حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
قصة الإمام الخميني مع الشيخ المشكيني
 
س » ما رأيكم بالفيلسوف صدر المتألهين ومدرسته الفلسفية؟
ج »
يمكن أن أوجز رأيي في نقطتين مختصرتين:
أولاً: أعتقد أنّ مدرسة الحكمة المتعالية مثلت في مرحلتها خلاصة الفلسفة الإسلامية لجهة عمقها ونضجها، وعلى يدي صاحب هذه المدرسة أعني صدر المتألهين الشيرازي تبلورت الكثير من المفاهيم الفلسفية بشكل واضح وجلي ومؤصل. وقد امتازت مدرسته بمزايا كثيرة، ومن أبرزها أنها وعلى الرغم من نقدها للمدرسة المشائية ورمزها الكبير ابن سينا قد توافقت معها على أهمية ومحورية البرهان في البناء المعرفي، ولم تكتف أبداً بالعرفان والكشف والشهود، وبذلك جمعت بين المدرستين – أي المشائية والإشراقية - ومدّت جسور التواصل بينهما، مع ميل واضح وجلي إلى مدرسة الإشراق والعرفان، ولا سيما إلى أفكار رمزها الكبير ابن عربي، صاحب الفتوحات المكية، وفي الوقت عينه فقد حرصت مدرسة الحكمة المتعالية على إظهار تناغم الأفكار الفلسفية والعرفانية وتوافقها التام مع نصوص القرآن الكريم، وحذت بذلك حذو ابن رشد في كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، وبذلك غدا القرآن والعرفان والبرهان في حالة اتساق واتفاق تام في رؤية هذه المدرسة.
ثانياً: إنّ هذه المدرسة وما تميزت به من رؤى فلسفية، وأفكار ملهمة ومؤثرة من قبيل فكرة الحركة الجوهرية أو نظرية وحدة الوجود جديرة بالبحث والتأمل والنقد والدراسة. وفي هذا السياق أرى أننا – من جهة - معنيون بالتعريف بهذه المدرسة فهي لا تزال مجهولة في بعض الحواضر العلمية، مع أنه ليس من الحكمة في شيء إهمالها أو تجاوزها أو التعامل معها باستخفاف، ومدعوون - من جهة ثانية – إلى مدارستها بطريقة نقدية ومقارنة مع النظريات الفلسفية الغربية أو غيرها، لأننا لا نرى مبرراً للجمود على أفكارها، فضلاً عن إعطاء رموزها - ولا سيما صدر المتأهلين – هالة مبالغاً بها من القداسة، بما يمنع من ممارسة نقد أفكارهم بحرية تامة، وكأن التفكير الفلسفي قد انتهى بعدهم، إنّ هذا ليس صحيحاً ولا يخدم الحكمة ولا الحقيقة ولا الإنسان.

 
س » نقرأ في فتاوى الفقهاء ومنهم السيد السيستاني أنه يجوز للمرأة الأمة أن تكشف عن رأسها.. لماذا هذا الفرق بينها وبين المرأة الحرة طالما أن الحجاب هو لنشر الفضيلة؟
ج »
المسألة مفتوحة على البحث ويمكن إعادة التفكير فيها بل قد يكون مهما وضروريا، لكنّ ما طرح في كلامكم من إشكال يمكن للسيد السيستاني وغيره من الفقهاء أن يجيبوا عليه، بأنّ القضية تندرج في ما يُعرف بالتعبد الشرعي، وبالتالي ليس ثمة ما يبرر قياس الأمة على الحرة ولا سيما بملاحظة ما ورد بينهما من فوارق في الأحكام والعديد من المجالات.وأما قضية نشر الفضيلة، فهي – في نظرهم - ليست سوى حكمة للحكم وليست علّة ليدور الحكم مدارها وجودا وعدما، ومما يعزز ذلك أنّ القضية مطروحة في الصلاة ولا علاقة لها بنظر الأجنبي، ولذا لو كانت الحرة في بيتها وحيدة وجب عليها أن تستر رأسه.، ولهؤلاء الفقهاء أن يقولوا إننا نلتزم بذلك بجواز كشف الأمة لرأسها في الصلاة فحسب، ودون أن يكون هناك ناظرٌ أجنبي، وإذا كانت بعض الروايات مطلقة وتدلّ على جواز كشفها رأسها حتى في غير الصلاة وحتى أمام الرجال الأجانب، فيمكن أن يُقيد اطلاقها بما جاء في رواية ابن بزيع سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن أمهات الأولاد لها أن تكشف رأسها بين يدي الرجال؟ قال: تقنع" . 
نعم، البحث يحتاج إلى مزيد من الدراسة لأن بعض الأخبار يظهر منها أن الجواز ليس منحصرا في الصلاة فحسب.

 
 
  مقالات >> أصول فقه
البعد التبليغي / التشريعي في شخصية النبي (ص) - 1
الشيخ حسين الخشن



المقام الأول: تصرفه بالتشريع العام

غير خافٍ أنّ البعد الأساس في شخصيّة الرسول هو البعد التبليغي التشريعي[1]، فإنّ من أولى مهام النبي (ع) أنّه رسول مكلّف بتبليغ شرع الله تعالى وبيان حدوده وتعاليمه التي يُوحَى بها إليه، سواء كانت أحكاماً تكليفيّة أم وضعية، أم بياناً لحقائق الدين ومفاهيمه وتعاليمه، وإنّ قوله تعالى: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر 7]، وكذا قوله سبحانه: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [ النجم 3] وغيرها من الآيات هي ناظرة أو شاملة لهذا البعد.  

أولاً: النبي (ص) ومهمة التشريع

ومهمة التشريع هذه ليست خاصة بالنبي الخاتم محمد (ص) بل يشترك معه فيها سائر الرسل من ذوي الشرائع السماوية، قال تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } [الشورى 13]. فهؤلاء الأنبياء (ع) قد كان لهم دور في تبليغ شرائع الله تعالى، أجل، إنّ ما هو حجّة علينا اليوم[2] هو ما جاء في شريعة النبي محمد (ص).

والحكمُ الصادر عن النبي (سلام الله عليه) بصفته رسولاً مبلغاً عن الله تعالى يسمى بالحكم الإلهي[3] أو التشريعي، أو القانوني[4]، وفي كلمات بعض الفقهاء (ومنهم الشهيد الأول) قد يعبّر عن هذا الحكم التصرف بالفتوى[5]، وفي مقابله يأتي الحكم القضائي والسلطاني وغيرهما، كما سيأتي.

والبعد التشريعي في شخصيّة المعصوم هو من جملةِ الموضوعات الدقيقة والمفصليّة والتي أرجح أنّها لا زالت - ورغم جهود علماء المسلمين على هذا الصعيد -  تحتاج إلى جهود بحثيّة تسلّط الضوء على العديد من الجوانب وتقدم معالجات ملائمة وإجابات كافية، وتجيب على كافة الشبهات والأسئلة المطروحة في هذا المقام، وإذا لم يتسن لنا تقديم دراسة مستوعبة وشاملة إزاء هذا البعد، فإننا نطرح بين يديْ الباحثين بعض العناوين والموضوعات الأساسية التي نرى أنّها - مع ما قيل فيها وطرح بشأنها - لا تزال بحاجة ماسة إلى مزيد من المدارسة بغية بلورة تصورات أكثر تماسكاً بشأنها[6]:

  1. هل للنبي (ص) حق التشريع؟[7]

ومن هذه العناوين الملحة: ما هو دور النبيّ (ص) في التشريع؟ هل هو مشرّع وقد أعطاه الله تعالى حقّ التشريع؟ أم أنه مجرد ناقل ومبلّغ لشرع الله، أما التشريع نفسه فبيد الله تعالى، فهو لا غيره المشرّع، ولم يعط هذا الحق لأحدٍ من عباده، بمن في ذلك الرسل والأنبياء (ع) ومنهم سيدنا محمد (ص)؟ فما يصدر عنه (ص) من تشريعات هو أحكام أُوحي إليه بها، ولو لم تكن نازلة في القرآن الكريم، ولو لم ينص (ص) على أنّها مما أوحي إليه به، لأنّ الوحي لا يختص بما نزل في القرآن بل يمتد إلى غيره.

غير خافٍ أنّ ثمّة نقطة اتفاق أساسيّة بين كافة المسلمين، محل إجماع وتسالم، ألا وهي أنّ التشريع بالأصالة وبالذات هو بيد الله تعالى، وهذا ما دلّت عليه محكمات القرآن الكريم[8]، والاعتقاد والإقرار أنّ بيده تعالى الحكم والتشريع، هو من مقتضيات الإيمان بالتوحيد[9]، وكما أنّ من حقه الله تعالى التشريع، فإنّ من حقّه أيضاً أن يفوّض أمر التشريع إلى بعض أوليائه الملهمين والمسددين الذين لا يتعدون إرادته، وعلى رأسهم الأنبياء (ع)، ولا سيما نبينا محمد (ص)، وإنّما الكلام فيما إذا كان هذا التفويض قد وقع أم لا.

  ويبدو أنّ ثمة خلافاً بين الأعلام في ذلك، فهناك منْ يقول إنّ الله تعالى لم يفوض إليه (ص) ذلك، أو لم يثبت أنّه مفوّض في ذلك، فهو (ص) ليس مشرعاً[10]، وإنّما هو مبلِّغٌ لما يوحى إليه من شرع الله تعالى، وكيف يكون مفوضاً في التشريع والحال، أنه (ص) كان كثيراً ما ينتظر الوحي لعدة أيام قبل أن يجيب على سؤال موجِّهٍ إليه أو يبتّ في قضية واجهته!

وفي المقابل، هناك رأي آخر يقول: إنّ الله لما أكمل نبيه (ص) فوّض إليه تشريعَ الأحكام، كما دلت عليه بعض الأخبار[11]، وفي بعضها أنه (ص) قد شرع بالفعل بعضها، ومنها: إضافة ما زاد على الركعتين في الصلوات اليوميّة[12]. ومنها سنُّه (ص) بعض النوافل أو تحريمه كل مسكر أو غير ذلك، كما دلت عليه معتبرة فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ لِبَعْضِ أَصْحَابِ قَيْسٍ الْمَاصِرِ: إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّه فَأَحْسَنَ أَدَبَه فَلَمَّا أَكْمَلَ لَه الأَدَبَ قَالَ: * ( إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْه أَمْرَ الدِّينِ والأُمَّةِ لِيَسُوسَ عِبَادَه، فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ : * ( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا ) * وإِنَّ رَسُولَ اللَّه ص كَانَ مُسَدَّداً مُوَفَّقاً مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ لَا يَزِلُّ ولَا يُخْطِئُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَسُوسُ بِه الْخَلْقَ فَتَأَدَّبَ بِآدَابِ اللَّه، ثُمَّ إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ فَأَضَافَ رَسُولُ اللَّه ص إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وإِلَى الْمَغْرِبِ رَكْعَةً فَصَارَتْ عَدِيلَ الْفَرِيضَةِ، لَا يَجُوزُ تَرْكُهُنَّ إِلَّا فِي سَفَرٍ، وأَفْرَدَ الرَّكْعَةَ فِي الْمَغْرِبِ فَتَرَكَهَا قَائِمَةً فِي السَّفَرِ والْحَضَرِ فَأَجَازَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ لَه ذَلِكَ كُلَّه فَصَارَتِ الْفَرِيضَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ سَنَّ رَسُولُ اللَّه (ص) النَّوَافِلَ أَرْبَعاً وثَلَاثِينَ رَكْعَةً مِثْلَيِ الْفَرِيضَةِ، فَأَجَازَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ لَه ذَلِكَ، والْفَرِيضَةُ والنَّافِلَةُ إِحْدَى وخَمْسُونَ رَكْعَةً مِنْهَا رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَتَمَةِ جَالِساً تُعَدُّ بِرَكْعَةٍ مَكَانَ الْوَتْرِ وفَرَضَ اللَّه فِي السَّنَةِ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ وسَنَّ رَسُولُ اللَّه ص صَوْمَ شَعْبَانَ وثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِثْلَيِ الْفَرِيضَةِ فَأَجَازَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ لَه ذَلِكَ. وحَرَّمَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ الْخَمْرَ بِعَيْنِهَا وحَرَّمَ رَسُولُ اللَّه ص الْمُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ فَأَجَازَ اللَّه لَه ذَلِكَ كُلَّه، وعَافَ رَسُولُ اللَّه ص أَشْيَاءَ وكَرِهَهَا ولَمْ يَنْه عَنْهَا نَهْيَ حَرَامٍ إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا نَهْيَ إِعَافَةٍ وكَرَاهَةٍ ثُمَّ رَخَّصَ فِيهَا فَصَارَ الأَخْذُ بِرُخَصِه، وَاجِباً عَلَى الْعِبَادِ كَوُجُوبِ مَا يَأْخُذُونَ بِنَهْيِه وعَزَائِمِه ولَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ص فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْه نَهْيَ حَرَامٍ ولَا فِيمَا أَمَرَ بِه أَمْرَ فَرْضٍ لَازِمٍ فَكَثِيرُ الْمُسْكِرِ مِنَ الأَشْرِبَةِ نَهَاهُمْ عَنْه نَهْيَ حَرَامٍ لَمْ يُرَخِّصْ فِيه لأَحَدٍ ولَمْ يُرَخِّصْ رَسُولُ اللَّه ص لأَحَدٍ تَقْصِيرَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ضَمَّهُمَا إِلَى مَا فَرَضَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ بَلْ أَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ إِلْزَاماً وَاجِباً لَمْ يُرَخِّصْ لأَحَدٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُسَافِرِ ولَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُرَخِّصَ شَيْئاً مَا لَمْ يُرَخِّصْه رَسُولُ اللَّه ص فَوَافَقَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّه ص أَمْرَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ ونَهْيُه نَهْيَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ ووَجَبَ عَلَى الْعِبَادِ التَّسْلِيمُ لَه كَالتَّسْلِيمِ لِلَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى"[13].

ولكنّ الإنصاف أنّ هذا الخبر وسواه لا دلالة فيه على المدعى من أنّ النبي (ص) قد فُوِّض إليه حق التشريع، ليأمر أو ينهى بما يراه صلاحاً، والوجه في ذلك أنّ المعتبرة المذكورة دلّت على أنّ الله تعالى قد أمضى وأجاز ما سنّه نبيّه (ص)، فيعود الحكم بعد إمضاء الله له تشريعاً إلهياً، ولو كان المراد بالتفويض إعطاءه حقّ التشريع لما احتاج الأمر إلى الإمضاء، وقد نبّه السيد الكلبيكاني على ما ذكرناه[14]. ومما يشهد لما نقول أنّه قد ورد في بعض الأخبار أنّ عبد المطلب سنّ خمس سنن في الجاهلية وقد أمضاها الله تعالى له في الإسلام[15]، ومعلوم أنّ عبد المطلب ليس له حق التشريع. ولو أن البعض أراد تسمية هذا المعنى المعطى لنبيه تشريعاً فلا مشاحة في الاصطلاح، لكن تجدر الإشاة إلى أن ذلك لم يثبت لغير النبي (ص).

وعليه، وبملاحظة ما تقدم، فلا بدّ من حمل سائر روايات التفويض على ما ذكرناه، وهو ما فعله العلامة المجلسي، فقد رأى أنّ تفويض الدين إليه (ص) يراد به هذا المعنى، أي أنّ ما فوض إليه (ص) هو مما ألهمه الله تعالى، ثم أجازه وأمضاه له بعد سنّه (ص) له، ولا يراد أنه تعالى: " فوض إلى النبي والأئمة عليهم السلام عموما أن يحلوا ما شاؤوا ويحرموا ما شاؤوا من غير وحي وإلهام أو يغيروا ما أوحى إليهم بآرائهم، وهذا باطل لا يقول به عاقل"[16].

وإن لم تقبل بعض روايات التفويض هذا الحمل فلا بدّ من حملها على محامل أخرى، ومنها ما ذكره بعض الفقهاء، قال: " وما ورد في الأخبار من التعبير بتفويض أمر الدين إلى النبي والأئمة عليهم السلام، فمعناه أنّهم حافظون لشؤون الدين وأمناء الله على حدود الله وحلاله و حرامه وأوامره ونواهيه ، وإلا فهو مخالفٌ لصريح قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } [النجم 3] "[17].

  1. ثمرة الاختلاف في أنّ له أو ليس له حق التشريع

ربما يقال: ما دام أنّ المسلمين متفقون على حجيّة قول النبي (ص)، فلا ثمرة عمليّة لهذا الاختلاف في كونه (ص) يمتلك حق التشريع ولو جزئياً أو لا يمتلك ذلك. فالخلاف بين القوم نظري، وليس له أثرٌ عملي كبير.

باختصار: حيث إنّ قوله (ص) وكذلك فعله وتقريره حجة على كل حال، أقلنا إنه يمتلك حقَّ التشريع أو لا يمتلكه، تكون الثمرة العمليّة لهذا الخلاف غير ذات أهميّة، وإنّما ثمرته علميّة ونظريّة بحتة، وذلك لأنّ ما يردُ عنه (ص) في هذا المقام هو حجة ويجب على المسلمين امتثاله سواء قلنا بأنّ له (ص) حقّ التشريع أو ليس له هذا الحقّ، وإنّما هو مبلّغ لما يوحى به إليه من الله، قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم 3].

ولكن ربما يجاب على ذلك: بأنّ الثمرة العمليّة لهذا الاختلاف موجودة ولو كانت جزئية، وذلك في موردين:

أولاً: ما قد يقال من أنّ ما صدر عن الله تعالى من تشريعات هي تشريعات تتسم بالدوام والثبات، على مرّ الزمان، بينما التشريعات التي تصدر عنه (ص) فهي قد تكون كذلك، وقد تكون أحكاماً تدبيريّة ظرفيّة، وسيأتي مزيد كلام ونقاش في هذه الثمرة.    

ثانياً: إنّه حتى لو كان ما يصدر عنه (ص) هو من سنخ التشريعات الثابتة على مرّ الزمان، بيد أنّها لا ترقى - على الدوام - في قوّتها التشريعيّة إلى مستوى ما صدر عن الله تعالى من تشريعات، وذلك لأنّه وفقاً لاصطلاح خاصٍ تضمنته بعض الروايات، فإنّ ما شرّعه الله تعالى في كتابه هو الفريضة، وأمّا ما أوجبه النبي (ص) فيصطلح عليه بالسنة، والأول، أي ما شرعه الله تعالى لا يؤدى بالشك والوهم، بخلاف ما سنه النبي (ص)[18].

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ما جاء من تشريع إلهي في الكتاب الكريم، له ميزته الخاصة، عما ورد من تشريع أو غيره على لسانه (ص) في أخبار الآحاد، ليس لجهة قوته (قوة التشريع القرآني) التشريعية فحسب، بل لجهة قوته الإثباتية أيضاً، بمعنى أنّه ثابت ثبوتاً قطعياً ولا يرد فيه احتمال الخطأ والتحريف بالنقيصة أو الزيادة، بخلاف ما ورد عنه (ص) في السنة، فإنه لو كان من أخبار الآحاد - كما هو الغالب - فهو مما لا يعلم صدوره صدوراً قطعياً، ما يعطي الكتاب حاكميّة عليه، بمعنى أنّ ما جاء في الخبر لا بدّ - على المختار - أن يكون متوافقاً ومنسجماً - ولو انسجاماً روحياً - مع ما جاء في القرآن الكريم ليؤخذ به، ويكون حجة، ولا أقل من أنّه - أي ما جاء في الخبر - يتعيّن طرحه في حال كان مخالفاً للقرآن، بناءً على رأي مشهور الفقهاء. 

  1. التشريع العام والتطبيقي

وثمة نقطة يجدر التنبيه ليها، وهي أنه يستفاد من بعض العلماء - كالقرافي وابن عاشور - تقسيم تصرفه (ص) بالتشريع إلى قسمين:

القسم الأول: تصرفه بالتبليغ، ودوره هنا بيان التشريع العام، والذي يعدّ من أكثر الوظائف التصاقاً به بصفته رسولاً (ص)، قال تعالى: { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ }[المائدة 99]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ }[المائدة 67]،

القسم الثاني: تصرفٌ بالفتيا، ودوره هنا هو بيان الحكم من خلال تطبيقه (ص) لقواعد التشريع العام وكلياته على مواردها[19].

وقد ذكرنا في التمهيد أنّ تطبيقه (ص) للقاعدة على مصاديقها أو للكبرى على صغرياتها هو حجّة، وفي قوة التشريع، لأنّه (ص) لا يجتهد في شرع الله تعالى[20] ولا يخطئ التطبيق، أجل، ثمّة ميزة لتطبيقاته (ص)، وهي أنّها تعدّ هاديةً للفقهاء في كيفيّة تطبيق الأصول على الفروع.

ثانياً: الإمام (ع) والتشريع

حول دور الأئمة من أهل البيت (ع) في التشريع يمكن طرح عدة أسئلة تباعاً:

السؤال الأول: هل لهم (ع) حقٌّ التشريع أم لا؟

السؤال الثاني: هل ما يصدر عنهم (ع) من أحكام مما لم يرد في كتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) هو أحكام شرعية أم أنه اجتهادات خاصة بهم؟

السؤال الثالث: إذا كان ما يصدر عنهم (ع) هو أحكام شرعيّة وليس اجتهادات خاصة تخضع للخطأ والصواب، كيف نوفق بين ما ورد عنهم من أحكام وبيانات تشريعيّة قد لا يكون لها وجود في القرآن الكريم ولا في سنّة النبي (ص)، وبين ما دلّ من القرآن الكريم وغيره على ختم النبوة بوفاة النبي (ص) وإكمال الدين به (ص)؟

  1. ليسوا مجتهدين ولا مشرعين

 إنّ هذه الأسئلة مهمة وملحة، وأخال أنّها لم تنلْ حقّها من البحث التحقيقي، ولن يسعنا في هذه الدراسة إيفاؤها حقها من البحث، وإنما نتعرض لها بشكل مختصر ونطرح بعض الأفكار في هذا المقام على أمل التوفيق للتوسع في بحثها في مناسبة أخرى.

أما السؤال الأول، فقد اتضحت الإجابة عليه من الفقرة السابقة، فإنه إذا لم يثبت للنبي (ص) نفسه حق التشريع - باستثناء ما تمّت الإشارة إليه من تفويض يعقبه الإمضاء الإلهي - فبالأولى أن لا يكون للأئمة (ع) حق التشريع، وما ورد في بعض أخبار التفويض من أنّ أمر الدين مفوض إليهم (ع) كما إلى النبي (ص)، فلا يراد به أن لهم أن يحللوا أو يحرموا، وإنما المقصود أنهم يبينون الحلال والحرام كما ذكر العلامة المجلسي[21]، وذلك من خلال علمهم المورث عن رسول الله (ص).

وأما السؤال الثاني، فالإجابة عليه، واضحة، فالشيعة متفقون على حجيّة قول الإمام المعصوم، وأنّه يمثّل الحقيقة الواقعيّة، وأنه لا يُخطئ في بيانها، لأنه ليس مجتهدًا، وإنما ينهل من عين صافية تستقي من الوحي ولو بالواسطة، وقد ثبت ذلك - أعني حجيّة قولهم ومرجعيتهم العلمية بعد رسول الله (ص) - استناداً إلى الأدلة القطعيّة[22]، وبالتالي فنحن ملزمون باتباعهم والأخذ بقولهم على كل حال ولا يجوز الرد عليهم.

وتعقيباً على السؤالين المذكورين نقول بكل تأكيد وحسم: إنّ الأئمة من أهل البيت (ع) هم تبعٌ لشريعة جدهم المصطفى (ص)[23]، وليس لديهم شرع آخر لم يبعث به (ص) ولا لهم صلاحية نسخ أو إلغاء شريعته الغراء، وهذا ينبغي أن يكون من البديهيات، وما ورد عنهم من أحكام، فهو مما تلقوه - بطريقة أو بأخرى - عنه (ص)، كما تنصّ على ذلك الأخبار الصحيحة والكثيرة الواردة عنهم: من قبيل الحديث الصحيح الذي رواه الكليني عن عَلِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ قُتَيْبَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَه فِيهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: أرَأَيْتَ إِنْ كَانَ كَذَا وكَذَا مَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهَا؟ فَقَالَ لَه: مَه، مَا أَجَبْتُكَ فِيه مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ عَنْ رَسُولِ اللَّه (ص)، لَسْنَا مِنْ أرَأَيْتَ فِي شَيْءٍ"[24].

 وفي حديث آخر، رواه الكليني بسنده عن الإمام جعفر الصادق (ع): "حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي، وحَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي، وحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الْحُسَيْنِ، وحَدِيثُ الْحُسَيْنِ حَدِيثُ الْحَسَنِ، وحَدِيثُ الْحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع)، وحَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّه (ص)، وحَدِيثُ رَسُولِ اللَّه قَوْلُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ"[25]. والخبر ضعيف السند بسهل بن زياد.

 وروى الشيخ المفيد في الأمالي، قال أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد القمي رحمه الله قال: حدثنا سعد بن عبد الله[26]، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدثني هارون بن مسلم ، عن علي بن أسباط ، عن سيف بن عميرة ، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام : إذا حدثتني بحديث فأسندُه لي؟ فقال: حدثني أبي ، عن جدي ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عن جبرئيل عليه السلام ، عن الله عز وجل ، وكل ما أحدثك بهذا الإسناد. وقال: يا جابر لحديثٌ واحدٌ تأخذه عن صادقٍ خيرٌ لك من الدنيا وما فيها"[27]

إلى غير ذلك من الأخبار المروية في هذا الباب والتي تحمل المضمون المذكور.

  1. كيف نوفق بين حجية قولهم (ع) وبين إكمال الدين برسول الله (ص)؟!

بيد أنّ هذا القدر من البيان والمتمثل بحقيقةِ تبعيتهم لشريعة النبي (ص) لا يجيب على السؤال الثالث، ولا ينهي الكلام، لأنّه وبصرف النظر عن طريقة تلقيهم لعلومهم ومعارفهم، ولا سيما ما يتصل منها بالشريعة الإسلامية، فكيف نفسر أنّ ما ورد عنهم من أحكام لا نجد لكثيرٍ منه أصلاً في القرآن الكريم ولا في سنّة جدهم المصطفى (ص) بحسب ما وصلنا من كتب السيرة والأحاديث، مع أنّ الدين قد أكمل قبيل وفاته (ص)؟

قد يقال: ما دام أنّ الشيعة متفقون على حجيّة قول الإمام المعصوم، وأنّه يمثّل الحقيقة الواقعيّة، وأنه لا يُخطئ في بيانها، لأنه ليس مجتهدًا، فلا حاجة للإجابة على السؤال الثالث، الذي يطرح إشكالية حول خلو القرآن وسنة النبي (ص) من كثير من الأحكام الواردة في روايات الأئمة (ع). 

وتعليقنا على ذلك: إنّ الإجابة على هذه الإشكاليّة مهمّة، لأنّ العجز عن إيجاد تصور معقول ومقبول حول هذه الإشكالية قد يدفع إلى تقديم تفسير أو تصور آخر لمرجعيتهم العلميّة لا ينسجم مع التسالم المذكور حول كونهم يمتلكون موقعاً خاصاً في بيان أحكام الشريعة الواقعية.

ومن هنا نحتاج إلى إجابة مقنعة على السؤال المذكور، وفي الإجابة عليه يوجد اتجاهان مطروحان في كلمات أعلام الإمامية:

الاتجاه الأول: ينطلق أصحابه من الإقرار بأنّ ثمة أحكاماً ومفاهيم قد صدرت عنهم (ع) مع كونها لم ترد في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي (ص) المروية عنه، وبناءً عليه، ففي تفسير هذه الظاهرة وهي الجمع بين وجود هذه الأحكام الصادرة عنهم ولم يعرف وجودها في سنة جدهم (ص)، وبين الحقيقة المسلمة عند جميع المسلمين وهي أنّ الدين - عقيدة وشريعة - قد أُكمل على يديْ رسول الله (ص) وقبل وفاته، كما يدل عليه العديد من النصوص[28]، في الجمع بين هذا وذاك تطرح بعض النظريات، من أبرزها النظريتان التاليتان: 

النظرية الأولى: إنّ إكمال الدين إنما يُراد به إكمالُه في مبادئه العامة، دون التفاصيل التشريعية، ومن هذه المبادئ: جعلُ الإمامة لأهل البيت (ع)، وجعل الحجية لقولهم، وجعل بعض الأحكام مخزونة لديهم، وهي التي لم يبيّنها النبي (ص) لسبب أو لآخر. فجعل هذا الحق أو المقام لهم هو مما قد تمّ به الدين وكمُل، فلا يكون إعمالهم لهذا الحق منافيًا لإكمال الدين. وقولهم المتقدم: "حديثي حديث أبي .." - لو صح - يمكن الاستشهاد بها لهذه النظرية.

ولكن قد يقال: إنّ تماميّة هذه النظريّة رهنُ مساعدة أدلة إكمال الدين عليها، والحال أنه قد يقال: إنّ تلك الأدلة ظاهرة بقيامه (ص) بإبلاغ الشريعة بقواعدها وتفاصيلها، بأصولها وفروعها. فقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة 3]، ظاهر في الإكمال التام للدين، وليس الإكمال المتحقق بجعل مرجعية تشريعية أخرى تتم ما لم يبينه النبي (ص)، وأوضح منه في الدلالة على اكتمال بيان الشريعة بقواعدها وفروعها في زمان النبي (ص) قوله (ص): " مَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ويُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِه، ومَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ويُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْه..". هذه من جهة ومن جهة أخرى، فإنّ هذه النظرية تعني أنّ الأئمة (ع) قد أوكل إليهم أمر التفاصيل والفروع فحسب، دون بيان المبادئ الكلية، مع أنّ علماء الكلام والفقهاء الشيعة فيما يبدو لا يقبلون بذلك، فهم يؤمنون بحجيّة كل ما صدر عنهم ولو كان مصنفاً في عداد المبادئ والقواعد العامة.  

النظريّة الثانية: أن يُقال إنّ الحكم الشرعي له أكثر من مرتبة[29]، وعمدتها مرتبتان: وهما: مرتبة الجعل والإنشاء وهو التشريع من قبل الله تعالى، وهناك مرتبة الفعلية، وهي مرحلة إبلاغه إلى الناس؛ والأحكام التي وردت عن الأئمة (ع) هي كسائر أحكام الشريعة قد كان لها حظٌ من الوجود في زمن النبي (ص)، ولكنْ بعضها انتقلت في زمنه (ص) من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة الفعليّة، وهي الأحكام التي بيّنها النبي (ص) وصدرت على لسانه، وبلّغها للأمة، وبعضها الآخر خرج في زمانه (ص) إلى مستوى مرحلة الإنشاء والتقنين، دون مرحلة الفعلية، فأودعت تلك الأحكام عند الأئمة (ع) ليظهروها في الوقت المناسب، فما جرى بعد ذلك على يد الإمام (ع) أنه قد أماط اللثام عنها وأظهرها للناس[30]. فشرع الله تعالى تمّ إبرامُه بشكل أو بآخر قبيل وفاة النبي (ص) ولم يرحل عن هذه الدنيا إلا وقد تم الشرع الحنيف، لكنْ أُخِّر البيانُ والتبليغُ بلحاظ بعض الأحكام لمصلحة معينة، كمصلحة التدرّج في البيان وعدم تحمّل الأمة لمثل هذا الحكم لثقلِه على النفوس أو لغير ذلك. وهذا ما طرحه بعض الفقهاء، تبريراً لتأخر ذكرِ خُمسِ أرباح المكاسب إلى زمن الأئمة المتأخرين[31]. وهكذا يغدو واضحًا أنّ الحاجة ماسة لوجود شخص معصوم، ليتم إيداع هذا الحكم الاقتضائي لديه، ليبيّنه للناس بعد ذلك عندما يأتي وقت حاجته، فهذه المسؤولية لا تُناط بيد أشخاص لا يمتلكون العصمة لأنّها تتصل ببيان أحكام الشريعة ولو بالمستوى المذكور، وهذا قد يؤشر إليه ما ورد من أنّ النبي (ص) قد علّم الإمام علي (ع) ألفَ باب من العلم ينفتح له من كل باب ألف باب[32].

وقد يعترض على ما طُرح في هذه النظرية بأنه لا ينسجم مع ظاهر ما دل على أن مهمة بيان الشريعة برمتها هي من وظائف النبي (ص)، من قبيل قوله تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم } [النحل 44]، بل قد يقال: إنه لا ينسجم أيضاً مع ما دلّ على ختم الشريعة وإتمام الدين في زمانه، فإنه ظاهر في إكمالها بإيصالها للناس وإبلاغها للأمة، وليس بإيداعها أو بعضها عند الأئمة من أهل البيت (ع)، لتظهر بعد مرور قرن أو ينقص أو يزيد على وفاة المبعوث بالشريعة، وقد أشار إلى هذا الاعتراض بعض الفقهاء[33].

الاتجاه الثاني: وهو اتجاه ينكر ما افترضه السؤال من أنّ الأئمة (ع) قد جاءوا بأحكام لم ترد في السنة، ويؤكد - هذا الاتجاه - أنّ الشريعة قد تمّ تبليغها بأجمعها - بأصولها وفروعها - في زمنه (ص) ولم يغادر الدنيا حتى أكمل بيان الشريعة كاملة، وعليه، فما صدر عنهم (ع) وتفردوا به من أحكام، مما لم يرد في الروايات مروياً عنه (ص) ولم نجده في كتب الحديث أو غيرها منسوباً إليه، ليس شيئاً جديداً لم يقله النبي (ص) أو لم يفعله أو لم يقرّه، بل هو مما قاله (ص) أو فعله أو أقرّه وأمضاه. والأئمة (ع) كانوا - باستمرار - يجعلون أنفسهم تبعاً للكتاب والسنة، بل صرحوا بهذه التبعيّة[34]، وقد أعطوا معياراً في تمييز الأحاديث المروية عنهم ومعرفة ما هو صادرٌ حقاً مما هو مكذوب عليهم، والمعيار هو عرضها على الكتاب والسنة، والأخذ بما وافقهما وطرح ما خالفهما. إنّ هذا في الوقت الذي يعدّ معياراً لتحديد الصادر عنهم من غيره، فهو يعبّر - أيضاً - عن انقيادهم لما جاء في الكتاب وثابت السنة.

ولكنّ السؤال هنا كيف وصلت هذه الأحكام إليهم دون سواهم؟ وكيف انفردوا بنقلها دون سواهم ما دام أن تبليغ الأحكام قد تمّ في عهده (ص)؟

يمكن أن يُجاب على ذلك بأنّ ما تفردوا بنقلِه من أحكام هو مما ضاع من تراثه (ص)، بسبب عدم عناية الصحابة بكتابة كلامه (ص)، وحفظ أحاديثه، كما يظهر من كلام بعضهم[35]، ناهيك عن دور المنع من تدوين الحديث[36] لفترة طويلة في ضياع تراثه (ص)، بينما حرص الأئمة (ع) على العناية بهذا التراث حرصاً شديداً وبالغاً، بدءً من الإمام علي (ع) وكذا السيدة الزهراء (ع)[37]، وقد اختصوا (ع) بعلوم ومعارف قلّ أن يوجد لها نظير عند غيرهم. وإنّ قربُ[38] علي (ع) من رسول الله (ص) وتلمذه على يديه ومناجاته المستمرة له، معروفة ومشهورة، حتى أنّه (ع) باع درعه وتصدّق بثمنه ليتسنى له الخلوة برسول الله (ص) والاستماع إلى حديثه بعد أن نزلت آية النهي عن مناجاة الرسول (ص) إلا إذا دفع المناجي صدقة، وهو الأمر الذي لم يفعله غيره، فكان (ع) الوحيد الذي عمل بهذه الآية قبل أن تنسخ[39]، كما أنّ أخذه العلم من رسول الله (ص)، ليس موضع تشكيك من أحد، وقد كان لدى بعض الأئمة (ع) - كما تذكر بعض الأخبار - كتاباً بخط علي وإملاء رسول الله (ص)[40]، ولذا كان من الطبيعي أن يشكل (ع) مرجعيّة علميّة للأمة بعد وفاته (ص)، قال بعض الأعلام: " إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنْ بلَّغ جميع الأحكام الكليّة على الأمة، لكنْ لما لم يكن دواعي الحفظ في صدر الشريعة وأول بدء الإسلام قوية لم يضبط جميعها بخصوصياتها إلا من هو بطانته وأهل بيته، ولم يكن في الأمة من هو أشد اهتماماً وأقوى ضبطاً من أمير المؤمنين عليه السّلام فهو لشدة اهتمامه ضبط جميع الأحكام وتمام خصوصيات الكتاب الإلهي تفسيرها وتأويلها وما كانت دخيلة في فهم آيات الكتاب وضوابط السنن النبوية ، ولعلّ القرآن الَّذي جمعه (ع) وأراد تبليغه على الناس بعد رسول الله هو القرآن الكريم مع جميع الخصوصيات الدخيلة في فهمه المضبوطة عنده بتعليم رسول الله. وبالجملة إنّ رسول الله وإنْ بلّغ الأحكام حتى أرش الخدش على الأمة، لكن من لم يفت منه شيء من الأحكام وضبط جميعها كتابا وسنة هو أمير المؤمنين عليه السّلام في حين فات من القوم كثير منها لقلة اهتمامهم بذلك ويدل على ما ذكر بعض الروايات"[41].

 وترجيح هذا الاتجاه مبني على أنّ ما دلّ على إبلاغ الشريعة بتمامها وإكمال بيانها في زمانه (ص)، ظاهر في الإبلاغ الفعلي وليس الشأني، والتفصيلي وليس الإجمالي، وهذا لا ينسجم مع الاتجاه الأول، الذي لم يقدم طرحاً متماسكاً وخالياً من الإشكال، وعليه فيتعين الأخذ بالاتجاه الثاني.

ويؤيد ذلك - بالإضافة إلى ما تقدم - ما ورد عن الأئمة (ع) في الأخبار المستفيضة، والتي هي بلسان: "لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وآله، فإنّا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله"[42]، فهذا الخبر يدلّ على أنّهم (ع) لم يقولوا شيئاً لم يردْ فعلاً في كتاب الله تعالى أو في سُنّة نبيه (ص)، بل كل ما ورد عنهم هو مما قاله أو أقرّه جدهم المصطفى (ص).

وطبيعي أنّ هذا الاتجاه يحفظ للأئمة من أهل البيت (ع) مكانتهم ومرجعيتهم العلميّة، والتي تجعلهم أعلى وأرفع من أن يكونوا مجرد فقهاء ومجتهدين، بل حججٌ لله تعالى على العباد، وأمناء على بيان حقائق الدين التي تعرضت للتشويه أو التعتيم، وبذلك يكونون عدلاء القرآن الكريم، كما نصّ عليه حديث الثقلين ويكون التمسك بهم عاصماً من الضلالة.

قد يقال: إنّ دعوى كون كلّ ما ذكر في كلامهم (ع) وروي عنهم هو مما قاله رسول الله (ص) بيد أنّه ضاع بصورة أو بأخرى واختص أهل بيته (ع) بحفظه ومعرفته، غير تامة، ولا يبعد القول: إنّ المتأمل في الأخبار التي تحكي ما صدر عنهم (ص) وما صدر عن جدهم رسول الله (ص) يحصل له العلم الإجمالي وربما التفصيلي في بعض الحالات بصدور شيء عنهم لم يرد في سنّة النبي (ص) ولم يتحدث عنه، وبالتالي فلا نستطيع ردّه لكونه مما لم يرد عنه (ص)، وذلك لأننا مأمورون باتباعهم، والأخذ بما ورد عنهم (ع) مما هو منسجم في الروح مع المبادئ العامة التي جاءت في الكتاب والسنة النبوية.

ويمكن أن يجاب:

أولاً: إنّ الكثير من سنته وتعاليم دينه (ص) قد ضاع - كما قلنا - في خضمِّ مساعي منع التدوين، وانتشار حالة الكذب على رسول الله (ص) وبثّ الإسرائيليات في أوساط المسلمين، الأمر الذي خلق إرباكاً وتشويشاً وضياعاً للسنة الصحيحة، وهنا يبرز دور الأئمة (ع) في بيان ما ضاع من السنة، وغربلة صحيحها من سقيمها.

ثانياً: إنّ ما صدر عنهم ليس بالضرورة أن يكون هو بيان عين ما صدر عن النبي (ص) أو قاله بالنص، بل قد يكون قاله بالروح، أو كان فيه إجمال من بعض الجهات، ومهمة الإمام (ع) في هذه الحالة رفع الإجمال، وتحديد مرامي كلامه (ص) ومغازيه، وبيان جهة الصدور، وأنّ كلامه (ص) صادر على نحو التشريع أو على نحو التدبير، أو غير ذلك مما يجعل الرجوع إليهم ضرورياً في معرفة الكتاب والسنة[43]، كما سيأتي ذكر نماذج تثبت اضطلاعهم (ع) بذلك.

نكتفي بهذا القدر من البيان حول علاقة الأئمة (ع) بالتشريع، تاركين التفصيل في بحث هذا الموضوع إلى مجال آخر.

ثالثاً: ماذا عن الفراغ التشريعي الواقعي؟

ومن الأسئلة الملحة في هذا المقام، أنّ الأحكام الشرعيّة الصادرة عنه (ص): هل هي شاملة ومستوعبة لكل الموضوعات، بحيث إنه ما من واقعة وما من قضيّة وما من موضوع إلا وله في الشريعة حكم، أم أنّ الأمر ليس كذلك؟

المعروف عند الفقهاء، وعليه بنوا المنظومة الفقهية التي بين أيدينا، أنّ الشريعة شاملة لكل ذلك وأنه ليس ثمة فراغ تشريعي واقعي[44]، ويستندون في ذلك إلى جملة من الأدلة والشواهد، منها ما ورد في الحديث المعروف "ما من واقعة إلا ولها في الإسلام حكم حتى أرش الخدش"، ومنها السيرة العملية للنبي (ص) والأئمة من أهل بيته (ع)، فإنّهم كانوا يُقدمون إجابات على كل ما يُسألون عنه من قضايا الحياة فضلا عن شؤون الدين، ومنها الارتكاز المتشرعي، فقد كان المتشرعة من أتباعهم (ع) يُراجعونهم في هذا الشأن مراجعة من يعتقد أنّ الشريعة لديها جواب عن كل مسألة من المسائل، إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة.

وأعتقد أنّ البحث في صحة هذه الدعوى حول عموميّة الشريعة بأحكامها لكل الوقائع هو بحث مشروع وقد يكون ضروريًا وليس مقفلاً على التفكير. وبالإمكان أن يتبنى الفقيه أو الباحث رأيًا مُغايرًا للمشهور ومفاده التفصيل بين مجموعة من الحقول التي وردت فيها النصوص عن صاحب الشريعة، ففي حقل العباديّات وما هو قريب منها فإن التشريع قد ملأ هذه الدائرة وتمت تغطيتها بأحكام شرعية وأما في القضايا النظاميّة على سبيل المثال (ما يتصل بقضايا التنظيم المدُني بشكلٍ عام) فهذه الدائرة يُمكن القول إنّ الشريعة لم تملأها بأحكامٍ تشريعية نهائية، وإنما صدرت فيها مجموعة من التوجيهات والتدبيرات من النبي (ص) أو الأئمة (ع)، وهذه التدبيرات صدرت عنه (ص) بصفته القيادية الحكومية لا بصفته مُبلّغا لشرع الله. وليس ثمة ما يمنع أن نقول: إنّ ما يصدُر عنه في هذه الدائرة من أحكام تدبيرية هو ليس أحكامًا صادرة في طول الأحكام التشريعيّة كما يفترض الفقهاء والأصوليون، حيث إنّهم يرون أن الأحكام التدبيرية تصدر في منطقة مملوءة مسبقًا بأحكام تشريعية، سواء كانت أحكامًا ترخيصيّة غير إلزاميّة، أو كانت إلزامية ورأى الحاكم مصلحةً أهم منها وتستدعي تغييرها، وسيأتي مزيد بيان لذلك في المحور الثاني.

وإذا تمّ تبني هذه النظرية وتمّ إقامة الدليل عليها، فلن يعجزنا تفسير ما صدر عن النبي (ص) والأئمة (ع) من بيان كل ما كانوا يُسألون عنه، فإنّ تصديهم لذلك لا ينحصر بصفتهم التشريعية، ربما كان بصفتهم التدبيرية أو بصفتهم الخبروية، ويكون مبنيًا على وجود فراغ تشريعي حقيقي في هذه الدائرة.

ومما يؤيّد هذه النظرية ما جاء في حديث أبي الدرداء عن رسول الله (ص): "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: وما كان ربك نسياً"[45]، وعن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهليّة يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً، فبعث الله تعالى نبيه ، وأنزل كتابه ، وأحلّ حلاله ، وحرّم حرامه ، فما أحل فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً } إلى آخر الآية" (الأنعام 145) [46].

وهذا المعنى مروي في مصادر الشيعة، فقد روى الصدوق: " وخطب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الناس فقال : " إنّ الله تبارك وتعالى حدّ حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقصوها ، وسكت عن أشياء ، لم يسكت عنها نسياناً لها فلا تكلفوها ، رحمةً من الله لكم فاقبلوها.."[47].

فإنّ الحديث - لو تمّ سنداً وأمكن الوثوق به - يشكل دليلاً على وجود فراغ تشريعي حقيقي لم يملأه الشارع بأي حكم تحليلاً وتحريماً، لأنه يتحدث عن سكوت الله عن حكم بعض الأشياء، والسكوت يعني عدم وجود حكم في الواقعة.

وأعاود التأكيد على أنّ هذه المسألة وما سبقها بحاجة إلى بذل مزيد من البحث والمدارسة، وإننا إذ نطرح هنا فبهدف فتح باب النقاش فيها.
 

رابعاً: تمدد البعد التشريعي على حساب غيره

وثمّة ملاحظة يجدر بنا التنبيه عليها، وهي أنّ البعد التشريعي في شخصيّة النبي (ص) قد احتلّ مساحةً أكبر من حجمه الواقعي، فتمدد في كلمات الفقهاء على حساب الأبعاد الأخرى الآتية، وعلى رأسها البعد التدبيري الذي تمّ إغفاله في كتاباتهم وكلماتهم إلى حد كبير، بل ربما لم يُلتفت إليه في كلمات البعض، ليصار إلى قراءة معظم الأقوال أو الأفعال الصادرة عن النبي (ص) أو الإمام (ع) باعتبارها تمثّل أحكاماً تشريعية دائميّة تتسم بالإطلاق الأزماني، وهذا الأمر قد كان له انعكاس كبير على الفقه الإسلامي، وأثر سلباً على الحيوية الاجتهادية بشكل ملحوظ لدى كافة المذاهب الإسلامية.

من كتاب: أبعاد الشخصية النبوية (دراسة أصولية في تصرفات الرسول صلى الله عليه وآله التشريعية والتدبيرية والخبروية والبشرية)


[1] وهذا سبب تقديم الحديث عن هذا البعد في هذه الدراسة، بالإضافة إلى أنّ الأبعاد الأخرى الآتية سوف ينصب البحث فيها على تمايزها عن البعد التشريعي، الأمر الذي يحتم أن يكون هذا البعد مفروغاً عنه في البحث، وما سنذكره في المقام الأول من هذا المحور هو بمثابة التوطئة لما سيأتي في المقام الثاني، كما لسائر محاور الكتاب، ومن هنا فنحن لم نشبع ما جاء فيه ( المقام الأول) بحثاً وتحقيقاً، فتنبه لذلك.

[2] وقد وقع الكلام في حجية شرع من قبلنا، في حال لم يكن مما نسخته الشريعة الإسلامية، راجع كتب الأصول، حول ذلك.

[3] مباحث الأصول، ج 4، ص 589.

[4] الرافد في علم الأصول، ص 27.

[5][5] القواعد والفوائد، ج 1، ص 216، ولم يفرِّق بين التبليغ والفتوى، بل اعتبر أن الفتوى هي التصرف بالتليغ، قال: " تصرف النبي صلى الله عليه وآله ( تارة ) بالتبليغ ، وهو الفتوى"، القواعد والفوائد، ج 1، ص 214.

[6] وما سوف أسجله هنا هو وقفات عامة، لتقديم بعض الأفكار، بغرض إلفات النظر إلى أهميّة هذا الموضوع، ما قد يشكل حافزاً على انطلاق عجلة البحث فيها، على أمل أن نوفق للعودة إلى المساهمة في هذا الموضوع في مناسبة أخرى.

[7] استخدم بعض الفقهاء مصطلح الولاية التشريعية، وادعوا أنّ ثبوت هذه الولاية له (ص) وللأئمة (ع) هو من البديهيات، لكنهم عرفوا الولاية التشريعية بثبوت حق الطاعة لهم فيما يأمرون به، قال النائيني: " الولاية التشريعية الإلهية الثابتة لهم من الله سبحانه وتعالى في عالم التشريع بمعنى وجوب اتباعهم في كل شيء وأنهم أولى بالناس شرعا في كل شئ من أنفسهم وأموالهم "،كتاب المكاسب والبيع، ج 2، ص 332،  ونحوه ما ذكره فقهاء آخرون، انظر: مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، ج 10، ص 370، ومصباح الفقاهة، ج 3، 280، وهذا الاصطلاح أو التفسير للولاية التشريعية ليس محل نقاش ولا اعتراض من أحد.

[8] قال تعالى: { ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }[]، وقال سبحانه: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَئ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }[]، وقال عز وجل: { قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالا قل أألله أذن لكم أم على الله تفترون وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون }[].

[9] يقول الشيخ الصافي: "ليس لغير اللّه تعالى - على أساس الإيمان بالتوحيد وبصفات اللّه الكمالية التي هو سبحانه متفرد بها  - صلاحية التشريع والحكم ، والولاية على غيره ، بل وعلى نفسه . فالنظام المؤمن باللّه تعالى لا يعدل عن أحكام اللّه تعالى ، ولا يرى لشعبه ولا لقيادته حق التشريع ، ولا يتخذ حاكماً وولياً من دون اللّه ، بل يقدس اللّه وينزهه عن أن يكون له شريك في الحاكمية والمشرَّعية"، مجموعة الرسائل، ج 1، ص 173، ويقول الشيخ السبحاني في بيان الشعبة السادسة من شعب التوحيد: "التوحيد في التقنين والتشريع : إنه لا مقنن ولا مشرع إلا هو ، وليس لأحد حق التشريع"، رسائل ومقالات ص 17، ويقول الشيخ الريشهري في بيان مراتب التوحيد: " المرتبة الرّابعة : التّوحيد في الحكم: التَّوحيد في الحكم عبارة عن توحيده تعالى في تشريع الأَحكام وتقنينها . ويرى القرآن الكريم أَنّ لله سبحانه وحده حقّ التشريع ووضع القوانين والأَمر بتطبيقها ، ويَعدُّ اتّباع كلّ قانون لحياة الانسان الفرديّة والاجتماعيّة ما عدا قانون الله شركاً"، موسوعة العقائد الإسلامية، ج 3، ص 407، وراجع: تفسير الكاشف، ج 4، ص 316، وتفسير الأمثل، ج 6، ص 390،

[10] يقول السيد الكلبيكاني متحدثاً عن أقسام التفويض: " ومنها: القول بتفويض التكاليف إلى النبي بمعنى أنّه لا يحتاج في التشريع إلى الوحي لأن الله تعالى جعل أمر التشريع بيده وفوضه إليه فكلما جعله فهو حكم يجب اتباعه ولا يجوز التخلف عنه. ومنها: القول بتفويضها إلى علي عليه السلام أو إليه وإلى الأئمة المعصومين كل في زمانه ، فهم غير محتاجين بعد ذلك إلى الله في التكاليف و الأحكام ، إلى غير ذلك من المقالات الفاسدة والمذاهب الباطلة. وكل هذه الأقسام أيضا باطل مخالف للشرع، لأنّ الأئمة عليهم السلام لا يقولون إلا ما قاله النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وهو لا يقول إلا ما أمره الله تعالى به قال الله تعالى :{ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}[]، وأما قوله تعالى : { ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا} []، فليس المراد منه مجيء الرسول بشيء من عند نفسه وبدون أخذه من الله، بل المراد منه وجوب أخذ ما جاء به الرسول المعلوم أنه من الله سبحانه فكل ما جاء وأتى به النبي والأئمة من عترته صلوات الله عليهم أجمعين فهو مأخوذ من الله وإن لم يذكر في القرآن تفصيلا . وعلى الجملة، فالنبي واسطة في الرسالة لا جاعل الأحكام والتكاليف ومقنن للقوانين"، نتائج الأفكار في نجاسة الكفار، ص 223، ويقول الشيخ السبحاني: " ليس لإنسان - حتى الرسول - حقّ التسنين والتشريع ، وإنّما هو صلى الله عليه وآله وسلَّم مبلغ عن الله سبحانه. إنّ الوحي يحمل التشريع إلى النبي الأكرم وهو صلى الله عليه وآله وسلَّم الموحى إليه وبموته انقطع الوحي وسدّ باب التشريع والتسنين ، فليس للأمة إلَّا الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة ، لا التشريع ولا التسنين ، ومن رأى أنّ لغير الله سبحانه حقّ التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي"، الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف، ج 1، ص 413.

[11] عقد الكليني باباً خاصاً في الكافي، يحمل عنوان " بَابُ التَّفْوِيضِ إِلَى رَسُولِ اللَّه ص وإِلَى الأَئِمَّةِ ع فِي أَمْرِ الدِّينِ"، وأورد فيه عشرة أخبار، والظاهر أنّ بعض أخبار الباب لا ربط لها بتفويض أمر التشريع إليه، وفي دلالة بعضها الآخر على ذلك كلام، ودلالة بعضها جيدة كما سنذكر في هامش لاحق.

[12]  في صحيحة زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: كَانَ الَّذِي فَرَضَ اللَّه عَلَى الْعِبَادِ مِنَ الصَّلَاةِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وفِيهِنَّ الْقِرَاءَةُ ولَيْسَ فِيهِنَّ وَهْمٌ، يَعْنِي سَهْواً، فَزَادَ رَسُولُ اللَّه (ص) سَبْعاً وفِيهِنَّ الْوَهْمُ، ولَيْسَ فِيهِنَّ قِرَاءَةٌ"، الكافي، ج 3، ص 272.

[13] الكافي، ج 1، ص 267.

[14] قال رحمه الله: "إن هذه الإضافة كانت بعد استدعائه من الله تعالى وقبوله سبحانه لذلك وليس ضم شئ بعد استدعاء ضمه من الله وقبوله وإمضائه ، من باب جعل الأحكام وتشريعه من عند نفسه ، وكون الأمر مفوضا إليه ، ولو كانت هذه الإضافة من قبل التفويض الواقعي لما احتاجت إلى إمضاء الله تعالى وإنفاذه ، والحال أنه نص في بعض الروايات على إجازة الله لذلك"، نتائج الأفكار في نجاسة الكفار، ص 224.

[15] روى الصدوق قال: حدثنا أحمد بن الحسين القطان قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي قال : حدثنا علي بن الحسين بن علي بن الفضال عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام ".. فكانت لعبد المطلب خمس من السنين أجراها الله عز وجل في الاسلام حرم نساء الاباء على الأبناء وسن الدية في القتل مأة من الإبل وكان يطوف بالبيت سبعه أشواط ووجد كنزا فاخرج منه الخمس وسمى زمزم حين حفرها سقاية الحاج"، عيون أخبار الرضا (ع)، ج ج 1، ص 190، قال الصدوق: حدثنا محمد بن علي بن الشاه قال : حدثنا أبو حامد قال : حدثنا أبو يزيد قال : حدثنا محمد بن أحمد بن صالح التميمي، عن أبيه قال : حدثنا أنس بن محمد أبو مالك ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصيته له : يا علي إن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجارها الله له في الاسلام ، حرم نساء الآباء على الأبناء فأنزل الله عز وجل: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء}[]، ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدق به ، فأنزل الله عز وجل : { واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه..} الآية، ولما حفر زمزم سماها سقاية الحاج، فأنزل الله { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} الآية " وسن في القتل مائة من الإبل فأجرى الله عز وجل ذلك في الاسلام ، ولم يكن للطواف عدد عند قريش فسن فيهم عبد المطلب سبعة أشواط ، فأجرى الله ذلك في الاسلام . يا علي إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام ، ولا يعبد الأصنام ، ولا يأكل ما ذبح على النصب ، ويقول : أنا على دين أبي إبراهيم عليه السلام" الخصال، ص 313، ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 365.

[16] فقد قال إن أخبار التفويض: "تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الله تعالى فوض إلى النبي والأئمة عليهم السلام عموما أن يحلوا ما شاؤوا ويحرموا ما شاؤوا من غير وحي وإلهام أو يغيروا ما أوحى إليهم بآرائهم وهذا باطل لا يقول به عاقل ، فإن النبي صلى الله عليه وآله كان ينتظر الوحي أياما كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده ، وقد قال تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } []، . وثانيهما : أنه تعالى لما أكمل نبيه صلى الله عليه وآله بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئا إلا ما يوافق الحق والصواب ولا يحل بباله ما يخالف مشيته تعالى في كل باب فوض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في الصلاة وتعيين النوافل في الصلاة والصوم وطعمة الجد وغير ذلك مما مضى وسيأتي، إظهارا لشرفه وكرامته عنده ، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي ، ولم يكن الاختيار إلا بإلهام ، ثم كان يؤكد ما اختاره صلى الله عليه وآله بالوحي ، ولا فساد في ذلك عقلا وقد دلت النصوص المستفيضة عليه"، بحار الأنوار، ج 25، ص 348.

[17] نتائج الأفكار، ص 225. أجل، قد يعترض على ما جاء في ذيل كلامه مما ظاهره أنّ روايات التفويض معارضة للآية المذكورة، ما يعني أنه يعتبرها دليلاً على نفي تفويض التشريع إليه (ص)، والاعتراض هو أنّ الحصر في الآية إضافي، بالقياس إلى النطق عن الهوى، وليس حصراً حقيقياً، ولذا سيأتي لاحقاً أنّ ثمة صنفاً ثالثاً لكلامه أو فعله (ص) ليس وحياً ولا هوى.

[18] في صحيحة أخرى لزُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع) عَنِ الْفَرْضِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ الْوَقْتُ والطَّهُورُ والْقِبْلَةُ والتَّوَجُّه والرُّكُوعُ والسُّجُودُ والدُّعَاءُ، قُلْتُ: مَا سِوَى ذَلِكَ؟ قَالَ: سُنَّةٌ فِي فَرِيضَةٍ"، الكافي، ج 3، ص 272، وثمّة اصطلاح آخر مشهور في تفسير السنة، وهو ما يكون الأخذ به مستحباً، وإلى هذين الاستعماليْن، يشير ما ورد في خبر السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عَنْ آبَائِه ع قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): "السُّنَّةُ سُنَّتَانِ: سُنَّةٌ فِي فَرِيضَةٍ الأَخْذُ بِهَا هُدًى وتَرْكُهَا ضَلَالَةٌ، وسُنَّةٌ فِي غَيْرِ فَرِيضَةٍ الأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وتَرْكُهَا إِلَى غَيْرِ خَطِيئَةٍ"، الكافي، ج 1، ص 71. قوله: "إلى غير خطيئة"، أي ينتهي إلى غير خطيئة، مرآة العقول، ج 1، ص 233، وهذا المعنى مروي في كتب السنة، ففي المعجم الأوسط للطبراني بالإسناد إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ( ص ): "السنة سنتان سنة في فريضة وسنة في غير فريضة السنة التي في الفريضة أصلها في كتاب الله أخْذُها هدى وتركها ضلالة والسنة التي ليس أصلها في كتاب الله الأخذُ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة"، المعجم الأوسط، ج 4، ص 215، وفي اصطلاح ثالث، فإنّ السنة تطلق على ما يقابل البدعة ، "ويراد بها كل حكم يستند إلى أصول الشريعة، في مقابل البدعة، فإنّها تطلق على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة"، الأصول العامة للفقه المقارن، ص 115.

[19] مثلوا لذلك بما رواه أبو أمامة التيمي قال: كنتُ رجلا أكري في هذا الوجه ( طريق الحج )، وكان أناس يقولون لي: إنه ليس لك حج فلقيت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنّي رجل أكري في هذا الوجه، وإنّ أناسا يقولون لي: إنه ليس لك حج! فقال: الست تحرم وتلبي وتطوف وتفيض من عرفات وترمى الجمار؟ قال: قلت: بلى، قال: فإنّ لك حجاً، رجل أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن مثل ما سألتني عنه فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم * فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وقرأ هذه الآية عليه وقال لك حج"، رواه الحاكم، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، المستدرك، ج 1، ص 449.

[20] نسب بعضهم إلى القرافي، أنه يقول: إن النبي (ص) في مقام الفتيا "يخبر عن مقتضى الدليل الراجح عنده"، التصرفات النبوية السياسية، ص 59، والاجتهاد تأثيره وتأثره في فقهيْ المقاصد والواقع"، ص 445، الدكتور عبد الرؤوف بن محمد أمين الأندونيسي، دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان. ولو كان ما نقلاه عنه صحيحاً لتوجه عليه الاعتراض بأن النبي (ص) لا يفتي في الدين من موقع الترجيح، كما يفعل المجتهدون، وإنما يفتي من موقع علمه بما هو الحقيقة ويرجع كل فرع إلى أصله، هذا ولكنّ الصحيح أنّ القرافي ليس ناظراً في كلامه إلى النبي (ص)، وإنما يتحدث عن المجتهدين، فهو يقول متحدثاً عن الفرق بين المجتهد المفتي والمجتهد الحاكم، أن المجتهد "في الفتيا يخبر عن مقتضى الدليل الراجح عنده، فهو كالمترجم عن الله تعالى، فيما وجده من الأدلة، كترجمان الحاكم يخبر الناس بما يجده في كلام الحاكم أو خطّه" هذا بالنسبة للمجتهد في الفتيا، وأما "في الحكم، ينشئ إلزاماً أو إطلاقاً للمحكوم عليه، ، بحسب ما يظهر له من الدليل الراجح، والسبب الواقع في تلك القضيّة الواقعة"، ويضيف: " فهو إذا أخبر الناس، أخبرهم بما حكم به هو، لأن الله عزّ وجلّ فوّض إليه ذلك، بما ورثه عن رسول الله (ص)، مما في قوله تعالى { وأن احكم بينهم بما أنزل الله }[ ]"، انظر: "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام"، ص 97، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمان المالكي القرافي ( 684 هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، بحلب، 1995م.

[21]  قال: " وعليه يحمل قولهم عليهم السلام : "نحن المحللون حلاله والمحرمون حرامه "، أي بيانهما علينا، ويجب على الناس الرجوع فيهما إلينا"، بحار الأنوار، ج 25، ص 349.

[22] من قبيل استدلالهم بآية التطهير وحديث الثقلين، وغير ذلك مما دل على كونهم الحجة على العباد.

[23] ما ذكره البعض من أنّ للأئمة (ع) حق التشريع، واستدل عليه بإباحتهم حقهم في الخمس لشيعتهم، الموسوعة الفقهية الميسرة، ج 1، ص 432، يرده أنّ روايات التحليل لا دلالة له بوجه على أنّ لهم حق التشريع، لأنّ كما احتمل االعالم المذكور في كلامه أنّ تحليلهم كاشف عن الإباحة الإلهية في المورد، على أنّه سيأتي لاحقاً أننا نرجح كون التحليل تدبيرياً وليس شرعياً. 

[24] الكافي، ج 1، ص 58.

[25] الكافي، ج1 ص53.

[26] قال محقق كتاب الأمالي في الهامش: "الظاهر حصول سقط، والصواب: عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله . لأنه يروي عن سعد بواسطة أبيه أو أخيه".

[27] الأمالي، ص 42، وعنه وسائل الشيعة، ج 27، ص 97، الحديث، 67، من الباب 67 من أبواب صفات القاضي.

[28] وعلى رأسها: قوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة 3]، وقد استدل غير واحد الفقهاء بهذه الآية لإثبات كمال الشريعة في زمانه (ص)، انظر:  وفي صحيحة أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّه ع فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ واللَّه مَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ويُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِه، ومَا مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ ويُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْه.."، الكافي، ج 2، ص 74، وروى هذا المضمون الواقدي في المغازي، ج 1، ص 222، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 14، ص 233. 

[29] أنهاها الأخوند الخراساني ( 1329 هـ) إلى أربعة، وهي مرحلة الاقتضاء، وإدراك وجود المصلحة أو المفسدة، ومرحلة الإنشاء وهي مرحلة جعل القانون، ومرحلة الفعلية، وهي كون الحكم بحيث لو علم به لتنجّز، ومرحلة التنجز، وهي مرتبة الحكم بعد العلم به . راجع كفاية الأصول، ص 258، طبعة مؤسسة أهل البيت لإخياء التراث، وراجع بداية الأصول في شرح كفاية الأصول، ج 3، ص 72، ويرى البعض "أن المرتبة الأولى والأخيرة لم تكونا من مراتب الحكم ، فإنّ الاقتضاء من مقدمات الحكم لا مراتبه ، والتنجز من لوازمه لا مراتبه"، أنوار الهداية، ج 1، ص 39، ولهذا فقد اختصر البعض هذه المراحل بمرحلتين، وهما مرحلتا الإنشاء والفعلية.

[30] يقول السيد الخميني: " إنّ الأحكام منقسمة إلى:

  • حكم إنشائي وهو ما لم ير الحاكم صلاحاً في إجرائه وإن كان نفس الحكم ذو صلاح كالاحكام المودعة عند صاحب الأمر الواصلة إليه من آبائه عليهم السلام، أو يرى صلاحاً في إجرائه ولكن أنشأ بصورة العموم والإطلاق ليُلْحِقَ به خصوصه وقيده هو نفسه أو وصيٌّ بعده.
  • وإلى حكم فعلي قد بُيِّن وأوضح بخصوصه وقيوده وآن وقت إجرائه وإنفاذه"، تهذيب الأصول، تقرير الشيخ السبحاني، ج 1، ص 242.

وقال: "والذي نسميه حكماً إنشائياً أو شأنياً، هو ما حاز مرتبة الإنشاء والجعل سواء لم يعلن بينهم أصلاً حتى يأخذه الناس ويتم عليهم الحجة، لمصالح في إخفائها كالأحكام التي بقيت مخزونة لدى ولي العصر عجل الله تعالى فرجه ويكون وقت إجرائها زمان ظهوره لمصالح تقتضي العناية الإلهية كنجاسة بعض الطوايف المنتحلة بالإسلام وكفرهم ، فهو حكم إنشائي في زماننا وإذا بلغ وقت إجرائه يصير فعلياً، أو أعلن بينهم ولكن بصورة العموم والاطلاق ليلحقه التقييد والتخصيص بعد ، بدليل آخر كالأحكام الكلية التي تنشأ على الموضوعات ولا تبقى على ما هي عليها في مقام الإجراء ، فالمطلقات والعمومات قبل ورود المقيدات والمخصصات أحكام إنشائية بالنسبة إلى موارد التقييد والتخصيص وإن كانت فعليات في غير هذه الموارد والذي نسميه حكما فعليا هو ما حاز مرتبة الإعلان وتم بيانه من قبل المولى بإيراد مخصصاته ومقيداته ، وآن وقت إجرائه وحان موقع عمله، فحينئذٍ فقوله تعالى: { أوفوا بالعقود} [] بهذا العموم ، حكم إنشائي وما بقى بعد التقييد أو التخصيص حكم فعلي"، تهذيب الأصول، ج 1، ص 241.

[31] يقول الشيخ المنتظري: " لعلّ الحكم ثبت في عصر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بنحو الاقتضاء والإنشاء المحض ، ولكن لما كان تنفيذه وإجراؤه موجباً للحرج بسبب الفقر النوعي أو لاستيحاش المسلمين منه لكونهم حديثي العهد بالإسلام ، أو كونه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مظنة للتهمة حيث إن الخمس كان بنفع شخصه وأهل بيته، فلأجل ذلك أخرت فعليته وتنفيذه إلى عصر الأئمة ( عليهم السلام ) وأحكام الإسلام تدريجية وربما أُخرت فعلية بعضها حتى إلى عصر ظهور الإمام المنتظر لعدم تحقق شرائطها قبل ذلك"، دراسات في ولاية الفقيه، ج 3، ص 73.

[32] انظر: الكافي، ج 1، ص 239، و292، 297، وكنز العمال، ج 13، ص 114.

[33] يقول الإمام الخميني: "وكذا احتمال إيداع نوع الأحكام الواقعية لدى الأئمة عليهم السّلام وإخفائها عن ساير الناس بعيد غايته، بل يمكن دعوى وضوح بطلانه، لأن ذلك مخالف لتبليغ الأحكام. ودعوى اقتضاء المصلحة ذلك مجازفة، فأية مصلحة تقتضي كون نوع الأحكام معطلة غير معمول بها؟! مضافاً إلى مخالفة ذلك لقوله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع: "معاشر الناس ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة الا وقد نهيتكم عنه"، والقول بأن إيداعها لدى أمير المؤمنين عليه السّلام يكفي في رفع المنافاة كما ترى" الرسائل، ج 2، ص 26.

[34] في عيون الأخبار عن أبيه ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد جميعاً، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله المسمعي، عن أحمد بن الحسن الميثمي أنه سأل الرضا (ع) يوما وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه، وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (ص) في الشيء الواحد فقال (ع): أنّ الله حرم حراماً، وأحل حلالاً، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرّم الله، أو في تحريم ما أحل الله أو دفع فريضة في كتاب الله رسمها بيّنٌ قائم بلا ناسخ نسخ ذلك، فذلك ما لا يسع الأخذ به، لأنّ رسول الله (ص) لم يكن ليحرم ما أحل الله، ولا ليحلل ما حرّم الله ولا ليغيّر فرائض الله وأحكامه، كان في ذلك كله متبعاً مسلماً مؤدياً عن الله، وذلك قول الله: {إن أتبع إلاّ ما يوحى إليّ} [الأحقاف 9]، فكان (ع) متبعاً لله، مؤدياً عن الله ما أمره به من تبليغ الرسالة، قلت: فإنّه يرد عنكم الحديث في الشيء عن رسول الله (ص) مما ليس في الكتاب، وهو في السنة، ثم يرد خلافه، فقال: كذلك قد نهى رسول الله (ص) عن أشياء، نهي حرام فوافق في ذلك نهيه نهي الله، وأمر بأشياء فصار ذلك الأمر واجباً لازما كعدل فرائض الله، فوافق في ذلك أمره أمر الله، فما جاء في النهي عن رسول الله (ص) نهي حرام ثم جاء خلافه لم يسغ استعمال ذلك، وكذلك فيما أمر به، لأنا لا نرخص فيما لم يرخص فيه رسول الله (ص) ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول الله (ص) إلاّ لعلّة خوف ضرورة، فأمّا أن نستحل ما حرّم رسول الله (ص) أو نحرّم ما استحلّ رسول الله (ص) فلا يكون ذلك أبداً، لأنا تابعون لرسول الله (ص) مسلمون له، كما كان رسول الله (ص) تابعاً لأمر ربه، مسلماً له، وقال الله عز وجل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر 7] وإنّ الله نهى عن أشياء ليس نهي حرام، بل إعاقة وكراهة، وأمر بأشياء ليس بأمر فرض ولا واجب، بل أمر فضل ورجحان في الدين، ثم رخص في ذلك للمعلول وغير المعلول، فما كان عن رسول الله (ص) نهي إعاقة، أو أمر فضل فذلك الذي يسع استعمال الرخصة فيه، إذا ورد عليكم عنا الخبر فيه باتفاق يرويه من يرويه في النهي ولا ينكره، وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما، يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعاً أو بأيهما شئت وأحببت موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله (ص) والرد إليه وإلينا، وكان تارك ذلك من باب العناد والإنكار وترك التسليم لرسول الله (ص) مشركاً بالله العظيم، فما ورد عليكم في خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجوداً حلالاً أو حراماً فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله (ص)، فما كان في السنة موجودا منهياً عنه نهي حرام، ومأموراً به عن رسول الله (ص) أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (ص) وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة، ثم كان الخبر الأخير خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (ص) وكرهه ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعاً، وبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (ص)، وما لم تجدوه في شيء من هذا الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف، وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا"، عيون أخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 24، وعنه وسائل الشيعة، ج 27، ص 115، الحديث 21، من الباب 9، من أبواب صفات القاضي، والخبر كما يصلح لإثبات تبعيتهم للكتاب والسنة فهو يصلح لإثبات أن المشرع هو الله دون رسوله، إلا في موارد أمضاها الله لنبيّه (ص).

[35] منها: ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله سلم بشر يتكلم في الغضب والرضاء! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: اكتبْ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق"، سنن الدارمي ج 1 ص 125، وسنن أبي داوود ج 2 ص 176، ومسند أحمد ج 3 ص 163، والمستدرك للحاكم، ج 1 ص 106.

[36] روى يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ، ثم بدا له أن لا يكتبها ؛ ثم كتب في الأمصار " من كان عنده منها شيء فليمحه"، تقييد العلم، ص 52، وجامع بيان العلم وفضله، 1، ص 65، وعن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن ، فاستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق يستخير الله فيها شهرا ، ثم أصبح يوما وقد عزم الله [ له ] فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا ، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا"، المصنف لعبد الرزاق الصنعانين، ج 11، ص 258، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ج 1، ص 64، وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى عن عبد الله بن العلاء قال سألت القاسم يملي علي أحاديث فقال إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال مثناة كمثناة أهل الكتاب قال فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثاً"، الطبقات الكبرى، ج 5، ص 188، وسير أعلام النبلاء، ج 5، ص 59، وحول الآثار السلبية لسياسة منع تدوين الحديث على التشريع الإسلامي راجع:  تاريخ الفقه الجعفري للسيد هاشم معروف الحسني، ص 135، وما بعدها.

[37] في بعض الروايات أن فاطمة (ع) ساةت بين صحيفة خاصة فيها أحاديث عن رسول الله (ص)، وبين ولديها الحسن والحسين، فقد روى الطبري في دلائل الإمامة بسنده عن ابن مسعود ، قال : جاء رجل إلى فاطمة ( عليها السلام ) فقال : يا ابنة رسول الله ، هل ترك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عندك شيئا: تطرفينيه. فقالت: يا جارية ، هات تلك الحريرة . فطلبتها فلم تجدها، فقالت: ويحك اطلبيها ، فإنها تعدل عندي حسنا وحسينا . فطلبتها فإذا هي قد قممتها في قمامتها ، فإذا فيها: قال محمد النبي ( صلى الله عليه وآله ): ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه.."، دلائل الإمامة، ص 66.

[38] فقد جاء في الخطبة القاصعة: " قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّه (ص)، بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيه، ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ولَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه ( ص )، مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه، ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي - ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ ،غَيْرَ رَسُولِ اللَّه ( ص ) وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه ( ص )، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الرَّنَّةُ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِه، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى، لَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ"، نهج البلاغة، ج 2، ص 157.

[39] روى الحاكم بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة 12]  الآية، قال: كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فناجيت النبي صلى الله عليه وآله فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وآله قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت : {أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} [المجادلة 13] الآية"، وأضاف: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ، انظر: المستدرك ج 2 ص 482.

[40] في صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ نَشَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّه ع صَحِيفَةً، فَأَوَّلُ مَا تَلَقَّانِي فِيهَا ابْنُ أَخٍ وجَدٌّ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَقُلْت:ُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ الْقُضَاةَ عِنْدَنَا لَا يَقْضُونَ لِابْنِ الأَخِ مَعَ الْجَدِّ بِشَيْءٍ، فَقَالَّ إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ خَطُّ عَلِيٍّ ع وإِمْلَاءُ رَسُولِ اللَّه (ص)"، الكافي، ج 7، ص 112. وروى الحميري في " قرب الإسناد"، بسنده عن ظريف بن ناصح قال: كنت مع الحسين بن زيد ومعه ابنه علي ، إذ مر بنا أبو الحسن موسى بن جعفر صلى الله عليه فسلم عليه ثم جاز فقلت : جعلت فداك ، يعرف موسى قائم آل محمد ؟ قال: فقال لي: إن يكن أحد يعرفه فهو . ثم قال : وكيف لا يعرفه وعنده خط علي بن أبي طالب صلى الله عليه وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله.."، قرب الإسناد، ص 317،

[41] الرسائل، ج 2، ص 27. أقول: والظاهر أنّ ما طرحه هنا، أي في رسالته في التعادل والتراجيح يعدّ رجوعاً عما ذكره في تعليقنه على الكفاية أو في تقريرات درسه، مما تقدم نقله في حواشٍ سابقة، حيث ظاهره هناك أنّ ثمة أحكاماً لم تخرج عن رتبة الإنشاء ولذا لم يبلغها النبي (ص)، وأخر بيانها إلى زمن الحجة (عجل الله فرجه) أو غيره.

[42] اختيار معرفة الرجال، ج 2، ص 489.

[43] قال الإمام الخميني: " إن الأئمة عليهم السّلام لامتيازهم الذاتي من ساير الناس في فهم الكتاب والسنة بعد امتيازهم منهم في ساير الكمالات فهموا جميع التفريعات المتفرعة على الأصول الكلية التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل بها الكتاب الإلهي ففتح لهم من كل باب فتحه رسول الله صلى الله عليه وآله للأمة ألف باب حين كون غيرهم قاصرين، فعلم الكتاب والسنة وما يتفرع عليهما من شعب العلم ونكت التنزيل موروث لهم خلفا عن سلف"، الرسائل، ج 2، ص 27.

[44] نعم هناك فراغ سيأتي الحديث عنه، وهو فراغ يراد به عدم ملء منطقة كبيرة بأحكام إلزامية.

[45] مجمع الزوائد، ج 1، ص 171.وفي حديث ابن عباس

[46] سنن أبي داوود، ج 2، ص 208.والمستدرك للنيسابوري، ج 2، ص 317، وقد صححه، ومروي نحوه عن صحابة آخرين.

[47] من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 75.

 






اضافة تعليق

الاسم *

البريد الإلكتروني *

موضوع *

الرسالة *


 


 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon