حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
تكريم الإنسان
 
س » كيف نربط بين الحج ومستقبل الحياة؟
ج »
على الحاج والزائر وهو يطوف على تلك الديار والربوع والأطلال المقدسة ويزور بعضاً من أماكن التراث الإسلامي أن يستحضر حركة التاريخ الإسلامية بطريقة سُننية.
فهو يهفو إلى الماضي وإلى البدايات بطهرها وصفوها ويقتبس منها لحاضره دون أن يغرق في تفاصيلها وهوامشها، فالعبرة هنا بالمقاصد والمآلات لا بالهوامش والتفاصيل.
إن علينا أن نأخذ من هذا التاريخ ما هو ثابت من القِيَم والأفكار التي لا يطويها الزمن بدل الانشغال بالتفاصيل والتقاتل على أمور عفا عليها الزمن، وهي خارجة عن مسؤوليتنا. وهذا هو منهج القرآن في قراءة التاريخ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة-134)

 
س » ماذا يمثل الحج في وجدان المسلم؟
ج »
لا ريب أن الحج يشكل فرصة ذهبية للإنسان المسلم تساعده على تحصين نفسه روحياً ومعنوياً، وتمنحه الكثير من الطمأنينة والسكينة بما يساعده على التطهر من كثير مما يعلق بالروح والنفس من تشكيكات وما يجتاحها من حالات برود وجفاف.
هذا إن أحسن المسلم اغتنام هذه الفرصة وأتى بالفريضة بشرطها وبشروطها، والخشوع والخلوص لله هو من أهم شروطها.
باختصار: إن الحج يمثل سياحة روحية مذهلة، ويمكن أن تمد الإنسان بزاد معنوي عظيم بما يجعله صاحب يقين واطمئنان ويعطيه زخماً كبيراً في حركته الرسالية وفي حياته الشخصية والاجتماعية.

 
س » ما هي أبعاد التوحيد الفكري؟
ج »
التوحيد الفكري لا ينحصر بالاعتقاد بأنَّه لا مؤثّر على نحو الاستقلال في هذا الكون إلا الله، وأنَّه لا يمكن استمداد التشريعات من أي مرجعية تبتعد عن الله تعالى وعن اعتباره مصدر التشريع، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام - 57]، إلى غير ذلك من مجالات التوحيد المذكورة في محلها.  إنَّ التوحيد لا يقتصر على ذلك، بل يتعداه إلى جعل الإنسان فكره صدى لإرادة الله التشريعية والتكوينية، وأن يذيب الأنا الفكرية والثقافية التي تتضخم لدى الكثير من المفكرين والعلماء حتى ليَغدوا قولهم أهم من قول الله ورسوله ورأيهم مقدماً على حكم الله ورسوله.
التوحيد الفكري الخالص يعني أن يذيب الهوى الفكري ويعطف الرأي على القرآن، لا أن يعطف القرآن على رأيه، كما جاء في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المؤمن والموحد الخالص: «يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ».

 
س » بين التجديد والتمسك بأقول الماضين، كيف نفكر؟
ج »

التجديد لا يعني القطيعة مع تراث الماضين، وإنَّما يعني عدم الجمود على أفكار الماضين، واعتبارها مقدسات لا تُمَسّ. وبين الأمرين بَوْنٌ شاسع ومساحة كبيرة، ينطلق فيها عقل المجتهد المجدد الذي يعيش قلق المعرفة، ويقرأ النص بعقل مفتوح دون أن تؤسره قراءات الماضين لهذا النص، وفي الوقت عينه لا يستخف بجهود الماضين في شتى أبواب المعرفة؛ لأنَّ المعرفة الإنسانية والدينية هي صرح يُبنى لَبِنَةً لَبِنَةً، ويصعده الإنسان درجةً درجةً، ولا يمكن القفز على كل هذا النتاج المعرفي الذي جاءتنا به عقول مبدعة وجبارة بحجة أنَّنا نريد التجديد والإبداع.


 
س » أنا امرأة مثقفة لكني أشعر بأني أسيرة البيت وخدمة الأولاد، ما يشعرني بالأسى؟
ج »

تعليقاً على هذا السؤال المفعم بالألم والأمل نقول:

إنَّ قيامكِ بشؤون منزلكِ واهتمامكِ بتربية أولادكِ هو في حقيقته نوع جهاد؛ لما ورد عن رسول الله (ص) أنَّه قال: «جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ» . وهذا الأمر يفترض أن يكون مدعاة للغبطة والسرور وليس للحسرة. وما نفع أن تخرج المرأة إلى ميادين الحياة وتقصّر لا سمح الله في تربية أولادها.
ثانياً: إنَّ ارتشافكِ للعلم عبر وسائل التواصل المعاصرة أو عبر قراءة الكتب هو عمل طيب وسلوى للمؤمن وأنيس للإنسان. وكما قال الشاعر: «وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ» . ولذا ليس عليكِ أن تشعري بغربة الروح، والحال أنَّ أبواب السماء أمامكِ مفتَّحة، وأبواب المعرفة غير موصدة. نعم، ثمة رغبة دفينة لديكِ، وهي في القيام بعمل رسالي، والحقيقة أنَّه يمكنكِ القيام بهذا العمل حتى ولو كنت داخل جدران البيت من خلال تأسيسك لصفحة على وسائل التواصل تنشرين فيها المعارف وتستفدين وتفيدين، وأننا نجد اليوم هذا المنبر هو أهم منبر لنشر الإسلام وهدية الأنام. ولهذا عليكِ ألّا تعيشي حالة من الحزن والأسى والانطواء على الذات، مع وجود مثل هذه الفرصة أمامكِ، والتي يمكنكِ من خلالها أن تؤدي مسؤولية وعملاً يرضي الله ورسوله.

 
س » هل يمكن أخذ الطلاق المدني شرطاً في الزواج الشرعي؟
ج »
أولاً: يمكن أن تكون الوكالة مقيدة ببعض الحالات، كأن يرتكب الزوج أموراً سيئة، ويمكن أن تكون مطلقة بحيث يقع الطلاق من دون أي سبب.
ثانياً: الطلاق المدني إذا كان غير مستجمع للشرائط الشرعية، فلا يكون جعله شرطاً في متن عقد الزواج مصححاً له شرعاً ومبرراً له. وإذا كان الطلاق المدني مستجمعاً لشرائط الطلاق الشرعي، فإنَّه يكون نافذاً حتى لو لم يُشترط في عقد الزواج.
ثالثاً: إذا كانت المرأة راغبة في أخذ الوكالة بالطلاق، مطلقاً أو مقيداً، فلا نرى أن ممانعة الزوج ورفضه لذلك سيكون عملاً جيداً لمستقبل حياته الزوجية؛ لأنَّ هذه الممانعة قد تخلق لديها هواجس نفسية، وربما تتحول هذه الهواجس إلى عُقَدٍ من خلال رتابة الحياة الزوجية أو لدى حصول أي خلاف بينها وبين الزوج. نعم، لو أن شخصاً آخر غير الشخص الذي سيكون زوجاً لها، أقنعها بأنَّه لا داعي لأخذ هذه الشروط في عقد الزواج، لأنَّ الأساس في الحياة الزوجية هو الوئام والسكينة والرحمة والاحترام المتبادل، لكان ذلك أنجع وأفضل.

 
 
  مقالات >> اجتماعية
كيف نعزِّز شخصية الطفل ونحفظ كرامته؟
الشيخ حسين الخشن



كيف نعزِّز شخصية الطفل ونحفظ كرامته؟

 

يستهل بعض الناس أمر التعاطي مع الطفل ويستخفّون بذلك فتراهم يتصرّفون معه ويتكلمون أمامه دون ضوابط أو قيود، ولا يعيرونه كبير اهتمام، وكأنما هو كائن غير عاقل ولا حسّاس، ومن الأكيد أن هذا الاستخفاف يعبر عن جهالة وربّما سفاهة في فهم الطفولة، إذ صحيح أن الشخصية القانونية

للطفل لا تكتمل إلا بالبلوغ والرشد، لكنه يمتلك شخصية إنسانية وعقلاً نامياً وحسّاً مرهفاً يتفاعل مع الأحداث ويتأثر بها، الأمر الذي يفرض على الآخرين التعامل معه بدقة وحذر، وصحيح أن الطفل قد رفع عنه قلم التشريع فلا يكلف بإتيان الواجبات ولا يعاقب على ارتكاب المحرمات، بيد أنّ ذلك

لا يسوِّغ للبالغين التعامل معه دون معايير أو ضوابط، وكأن رفع القلم عنه مساوٍ لرفع القلم عنهم! والسؤال بعد هذه المقدمة، كيف نبني لدى الطفل شخصية قوية كريمة لا تتهيّب المصاعب ولا تشعر بالخنوع والمهانة في داخلها؟

 

 

تكريم الطفل

 

وبداية نشير إلى أنّ التكريم الإلهي للإنسان، المشار إليه في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء:70]، هو تكريم للنوع الإنساني برمته، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، وانسجاماً مع مبدأ

التكريم هذا يكون لزاماً علينا العمل على حفظ كرامة الطفل بشتّى الوسائل، ويفترض بالعملية التربوية أن تستهدي المبدأ المذكور وتتحرّك ــــ في كل وسائلها وأنشطتها ــــ وفقه، الأمر الذي يحفظ كرامة الطفل ويصون شخصيته وإنسانيته، وفي الحديث عن رسول الله (ص): "أكرِموا أولادكم

وأحسِنوا أدبهم يغفر لكم"(1)

 

 

في بناء شخصية الطفل

 

إنّ بناء شخصية الطفل بناءً سليماً يستدعي اتّباع سياسة تربوية محدّدة المعالم، تتمثّل باعتماد كافة الأساليب التربوية التي تساهم في تحقيق الهدف المذكور مع اجتناب الوسائل المعيقة من الوصول إليه.

 

ففي الجانب الإيجابي: يعتبر عنصر الثقة بالطفل وبمقدّراته وكفاءاته، بالإضافة إلى تقدير جهوده ونجاحاته، والإصغاء إليه والاستماع إلى رأيه ركناً أساسياً في بناء شخصيته، لأنّ ذلك كفيل بتعزيز ثقته بنفسه وتشجيعه على مواصلة رحلة النجاح والتقدّم. هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنّ محبة

الطفل المتمثلة برعايته عاطفياً واحتضانه وإحاطته بسائر متطلبات الإشباع العاطفي تمثل هي الأخرى عنصراً رئيسياً ومدماكاً أساسياً في بناء شخصيته، ويتلمّس الباحث في النصوص الإسلامية الكثير من الشواهد التي تؤكد على أهمية عنصري الثقة والمحبة في بناء شخصية الطفل.

 

ومن جهة ثالثة فإنّ علينا كما جاء في مستهل الحديث أن لا نستخف بالطفل وبمقدراته وطاقاته، وقد أرشدت التعاليم الإسلامية إلى بعض الخطوات العملية التي تساهم في تحقيق الهدف المذكور، وإليك بعضها:

 

1- الوفاء بوعده: كثيراً ما يتعهد الآباء والأمهات ببعض التعهدات لأبنائهم ويقطعون لهم بعض الوعود، ثم لا يبالون بعد ذلك بالوفاء بما تعهدوا به وقطعوه على أنفسهم، وهو ما ينعكس سلباً على نفسية الطفل ويجرحه معنوياً وعاطفياً، لأنّه يُشكِّل مسّاً بكرامته واستخفافاً به، ولذا ورد في الروايات

التحذير من ذلك، فعن أبي عبد الله (ع): قال: قال رسول الله (ص): "أحبّوا الصبيان وارحموهم وإذا وعدتموهم شيئاً ففوا لهم، فإنّهم لا يدرون إلاّ أنّكم ترزقونهم"(1)، وغني عن البيان أن ذكر الصبيان في هذه الرواية وسواها إنّما هو من باب المثال إذ لا خصوصية للذكر في مثل هذه

الإرشادات والتعاليم الأخلاقية.

 

2- السلام عليه: ومن الإرشادات التي تعكس اهتمام الإسلام بالطفل واحترامه، ما درج عليه النبيّ (ص) من التسليم على الصبيان، ففي الحديث عنه (ص): "خمس لست بتاركهن حتى الممات: لباس الصوف، وركوبي الحمار مؤكفاً (الإكاف: برذعة الحمار) وأكلي مع العبيد، وخصفي النعل

بيدي، وتسليمي على الصبيان، ليكون سنة من بعدي"(2)، وعن أنس بن مالك أنّه (ص): "مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم، وقال: كان النبيّ (ص) يفعله"(3).   

     

3-  الوقوف له: إنّ الوقوف للطفل المميّز عند قدومه أو دخوله على الكبار والبالغين هو كالسلام عليه يشعره باحترام الآخرين وتقديرهم له، ما يعزّز شخصيته، وفي سيرة النبيّ أنّه (ص): "كان يقدم من السفر فيتلقاه الصبيان فيقف لهم، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه، فيرفع منهم بين يديه ومن

خلفه، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم، فربّما يتفاخر الصبيان بعد ذلك، فيقول بعضهم لبعض: حملني رسول الله (ص) بين يديه، وحملك أنت وراءه، ويقول بعضهم: أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم"(1).

 

4- تكنيته: ومن الإرشادات الإسلامية في هذا المجال: الحثّ على تكنية الطفل كما جاء في أكثر من رواية، من ذلك ما روي عن أبي جعفر الباقر (ع): "إنا لنكنّي أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم"(2)، وهذا الحديث واضح وصريح في أنّ علة التكنية هي الحؤول دون أن ينبز

الطفل ببعض الألقاب القبيحة، قال تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات:11].

 

وليس الهدف من التكنية محاولة إضفاء شخصية الرجل على الطفل، فإنّ هذا الأمر الذي يمارسه بعض الآباء أو الأمهات مع أولادهم ذكوراً وإناثاً، فيقال للصبي: "أنتَ رجل البيت" ويقال للبنت: "أنتِ سيدة البيت" يمثّل خطأً من الناحية التربوية وله سلبيات كثيرة، لأنّ فيه قفزاً على مرحلة الطفولة

ومتطلّباتها وتحميلاً للطفل ما يفوق طاقته، ما يحول دون أن يعيش مرح هذه المرحلة من عمره ولهوها، وقد يجعله ذلك يتمرّد على أبويه ومَنْ هو أكبر سناً منه، ويتعامل مع إخوته الأصغر سناً من موقع السلطة وإصدار الأوامر.

 

 

الإساءة المعنوية ومضاعفاتها

 

هذا كلّه في الجانب الإيجابي، وأما في الجانب السلبي فيمكن القول: إنّ ثمة نوعين من الإساءة التي يتعرّض لها الطفل: فهناك الإساءة المادية المتمثلة بضربه غير المبرر أو حرمانه من بعض متطلباته في الملبس أو المأكل أو المسكن ونحو ذلك، وهناك الإساءة المعنوية المتمثلة بخدش مشاعره

وإهانته وتحقيره، وهذه الإساءة ربما تكون أشد خطراً وضرراً من الأولى، لأنّها تترك بصماتها على نفسية الطفل وشخصيته وعواطفه وتجعل منه إنساناً ضعيفاً منعزلاً منطوياً على ذاته مليئاً بالعقد النفسية، وفيما يلي نشير إلى بعض أنواع الإساءة المعنوية التي يتعرّض لها الأطفال دون رادع

قانوني أو وازع أخلاقي:

 

 

1 ــــ غيبته وسوء الظنّ به:

 

إنّ سوء الظنّ بالطفل والتشكيك بتصرفاته وحمله على الأسوأ والتجسّس عليه وغيبته وفضح أسراره ومعايبه، كل ذلك ممّا يخوض فيه غالب الناس ويخالونه أمراً هيّناً وهو عند الله عظيم، فهو يفقد الطفل خصوصيته وينتهك كرامته ويضعف شخصيته ويخدش مشاعره، كما أنّه محظور شرعاً على

نحو الإجمال، فقد ذهب بعض الفقهاء ــــ كالشيخ الأنصاري(1) ــــ إلى حرمة غيبة الطفل فيما لو كان مميزاً ويتأثر بالغيبة لو سمعها، وذهب آخرون ــــ كالسيد الخوئي(2) ــــ إلى توسعه دائرة الحرمة لمطلق الغيبة سواء تأثر الطفل أو لم يتأثر، لأنّ المناط في حرمة الغيبة هو صدق

عنوان المؤمن عليه، والصبي المميز يصدق عليه عنوان المؤمن، كما أنّ الظاهر في معنى الغيبة أنها كشف عيب قد ستره الله، وقد ستر الله معايب الناس جميعاً، بما في ذلك الأطفال المميزين، فذكرهم بالمساوئ الموجودة فيهم كشفٌ لما ستره الله عليهم(1)، وما قيل في الغيبة يجري في غيرها

من المحرمات التي يتم فيها انتهاك حرمة الآخرين، فإنّ ما ورد في الآيات والروايات بشأن هذه المحرمات مطلق وشامل للطفل كما هو شامل للبالغ.

 

 

2 ــــ إذلاله وتحقيره:

 

وفي السياق ذاته فإن من غير الجائز شرعاً التعاطي مع الأطفال باستخفاف ومهانة فضلاً عن الإذلال والتحقير، فإنّ ذلك يمثّل جريمة من الناحية التربوية، لأنّه يقدّم للمجتمع طفلاً خانعاً ضعيفاً يفتقر الشجاعة والمهابة، بل يدمن الذل والمهانة.

 

قال الشاعر:

من يهن يسهل الهوان عليه           ما لجرحٍ بميّتٍ إيلام

 

فما يفعله بعض المربين والمصلحين من تركيع التلامذة أو غيره من أشكال الإذلال، محظور شرعاً، ويعبّر عن سوء التربية ويتنافى مع أهم مقاصد التشريع الإسلامي الذي يؤكّد على عِزّة الإنسان، ويريد له أن يكون كريماً عزيزاً، ولا يسمح لأحد بإذلال نفسه، فضلاً عن إذلال الآخرين، لأنّ الله

فوَّض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوّض إليه أن يذلّ نفسه. وإن من أسوأ أساليب التربية أن يعمد الأهل إلى ضرب الولد أمام رفقائه فإنّ ذلك يسحق إرادته وكبريائه ويخدش كرامته.

 

 

3 ــــ تخويفه وإفزاعه:

 

ومن أبشع الأساليب التي يتم اعتمادها أحياناً بهدف السيطرة على الطفل والحدّ من حركاته أو متطلباته التي يراها الأبوان مزعجة لهم ومقلقة لراحتهم، ما يلجأ إليه الكثيرون من تخويف أبنائهم وإرعابهم من بعض الحيوانات أو الكائنات الوهمية (الغول) أو الحقيقية (الجن)، ما يخلق لدى الطفل

الكثير من الأزمات والأمراض النفسية، ولذا ورد في الحديث عن رسول الله النهي عن تخويف الطفل وإفزاعه، فعن ابن أبي ليلى أنه كان عند رسول الله (ص) وعلى بطنه الحسن أو الحسين، قال: "فبال حتى رأيت بوله على بطن رسول الله أساريع (طرائق)، وخطوطاً قال: فوثبنا إليه، فقال:

(ص): دعوا ابني أو لا تفزعوا ابني، ثم دعا بماءٍ فصبَّه عليه"(1).

 

وفي رواية أخرى: "دعوا ابني لا تفزعوه حتى يقضي بوله ثم أتبعه بالماء"، وفي رواية ثالثة عن أم الفضل مرضعة الحسين (ع) أنّ رسول الله (ص) دخل عليها وتناول الحسين (ع) فبال عليه، قالت: فأهويت بيدي إليه، فقال (ص): "لا تزرمي ابني" أي لا تقطعي عليه بوله"(2).

 

 

كيف نتعامل مع خوف الطفل؟

 

ثمّ لو أنّ الخوف من بعض الأشياء ــــ كالعتمة أو المفرقعات أو غيرها ــــ تملَّك الطفل وسيطر عليه، فأصبح يصاب بحالة من الذعر لدى مواجهة هذه الأشياء، فإنّ على الوالدين أن لا يهملاه ويتركاه لخوفه، بل عليهما أن يعملا على إخراجه من حالة الخوف، لما لها من سلبيات على صحته

واستقراره النفسي العقلي والاجتماعي، وربّما كان الأسلوب الأفضل في مساعدته على الخروج من هذه الحالة أن تتمّ مواجهته مع ما يخاف منه، لا أن يُبعد عنه باستمرار، فإنّ ذلك سيزيده خوفاً وذعراً من ذلك الشيء، لأنّ الناس أعداء ما جهلوا، لكن لا بدّ أن يحصل ذلك بإشراف وحماية الوالدين

أو أحدهما، فإذا كان يخاف الظلمة فليدخله والده أو والدته إلى غرفة مظلمة لبرهة ويفهمه أن لا شيء يبعث على الخوف والهلع، إنّ ذلك كفيل بكسر حاجز الخوف نتيجة الألفة مع الشيء الذي يخافه، وهذا الأمر الذي يؤكّد عليه علماء النفس قد أشار إليه أمير المؤمنين (ع) في حكمته المعروفة "إذا

هِبْتَ شيئاً فَقَعْ فيه"(1).

 

 

تم نشر المقال في 19-5-2015

من كتاب "حقوق الطفل في الإسلام"

 

 

(1) مكارم الأخلاق: 222.

(1) الوسائل: 21/484، الباب 88 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3 و5.

(2) الوسائل: 12/63، الباب 35 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 و2.

(3) صحيح البخاري: 7/131، ومكارم الأخلاق ص: 16.

(1) المحجّة البيضاء: 3/366، نقلاً عن الطفل بين الوراثة والتربية: 2/88.

(2) الكافي: 6/19.

(1) المكاسب المحرّمة: 1/319.

(2) راجع مصباح الفقاهة ضمن موسوعة الإمام الخوئي: 35/499.

(1) راجع مصباح الفقاهة ضمن موسوعة الإمام الخوئي: 35/499.

(1) مسند أحمد 4/348.

(2) راجع هامش ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص:13، وفي مكارم الأخلاق ص:25، ما يظهر منه أنّ هذا الأمر كان سلوكاً له مع الأطفال، نعم ثمّة تأمل في هذه الروايات، لجهة احتمال عدم تناسب مضمونها مع مكانة الأئمة (ع) وعصمتهم.

(1) نهج البلاغة: 4/42 رقم الحكمة 175.

 

 








 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon