حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
تكريم الإنسان
 
س » كيف نربط بين الحج ومستقبل الحياة؟
ج »
على الحاج والزائر وهو يطوف على تلك الديار والربوع والأطلال المقدسة ويزور بعضاً من أماكن التراث الإسلامي أن يستحضر حركة التاريخ الإسلامية بطريقة سُننية.
فهو يهفو إلى الماضي وإلى البدايات بطهرها وصفوها ويقتبس منها لحاضره دون أن يغرق في تفاصيلها وهوامشها، فالعبرة هنا بالمقاصد والمآلات لا بالهوامش والتفاصيل.
إن علينا أن نأخذ من هذا التاريخ ما هو ثابت من القِيَم والأفكار التي لا يطويها الزمن بدل الانشغال بالتفاصيل والتقاتل على أمور عفا عليها الزمن، وهي خارجة عن مسؤوليتنا. وهذا هو منهج القرآن في قراءة التاريخ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة-134)

 
س » ماذا يمثل الحج في وجدان المسلم؟
ج »
لا ريب أن الحج يشكل فرصة ذهبية للإنسان المسلم تساعده على تحصين نفسه روحياً ومعنوياً، وتمنحه الكثير من الطمأنينة والسكينة بما يساعده على التطهر من كثير مما يعلق بالروح والنفس من تشكيكات وما يجتاحها من حالات برود وجفاف.
هذا إن أحسن المسلم اغتنام هذه الفرصة وأتى بالفريضة بشرطها وبشروطها، والخشوع والخلوص لله هو من أهم شروطها.
باختصار: إن الحج يمثل سياحة روحية مذهلة، ويمكن أن تمد الإنسان بزاد معنوي عظيم بما يجعله صاحب يقين واطمئنان ويعطيه زخماً كبيراً في حركته الرسالية وفي حياته الشخصية والاجتماعية.

 
س » ما هي أبعاد التوحيد الفكري؟
ج »
التوحيد الفكري لا ينحصر بالاعتقاد بأنَّه لا مؤثّر على نحو الاستقلال في هذا الكون إلا الله، وأنَّه لا يمكن استمداد التشريعات من أي مرجعية تبتعد عن الله تعالى وعن اعتباره مصدر التشريع، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام - 57]، إلى غير ذلك من مجالات التوحيد المذكورة في محلها.  إنَّ التوحيد لا يقتصر على ذلك، بل يتعداه إلى جعل الإنسان فكره صدى لإرادة الله التشريعية والتكوينية، وأن يذيب الأنا الفكرية والثقافية التي تتضخم لدى الكثير من المفكرين والعلماء حتى ليَغدوا قولهم أهم من قول الله ورسوله ورأيهم مقدماً على حكم الله ورسوله.
التوحيد الفكري الخالص يعني أن يذيب الهوى الفكري ويعطف الرأي على القرآن، لا أن يعطف القرآن على رأيه، كما جاء في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المؤمن والموحد الخالص: «يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ».

 
س » بين التجديد والتمسك بأقول الماضين، كيف نفكر؟
ج »

التجديد لا يعني القطيعة مع تراث الماضين، وإنَّما يعني عدم الجمود على أفكار الماضين، واعتبارها مقدسات لا تُمَسّ. وبين الأمرين بَوْنٌ شاسع ومساحة كبيرة، ينطلق فيها عقل المجتهد المجدد الذي يعيش قلق المعرفة، ويقرأ النص بعقل مفتوح دون أن تؤسره قراءات الماضين لهذا النص، وفي الوقت عينه لا يستخف بجهود الماضين في شتى أبواب المعرفة؛ لأنَّ المعرفة الإنسانية والدينية هي صرح يُبنى لَبِنَةً لَبِنَةً، ويصعده الإنسان درجةً درجةً، ولا يمكن القفز على كل هذا النتاج المعرفي الذي جاءتنا به عقول مبدعة وجبارة بحجة أنَّنا نريد التجديد والإبداع.


 
س » أنا امرأة مثقفة لكني أشعر بأني أسيرة البيت وخدمة الأولاد، ما يشعرني بالأسى؟
ج »

تعليقاً على هذا السؤال المفعم بالألم والأمل نقول:

إنَّ قيامكِ بشؤون منزلكِ واهتمامكِ بتربية أولادكِ هو في حقيقته نوع جهاد؛ لما ورد عن رسول الله (ص) أنَّه قال: «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ» . وهذا الأمر يفترض أن يكون مدعاة للغبطة والسرور وليس للحسرة. وما نفع أن تخرج المرأة إلى ميادين الحياة وتقصّر لا سمح الله في تربية أولادها.
ثانياً: إنَّ ارتشافكِ للعلم عبر وسائل التواصل المعاصرة أو عبر قراءة الكتب هو عمل طيب وسلوى للمؤمن وأنيس للإنسان. وكما قال الشاعر: «وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ» . ولذا ليس عليكِ أن تشعري بغربة الروح، والحال أنَّ أبواب السماء أمامكِ مفتَّحة، وأبواب المعرفة غير موصدة. نعم، ثمة رغبة دفينة لديكِ، وهي في القيام بعمل رسالي، والحقيقة أنَّه يمكنكِ القيام بهذا العمل حتى ولو كنت داخل جدران البيت من خلال تأسيسك لصفحة على وسائل التواصل تنشرين فيها المعارف وتستفدين وتفيدين، وأننا نجد اليوم هذا المنبر هو أهم منبر لنشر الإسلام وهدية الأنام. ولهذا عليكِ ألّا تعيشي حالة من الحزن والأسى والانطواء على الذات، مع وجود مثل هذه الفرصة أمامكِ، والتي يمكنكِ من خلالها أن تؤدي مسؤولية وعملاً يرضي الله ورسوله.

 
س » هل يمكن أخذ الطلاق المدني شرطاً في الزواج الشرعي؟
ج »
أولاً: يمكن أن تكون الوكالة مقيدة ببعض الحالات، كأن يرتكب الزوج أموراً سيئة، ويمكن أن تكون مطلقة بحيث يقع الطلاق من دون أي سبب.
ثانياً: الطلاق المدني إذا كان غير مستجمع للشرائط الشرعية، فلا يكون جعله شرطاً في متن عقد الزواج مصححاً له شرعاً ومبرراً له. وإذا كان الطلاق المدني مستجمعاً لشرائط الطلاق الشرعي، فإنَّه يكون نافذاً حتى لو لم يُشترط في عقد الزواج.
ثالثاً: إذا كانت المرأة راغبة في أخذ الوكالة بالطلاق، مطلقاً أو مقيداً، فلا نرى أن ممانعة الزوج ورفضه لذلك سيكون عملاً جيداً لمستقبل حياته الزوجية؛ لأنَّ هذه الممانعة قد تخلق لديها هواجس نفسية، وربما تتحول هذه الهواجس إلى عُقَدٍ من خلال رتابة الحياة الزوجية أو لدى حصول أي خلاف بينها وبين الزوج. نعم، لو أن شخصاً آخر غير الشخص الذي سيكون زوجاً لها، أقنعها بأنَّه لا داعي لأخذ هذه الشروط في عقد الزواج، لأنَّ الأساس في الحياة الزوجية هو الوئام والسكينة والرحمة والاحترام المتبادل، لكان ذلك أنجع وأفضل.

 
 
  محاضرات >> دينية
محاضرات رمضانية: التفاخر والتميّز.. بالتقوى
الشيخ حسين الخشن



قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [ الحجرات 13].

لنا مع هذه الآية المباركة عدة وقفات:

 

1- التنافس المذموم

 

إنّ الآية المباركة تبيّن لنا مبدأ قرآنياً في غاية الأهميّة والمبدأ يتصل برفض الأشكال المزيفة للتمايز بين البشر، وهذا الرفض ينطلق من أنّ الناس كلهم خلق الله وعياله، فلماذا يتميّز أحدهم عن الآخر؟ نعم تقر الآية أساساً واحداً للتمايز بين العباد فما هو أساس التمايز؟ ليس هو الجاه ولا كثرة المال

ولا الأولاد ولا النسب ولا الحسب ولا الجمال ولا غير ذلك مما هو زائل، وإنما المبدأ هو التقوى، {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}، وقد أكّد النبي(ص) على هذا الأمر في الكثير من المناسبات ومن أهمها حجة الوداع، حيث قال: "أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرىء مال أخيه إلا عن

طيب نفس منه ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله ألا هل بلغت اللهم فاشهد أيها الناس ربكم واحد وان أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على

عجمي فضل إلا بالتقوى ألا هل بلغت اللهم فاشهد قالوا نعم قال فليبلغ الشاهد الغائب"[1].

 

إنّ القرآن لا يريد بذلك أن يؤكد أنّ الناس من حيث العطاء والعمل على مستوى واحد، فمن الطبيعي أنهم مختلفون في ذلك، فمنهم المؤمن الصالح، ومنهم الكافر والطالح، ومنهم العامل ومنهم القاعد، ومنهم البخيل ومنهم الكريم، ولكنّه يريد أن يضع حداً للتفاخر والتباهي بين الناس، ( التنافس

المذموم).

 

2- التفاخر بالتقوى!

 

 قد تقول: حتى التقوى يتفاخر الناس بها، فيقول البعض: أنا أتقى الناس وأعبد الناس، وأولهم إقداماً وأكثرهم بذلاً وجهاداً ... فإقرار مبدأ التقوى كأساس للتمايز سوف يعيد إنتاج مناخ التفاخر من داخل البوتقة الإيمانية في الوقت الذي يراد محاربته ! أفلم يكن الأجدى إقفال هذا الباب كليّة والقول للناس

إنّه لا تمايز بين أحد منهم أبداً وهم سواسية.

 

والجواب على ذلك:

 

أولاً: إنّ الله تعالى عندما استثنى مبدأ التقوى كأساس للتمايز عند الله تعالى، فإنما يريد أن يوجهنا إلى الأساس الصحيح للتمايز عنده، فعند الله تعالى لا قيمة للكم بل للنوع والكيف، فموازين الله تعالى يوم القيامة لا يرسو فيها إلا النوعية دون الكميّة، فالأعمال التي تكون خالصة لوجه الله تعالى أو

تكون بدافع خدمة عيال الله ترسو في ميزان العدل الإلهي، وأما ما يكون دافعها حب الظهور والتفاخر والرياء فلا تنزل في الميزان، قال تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [ الملك 1و2]. ومن

الطبيعي أنّه إذا انضم الكمية إلى الكيفية فتلك غاية المنى.

 

 

ثانياً: إنّ اعتماد هذا الميزان لا يخلق مشكلة، بين الناس، فلا مجال للتفاخر على أساس التقوى، لأنّ من يدعي أنّه الأتقى فهذا دليل على أنّه خطى الخطوة الأولى إلى خارج خط التقوى، وربما سقط في الميزان الذي يريد أن يدعي أنّه ناجح فيه، لماذا يا ترى؟ لأنّ التفاخر والمباهاة لا ينسجمان مع

التقى، فالمتقي لا يزكي نفسه بل يحاذر من تزكية الناس له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلا يعلم المتقي حقاً إلا الله تعالى، قال سبحانه: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا

أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم 32].

 

 

3-  وهم التميّز

 

 وما أكثر الأوصاف التي يتوهم الناس أنّها تمثل القيمة التي تسمح لهم بالتفوّق والتميّز على الآخرين، فأنت ترى من يقول أو من يعتقد وإن لم يصرح بذلك: أنا أكثر مالاً فأنا الأفضل وأنا الأعلى منصباً فأنا الأفضل وعليكم احترامي لذلك، وأنا الأجمل فأنا الأفضل، وأنا ألفضل لأني ابن الحسب

والنسب، إنها أسس موهومة للتمايز والتفاخر وقد هشّمها الإسلام، وإليك تفصيل الكلام في بعض هذه المظاهر:

 

أ- التفاخر بالأموال والأولاد، قال تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [ الحديد 20].

ب  التفاخر بالجاه، فهذا فرعون يفتخر على موسى بغناه وجاهه، ، قال تعالى: { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}

[الزخرف 51 – 53] . وقد دفع هذا الأمر المشركين إلى أن يقولوا إنّ النبوة كان ينبغي أن تنزل على رجل ذي جاه! قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ

لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [ الزخرف 31 – 32].

 

ج-  التفاخر بالأحساب، وهذا شكل آخر من أشكال التمايز التي دعا الإسلام إلى تحطيمها، لأنّ الناس خلقوا من آدم وآدم من تراب، والآية أعلاه اعتبرت أن تعدد القبائل هو مدعاة للتعارف والتلاقي وليس للتفاخر أو التناحر، وقد سعى النبي (ص) في رفض هذا الشكل من التفاخر من خلال سيرته

وبدأ بأسرته وهي الأسرة المعروفة بحسبها ونسبها، ففي الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع):" أَنَّ رَسُولَ اللَّه (ص) زَوَّجَ الْمِقْدَادَ بْنَ أَسْوَدَ، ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا زَوَّجَهَا الْمِقْدَادَ لِتَتَّضِعَ الْمَنَاكِحُ ولِيَتَأَسَّوْا بِرَسُولِ اللَّه (ص) ولِتَعْلَمُوا أَنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقَاكُمْ وكَانَ الزُّبَيْرُ أَخَا

عَبْدِ اللَّه وأَبِي طَالِبٍ لأَبِيهِمَا وأُمِّهِمَا"[2]. وفي الخبر عن أبي جعفر(ع):" إِنَّ رَجُلاً كَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ يُقَالُ لَه جُوَيْبِرٌ أَتَى رَسُولَ اللَّه ص مُنْتَجِعاً لِلإِسْلَامِ ( طلب معروفه ) فَأَسْلَمَ وحَسُنَ إِسْلَامُه وكَانَ رَجُلاً قَصِيراً دَمِيماً مُحْتَاجاً عَارِياً وكَانَ مِنْ قِبَاحِ السُّودَانِ فَضَمَّه رَسُولُ اللَّه ص لِحَالِ

غُرْبَتِه وعَرَاه وكَانَ يُجْرِي عَلَيْه طَعَامَه صَاعاً مِنْ تَمْرٍ بِالصَّاعِ الأَوَّلِ وكَسَاه شَمْلَتَيْنِ وأَمَرَه أَنْ يَلْزَمَ الْمَسْجِدَ ويَرْقُدَ فِيه بِاللَّيْلِ.. فإنّ رَسُولَ اللَّه ص نَظَرَ إِلَى جُوَيْبِرٍ ذَاتَ يَوْمٍ بِرَحْمَةٍ مِنْه لَه ورِقَّةٍ عَلَيْه فَقَالَ لَه يَا جُوَيْبِرُ لَوْ تَزَوَّجْتَ امْرَأَةً فَعَفَفْتَ بِهَا فَرْجَكَ وأَعَانَتْكَ عَلَى دُنْيَاكَ وآخِرَتِكَ فَقَالَ لَه جُوَيْبِرٌ يَا

رَسُولَ اللَّه بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي مَنْ يَرْغَبُ فِيَّ فَوَاللَّه مَا مِنْ حَسَبٍ ولَا نَسَبٍ ولَا مَالٍ ولَا جَمَالٍ فَأَيَّةُ امْرَأَةٍ تَرْغَبُ فِيَّ فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه ص يَا جُوَيْبِرُ إِنَّ اللَّه قَدْ وَضَعَ بِالإِسْلَامِ مَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَرِيفاً وشَرَّفَ بِالإِسْلَامِ مَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَضِيعاً وأَعَزَّ بِالإِسْلَامِ مَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ذَلِيلاً وأَذْهَبَ

بِالإِسْلَامِ مَا كَانَ مِنْ نَخْوَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وتَفَاخُرِهَا بِعَشَائِرِهَا وبَاسِقِ أَنْسَابِهَا (الباسق المرتفع) فَالنَّاسُ الْيَوْمَ كُلُّهُمْ أَبْيَضُهُمْ وأَسْوَدُهُمْ وقُرَشِيُّهُمْ وعَرَبِيُّهُمْ وعَجَمِيُّهُمْ مِنْ آدَمَ وإِنَّ آدَمَ خَلَقَه اللَّه مِنْ طِينٍ وإِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَعُهُمْ لَه وأَتْقَاهُمْ ومَا أَعْلَمُ يَا جُوَيْبِرُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْكَ

الْيَوْمَ فَضْلاً إِلَّا لِمَنْ كَانَ أَتْقَى لِلَّه مِنْكَ وأَطْوَعَ ثُمَّ قَالَ لَه انْطَلِقْ يَا جُوَيْبِرُ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ فَإِنَّه مِنْ أَشْرَفِ بَنِي بَيَاضَةَ (قبيلة من الأنصار) حَسَباً فِيهِمْ فَقُلْ لَه إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّه إِلَيْكَ وهُوَ يَقُولُ لَكَ زَوِّجْ جُوَيْبِراً ابْنَتَكَ الذَّلْفَاءَ، قَالَ فَانْطَلَقَ جُوَيْبِرٌ بِرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّه ص إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ وهُوَ فِي مَنْزِلِه

وجَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِه عِنْدَه فَاسْتَأْذَنَ فَأُعْلِمَ فَأَذِنَ لَه فَدَخَلَ وسَلَّمَ عَلَيْه ثُمَّ قَالَ يَا زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّه إِلَيْكَ فِي حَاجَةٍ لِي فَأَبُوحُ بِهَا أَمْ أُسِرُّهَا إِلَيْكَ فَقَالَ لَه زِيَادٌ بَلْ بُحْ بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ شَرَفٌ لِي وفَخْرٌ فَقَالَ لَه جُوَيْبِرٌ إِنَّ رَسُولَ اللَّه ص يَقُولُ لَكَ زَوِّجْ جُوَيْبِراً ابْنَتَكَ الذَّلْفَاءَ فَقَالَ لَه زِيَادٌ أرَسُولُ اللَّه

أَرْسَلَكَ إِلَيَّ بِهَذَا فَقَالَ لَه نَعَمْ مَا كُنْتُ لأَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ص فَقَالَ لَه زِيَادٌ إِنَّا لَا نُزَوِّجُ فَتَيَاتِنَا إِلَّا أَكْفَاءَنَا مِنَ الأَنْصَارِ فَانْصَرِفْ يَا جُوَيْبِرُ حَتَّى أَلْقَى رَسُولَ اللَّه ص فَأُخْبِرَه بِعُذْرِي فَانْصَرَفَ جُوَيْبِرٌ وهُوَ يَقُولُ واللَّه مَا بِهَذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ ولَا بِهَذَا ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ص فَسَمِعَتْ مَقَالَتَه الذَّلْفَاءُ بِنْتُ زِيَادٍ

وهِيَ فِي خِدْرِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا ادْخُلْ إِلَيَّ فَدَخَلَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَه مَا هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي سَمِعْتُه مِنْكَ تُحَاوِرُ بِه جُوَيْبِراً فَقَالَ لَهَا ذَكَرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّه ص أَرْسَلَه وقَالَ يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّه ص زَوِّجْ جُوَيْبِراً ابْنَتَكَ الذَّلْفَاءَ فَقَالَتْ لَه واللَّه مَا كَانَ جُوَيْبِرٌ لِيَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ص بِحَضْرَتِه فَابْعَثِ الآنَ رَسُولاً

يَرُدُّ عَلَيْكَ جُوَيْبِراً فَبَعَثَ زِيَادٌ رَسُولاً فَلَحِقَ جُوَيْبِراً فَقَالَ لَه زِيَادٌ يَا جُوَيْبِرُ مَرْحَباً بِكَ اطْمَئِنَّ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ ثُمَّ انْطَلَقَ زِيَادٌ إِلَى رَسُولِ اللَّه ص فَقَالَ لَه بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي إِنَّ جُوَيْبِراً أَتَانِي بِرِسَالَتِكَ وقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّه ص يَقُولُ لَكَ زَوِّجْ جُوَيْبِراً ابْنَتَكَ الذَّلْفَاءَ فَلَمْ أَلِنْ لَه بِالْقَوْلِ ورَأَيْتُ لِقَاءَكَ ونَحْنُ لَا نَتَزَوَّجُ

إِلَّا أَكْفَاءَنَا مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه ص يَا زِيَادُ - جُوَيْبِرٌ مُؤْمِنٌ والْمُؤْمِنُ كُفْوٌ لِلْمُؤْمِنَةِ والْمُسْلِمُ كُفْوٌ لِلْمُسْلِمَةِ فَزَوِّجْه يَا زِيَادُ ولَا تَرْغَبْ عَنْه قَالَ فَرَجَعَ زِيَادٌ إِلَى مَنْزِلِه ودَخَلَ عَلَى ابْنَتِه فَقَالَ لَهَا مَا سَمِعَه مِنْ رَسُولِ اللَّه ص فَقَالَتْ لَه إِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَ رَسُولَ اللَّه ص كَفَرْتَ فَزَوِّجْ جُوَيْبِراً فَخَرَجَ زِيَادٌ

فَأَخَذَ بِيَدِ جُوَيْبِرٍ ثُمَّ أَخْرَجَه إِلَى قَوْمِه فَزَوَّجَه عَلَى سُنَّةِ اللَّه وسُنَّةِ رَسُولِه ص وضَمِنَ صَدَاقَه .."[3].

 

 

4- التفاخر كمرض نفسي

 

 والواقع أنّ التفاخر بالأحساب والأنساب يبلغ بالإنسان مبلغاً خطيراً يدفعه إلى التكبر على الآخرين، والنيل منهم والاستخفاف بهم والسخرية والاستهزاء بهم، ومن هنا فهو آفة نفسية، وقد تكون منطلقاً للكثير من الآفات، ومن هنا كان هذا الموقف الرافض له وأعتقد أنّ علاج هذه الآفة يكون:

أ- بتنبيه الإنسان إلى ضرورة عدم الاتكال على حسبه، ففي الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ص آفَةُ الْحَسَبِ الِافْتِخَارُ والْعُجْبُ"[4].

 

ب- تذكيره بالأساس الصحيح للتمايز وهو التقى، ففي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال : يا علي آفة الحسب الافتخار ، ثم قال : يا علي إن الله قد اذهب بالاسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها ، ألا إن الناس من آدم ، وآدم من تراب ، وأكرمهم عند الله أتقاهم" [5].

 

ج- تهذيب النفس، ومن أروع أساليب تهذيب النفس في هذا المجال ما جاء في وصية الإمام السجاد(ع) للزهري:" وإن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلاً على أحد من أهل القبلة ، فانظر إن كان أكبر منك فقل : قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني ، وإن كان أصغر منك فقل : قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني ، وإن كان تربك فقل : أنا على يقين من ذنبي في شك من أمره فما لي أدع يقيني لشكي"[6].

 

ونحوه ما جاء عن الإمام علي(ع) في وصف المتقين وكيفية تهذيبهم لأنفسهم، يقول:" فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَه فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ

واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ"[7].

 

محاضرة رمضانية 1437هـ

نُشرت على الموقع في 24-6-2016



[1] البيان والتبيين للجاحظ ص 229، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج1 ص 128، ورواها مع شيء من التغيير في تحف العقول ص 34.

[2] الكافي ج 5 ص 344.وتهذيب الأحكام ج 7 ص 395.

[3] الكافي ج 5 ص 340.

[4] الكافي ج 2 ص 328.

[5] اوسائل الشيعة ج 16 ص 43.

[6] الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 52.

[7] نهج البلاغة ج 2 ص 163.

 








 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon