآن كتاب الحياة "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم " وليس كتاب الموت، فمن لم يتخذ القرآن منهجا له في حياته فقد هجره ، ومن حوّل القرآن إلى كتاب للموت فقد هجره، لقد صار المتعارف بيننا أنه إذا سمعنا تلاوة معينة للقرآن فنبادر إلى التساؤل أمات أحد من الناس؟ لأننا لا نقرأ القرآن إلاّ على الأموات !

 

أشكال من الهجر

 

في ضوء ما تقدم يمكننا أن نشير إلى بعض مظاهر الهجر المنتشرة فيما بيننا ، وبعضها من مصايق الهجر الجلي وبعضها من مصاديق الهجر الخفي:

 

1- الاهتمام الشكلي، لا تخرج - كمسلم - عن عنوان هجر القرآن بمجرد أن تعلقه على جدار بيتك أو في سيارتك أوتقبله أوتتفاءل به أوتستشفي بآياته إلى غير ذلك من مظاهر الاهتمام الشكلي بالقرآن، ونحن نرى القرآن معلقا في بيوت الكثيرين ولا تفتح صفحاته ، بل ربما يعلوه الغبار، عن الصادق(ع): "ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: مسجد خراب لا يصلى فيه أحد، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه"، ولاحظ هنا أن القرآن المعلق في بيتك والذي يعلوه الغبار سوف يشكوك إلى الله، لتقف يوم القيامة أمام شكويين : شكوى الرسول وشكوى القرآن نفسه. 

 

إنّ القرآن كتاب العمل والحركة وليس كتاباً لنعلقه على صدورنا أو نزين به بيوتنا ونحن أبعد الناس عن مبادئه، ومن أسخف ما يفعله البعض أن يزين بيته ببعض السور المكتوبة بماء الذهب وإلى جانب بيته يعيش أناس فقراء جوعى، هذا نوع هجران للقرآن، وتجاوز لمبادئه لأن القرآن قد نهى عن اكتناز الذهب والفضة ودعا إلى إطعام اليتيم والمسكين.

 

2- القراءة الببغائية، وقد يتخيل بعض الناس أنه بإكثاره من تلاوة القرآن يغدو إنساناً قرآنياً ولا ينطبق عليه الهجر، ولكن لا بدّ أن نوضح الأمر، لأنّ التلاوة الببغائية لكتاب الله لا تخرجك عن عنوان الهجر، وإنما التلاوة المطلوبة هي التلاوة الواعية، والقراءة المتدبرة {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}، ولهذا فإننا إذا دار الأمر بين القراءة غير الواعية لسورٍ طويلة من القرآن وبين قراءة عشر آيات منه قراءة متدبرة فلا نشك في ترجيح الثاني، أعني القراءة القليلة الواعية، لقد كان الأعرابي يأتي إلى النبي(ص) فيعرض عليه النبي (ص) الإسلام، فيسلم، ثم يطلب منه أن يعلمه معالم دينه فيقرأ النبي(ص) عليه بعض آيات القرآن فينصرف غانما، وقد قرأ (ص)على بعضهم قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} فقال الرجل: حسبي يا رسول الله ومشى، فاستغرب بعض المسلمين من ذلك، فقال الرسول(ص): انصرف الرجل فقيهاً.

 

وقد قرأت قبل أيام خبراً على بعض مواقع الانترنت أنّ مستشرقاً كندياً وهو استاذ الرياضيات والمنطق في جامعة تورنتو كان من المبشرين المسيحيين وقد أراد ذات يوم قراءة القرآن ليكتشف أخطاءه ليعزز موقفه في دعوة المسلمين إلى ما يعتقد به، وكان يتوقع أن يجد فيه الكثير من التناقضات، فقد كتبه – بنظره- رجل بدوي يعيش في الصحراء قبل 1400سنة.. ولكن الذي حصل أنّه وبعد أن قرأ هذا الرجل القرآن أذهله ما فيه، وصعق لمضمونه, اذهلته آية من آياته وهي قوله تعالى:{أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}، يقول الرجل:" إنّ من المبادئ العلمية المعروفة في العالم اليوم هو مبدأ إيجاد الأخطاء أو تقصي الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها، والعجب أن القرآن يدعو المسلمين وغيرهم إلى ايجاد الأخطاء فيه ولن يجدوا.." ويضيف "لا يوجد مؤلف في العالم يملك الجرأة ويؤلف كتاباً ثم يقول هذا الكتاب خالٍ من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس من ذلك يقول لك لا يوجد أخطاء، بل ويطلب أن تجد فيه أخطاءً ولن تجد.."، إذن إنّ آية واحدة كفيلة أن تغير حياة الإنسان إذا ما أمعن النظر فيها وتدبر في دلالتها.

 

3- عدم الانصات للقرآن الكريم، فعندما نكون في مجالس يقرأ فيها القرآن، فإنّ احترام القرآن يفرض علينا الانصات {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون}، إنّ عدم الانصات عند التلاوة قد لا يكون مجرد هجران للقرآن، بل ربما يعبر عن حالة استخفاف بالقرآن، تماماً كما كان يفعل المشركون في مكة عندما كانوا يأمرون سفهاءهم بالضجيج ورفع الصوت عندما يبدأ النبي(ص) بتلاوة القرآن {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} (فصلت 26). لقد كان للقرآن سطوة على القلوب وهيبة في النفوس، وكان هو السلاح الوحيد للنبي(ص) في المرحلة المكية، وذلك بسب قوة مضامينه وبلاغة أسلوبه وسحر بيانه كان يأخذ بالألباب ويخترق القلوب.

 

4- تأويل القرآن، ومن أبرز مصاديق الهجر بل والتحريف لكتاب الله: تأويل آياته وصرفها إلى غير معانيها دون قرينة أو حجة، إنّ بعض القراءات القديمة والجديدة التي تتجاوز الظهور وتلوي عنق النص القرآني وتحمله على محامل بعيدة هي من مصاديق الهجر البارزة، وقد ردّ بعض أئمة(ع) على بعض من يؤلون الخمر أو الميسر بأنّ المراد بهما رجال، فقال(ع): "إنّ الله لا يكلم عباده بما لا يفقهون".

 

خلاصة القول: إن القرآن الكريم هو كتاب هداية {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} فإذا كنت قد اهتديت بآيات القرآن وملأت عقلك وقلبك بالايمان فأنت إنسان قرآني بكل ما للكلمة من معنى، وأما إذا كنت لا تعيش معنى القرآن في عقلك أو في روحك أو في سلوكك فأنت- فرداً كنت أو أمة - مصداق جلي لشكوى رسول الله(ص) يوم القيامة "ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً".

 

هجران القرآن الناطق

 

وأخيراً لا بدّ أن نشير إلى أننا كما هجرنا القرآن الكريم أو الكتاب الصامت فقد هجرنا القرآن الناطق، وهو رسول الله(ص) والأئمة من أهل بيته(ع)، هجرناهم هجراناً عملياً حتى لو اهتممنا بهم اهتماماً شكلياً وزرنا مقاماتهم وتمسحنا بضرائحهم، لقد هجرناهم عندما ابتعدنا عنهم بسلوكنا وأخلاقنا، وقد ورد في بعض الزيارات للإمام الحسين(ع): "لقد أصبح رسول الله بفقدك موتوراً وعاد كتاب الله مهجوراً".







 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon