حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
كلمات الإمام علي عليه السلام (83): المفاضلة بين العمل والمال في كلام أمير المؤمنين (ع)
 
س » ما الذي يجلب التوفيق والرزق؟
ج »

- إنّ الذي يجلب التوفيق والنجاح في هذه الحياة هو الأخذ بالسنن الإلهية والعمل وفق منطق الأسباب والمسبَّبات، فإن هذا العالم مبنيٌ على أساس هذه السنن وتلك القوانين، وبالتالي فعلى الإنسان، ليكون موفقًا وناجحًا، أن يتحرّك في مسارات هذه الحياة ليغدو عالمًا ومتعلّمًا، ومن ثم ساعيًا وعاملاً ومنتجًا، {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} وبذلك يمكن أن يصل إلى مبتغاه ويحالفه التوفيق، وفي حال انسدّ عليه بابٌ من أبواب الرزق، فعليه أن يطرق بابًا آخرَ ولا يسمح لليأس والإحباط أن يتملّكه ويُسقطه، ولا يتعذّر بالحظّ والنصيب، فليس هناك شيءٌ اسمه الحظ خارج السنن والتقادير الإلهية.

- التوفيق إذًا يكون بالعمل والسعي ولن يحالفنا التوفيق على الإطلاق إذا تكاسلنا وتقاعسنا وجلسنا في البيوت، حتى لو دعونا الله بأن يوفقنا ويرزقنا، فإن من شروط استجابة الدعاء في الإسلام: أن يسعى الإنسان في مناكب الأرض، وليس من المعلوم أن يُستجاب دعاء الإنسان بالتوفيق والنجاح والغنى والصحة إنْ لم يأخذ بالأسباب التي أراد الله تعالى له أن يأخذ بها.

دمتم موفقين ومُسدَّدين.


 
 
  مقالات >> أصول فقه
البعد التبليغي / التشريعي في شخصية النبي (ص) - 2
الشيخ حسين الخشن



المقام الثاني: تصرفه بالتشريع الخاص.

عرفت في المقام الأول أنّ الوظيفة الأهم للرسل، وعلى رأسهم سيدنا رسول الله وخاتم النبيين (ص) هي بيان شرع الله تعالى، وأنّ البعد التشريعي هو بعد أساسي في شخصيته، لكن السؤال الذي نريد تركيز النظر عليه في المقام: هل إنّ للزمان والمكان دوراً في عمليات التشريع أم أنّ ثمّة تشريعات خاصة وظرفية؟

بعبارة أخرى: إن ما تقدم في المقام الأول، هو الحديث عن التشريع العام الذي يملك إطلاقاً أزمانياً ومكانياً، وما نروم الحديث عنه في المقام الثاني هو بيان التشريع الخاص والمحدود بزمان أو مكان خاصين أو بأفراد معينين.

أولاً: احتمالات مناشئ محدودية الحكم

 وغير خافٍ أنّ هذه المسألة هي ذات أهميّة خاصة، وتحتاج إلى دراسة وقراءة متأنيّة، بما يساعد على معرفة أبعاد النص الديني وحدود حجيته، وملاحظة ما إذا كان عابراً للزمان والمكان على الدوام، أو أنّه في بعض الأحيان يكون خطاباً تاريخياً مرحلياً ناظراً فقط إلى معالجة واقع معيّن تبتلي به الأمة أثناء صدوره، كما أنّه في حالات أخرى يمتلك امتداداً إلى مستقبل أجيال الأمة أيضاً.

من حيث المبدأ يمكن - افتراضاً - القول: إنّ النص الديني يمكن تصنيفه إلى صنفين:

الأول: النصّ الذي لا تحكمه الظروف التاريخيّة، لأنّه يعطي حكماً باقياً ومستمراً ما بقي الإنسان.

الثاني: النصّ الذي يصدر لمعالجة مشكلة خارجيّة لها ظروفها الخاصة، فهو محدد بزمان أو مكان خاصين، أو فرد بعينه، ولا يملك امتداداً خارج ذلك.

وظرفية أو محدودية الحكم في الزمان والمكان أو الأفراد، لها أكثر من منشأ:

  1. أن يكون الحكم صادراً على نهج القضيّة الخارجيّة لا الحقيقيّة.
  2. محدودية ملاكه أو موضوعه بزمان أو مكان خاصين، أو بفرد بعينه، بمعنى أن يكون الزمان الخاص أو المكان الخاص أو الفرد المعين هو موضوع الحكم أو دخيلاً في الموضوع شرطاً أو شطراً، ويمكن لنا أن نرجع هذا إلى سابقه، ولو بتفسير معين للقضية الخارجية.
  3. تدبيريّة الحكم، بمعنى أن يكون صادراً عن النبي (ص) بصفته ولياً للأمر وليس مبلغاً لشرع الله تعالى.
  4. هذا كله بلحاظ عالم الثبوت، وثمة محدودية بلحاظ عالم الإثبات، وهي أن لا يثبت للنصّ إطلاقٌ أزماني أو أحوالي يسمح بتعميم الحكم الذي تضمنه إلى مختلف العصور.

أقول: إنّ المنشأ الرابع لمحدودية الحكم خارج عن محل الكلام في هذه الدراسة، لأنّ البحث فيه إثباتي، وحديثنا هنا ثبوتي، بيد أنني أشير إليه إشارة عبارة، ومفادها أنّ بحث قضيّة الإطلاق مهم للغاية، لأنّ النص حتى لو كان تشريعياً فليس بالضرورة أنه يمتلك امتداداً على مستوى الزمن يسمح بتعميم الحكم، وعلى سبيل المثال، فإنّ تحريم الغناء - بنظر مشهور الفقهاء - مطلق إطلاقاً أزمانياً وأحوالياً، بيد أنّ بعض الفقهاء حملوا النصوص الظاهرة في تحريم الغناء على ما كان شائعاً منه في زمن صدور النص، وهو الغناء الذي يقترن ببعض المحرمات، كالكلام بالباطل، واختلاط النساء بالرجال في مجالس الفجور والخمور، واستعمال آلات اللهو المحرمة، فما لم يقترن الغناء بهذه الأجواء فليس بمحرم عند هؤلاء الأعلام، ولذا قال الفيض الكاشاني: "وعلى هذا، فلا بأس بالتغني بالأشعار المتضمنة لذكر الجنة والتشويق إلى دار القرار ووصف نعم الله الملك الجبار وذكر العبادات والترغيب في الخيرات والزهد في الفانيات"[1].

 والأمر الذي يجدر التوقف عنده في المقام، هو ضرورة إخضاع المنهج المعتمد لدى الأصوليين في قضيّة الإطلاق الأزماني والأحوالي إلى التأمل والفحص، فالمشهور على التمسك بالإطلاق، وذلك دون تفريق بين أن يكون النص إجابة على سؤال شخصي انطلق من ظروفٍ خاصة وبيئة معينة، أو يكون بياناً على سبيل ذكر القاعدة التشريعيّة، ودون فرق بين النصّ القرآني والنص النبوي، مع أنّ ذلك غير تام على إطلاقه، وثمة نظرية تفصّل بين الكتاب والسنة، فتلتزم بالإطلاق الأزماني والأحوالي في القرآن بشكل كلي، بينما تتحفظ على هذا الأمر في السنة، لا من زاوية احتمال التدبيرية في السنة فحسب، بل من زاوية أنّ السنة قد يغلب عليها الإجابات التفصيلية غير العابرة للزمان والمكان، وهذا كله يحتاج إلى بحث موسع ومفصل، نأمل التوفيق للإسهام في بحثه.

وأما المنشأ الثالث، وهو التدبيرية، فهذا ما سوف نتناوله بالبحث في المحور الثاني، وإليه ( أي إلى المنشأ الثالث ) يمكن إرجاع المنشأ الأول، وهو أن يصدر الحكم على نهج القضيّة الخارجيّة، وذلك لأنّ هذه القضيّة قد فُسِّرت بأنّها "القضيّة التي يَجعلُ فيها الحاكمُ حكمَه على أفراد موجودة فعلاً في الخارج في زمان إصدار الحكم، أو في أي زمان آخر ، فلو أتيح لحاكمٍ أن يعرف بالضبط من وجد ومن هو موجود ، ومن سوف يوجد في المستقبل من العلماء ، فأشار إليهم جميعاً وأمر بإكرامهم ، فهذه قضيّة خارجيّة. والقضية الحقيقيّة هي القضية التي يلتفت فيها الحاكم إلى تقديره وذهنه بدلاً عن الواقع الخارجي، فيشكل قضيّة شرطية شرطها هو الموضوع المقدر الوجود وجزاؤها هو الحكم فيقول: إذا كان الإنسان عالماً فأكرمه، وإذا قال أكرم العالم، قاصداً هذا المعنى فالقضية - روحاً - شرطية وإنْ كانت - صياغة - حمليّة"[2]. إنّ القضيّة الخارجيّة وفقاً لهذا التفسير إنما تتحقق - بالإضافة إلى الأوامر الشخصيّة - في الأوامر الحكوميّة التدبيرية في بعض مستوياتها، كما يحصل في أوامر قادة الجيوش ورؤساء المؤسسات، أما في التشريعات القانونية، وفي كثير من التدبيرات الحكوميّة، فإنّها لا تعتمد هذا النحو من الأوامر والنواهي إلا نادراً، لأنّ طبيعة التقنين تقتضي أن يأخذ المقنن موضوع الحكم مفترض الوجود، ويصبّ الحكم عليه.

وأما المنشأ الثاني، فهو منشأ ذو أهميّة خاصة لمحدودية الحكم، وهو ما سوف يتكفل هذا المقام بدرسه.

وعلى ضوء ذلك يتضح أنّ ظرفية النصّ أو تاريخيته لا تنشأ من كون الحكم صادراً عن النبي (ص) بصفته قائداً وسلطاناً فحسب، بل لها منشأ آخر، وهو أنّ حكمه (ص) قد يكون ناظراً إلى الواقع الخارجي بقيوده وخصائصه، بمعنى أنه محدود بحدود زمان خاص أو مكان معين أو فرد بعينه، وهذا ما سوف نتناوله في النقاط التالية.

وقبل الشروع فيها لا بدّ أن ندفع توهماً حول إمكان إرجاع المنشأ الثاني إلى الثالث، بالقول إنّ التشريع الخاص معناه أن الحكم تدبير ظرفي ومؤقت بزمان أو مكان خاصين، فلا داعي لافتراض تعدد الحكمين مع أنّ مآلهما واحد وهو ظرفية الحكم ومحدوديته، وضعف هذا الكلام واضح وجلي، فإنّ اشتراكهما في المحدودية لا تعني وحدتهما، مع فرض وجود اختلاف كبير بينهما، إن بلحاظ طبيعة كل منهما، حيث إن أحدهما صادر عنه (ص) من موقع التشريع، والآخر من موقع التدبير، أو بلحاظ اختلافهما في ملاكات المحدودية، أو بلحاظ بلوغ الحكم منتهاه، حيث إن محدودية الحكم التشريعي هي بمحدودية موضوعه، وأما محدودية الحكم التدبيري، فبتشخيص الحاكم انتهاء المصلحة الداعية إلى جعله.  

ثانياً: التشريع المختص بفرد معيّن

وسوف أبدأ بالحديث عن التشريع المختص بفرد بعينه، ثم أنتقل إلى الحديث عن التشريع المختص بزمان أو مكانين خاصين، والسؤال: هل يوجد تشريعات مختصة بفرد يعينه أو أفراد معينين؟ وبعبارة أخرى: هل يكون الحكم الشرعي صادراً على نهج القضية الشخصية الخارجية، أم أنه على الدوام يكون صادراً على نهج القضية الحقيقية المقدرة الموضوع؟

  1. قاعدة اشتراك الأحكام

وفي الإجابة على ذلك يمكن القول: إنّ الأحكام الشرعيّة لا تكون مجعولة على نحو القضيّة الشخصية، وإنما يكون الحكم الشخصي متصوراً في بابي القضاء والولاية،[3] أما الأحكام الشرعيّة فهي صادرة على نهج القضية الحقيقية، حيث إنّ الحكم ينصبّ على الموضوع المفترض الوجود. أجل، إنّ هذا الموضوع قد لا يكون له إلا فرداً واحداً، كما في التكليف المتوّجه إلى النبي (ص) بأن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، فهذا لا شك في إمكانه ولا علاقة ببحثنا، وإنما المقصود بحث مشروعيته هو جعلُ الحكم بلحاظ فرد دون آخر، مع كون سائر الأفراد مشتركين مع هذا الفرد في الصفات التي استوجبت توجه الحكم إليه.

ويمكن الاستدلال على ما نقول:

أولاً: إنّ هذا ما تقتضيه قاعدة اشتراك الأحكام، والتي تعني أنّ الحكم إذا ثبت بحق شخص أو خوطب به مكلف فإنه يثبت بحق سائر المكلفين، من الحاضرين والغائبين، وهي قاعدة تامة وصحيحة، وقد أقيم الدليل عليها في القواعد الفقهية، حيث ذكرت بعض الروايات والوجوه لإثبات المدعى، وبعض تلك الوجوه أو الأخبار وإنْ كان محل إشكال، بل بعضها لا يصلح للاستدلال من قبيل ما روي عنه (ص) قوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"[4]، فإننا لا نجد لهذا الحديث أصلاً يعتد به، ولكن في سائر الوجوه كفاية.

 وقد يقال: إنه إذا ثبت أنّ التقنين الشرعي الذي يعدّ ظاهرة عرفتها كافة الشرائع السماويّة لا يكون على نهج القضيّة الشخصية الخارجية بل على نهج القضية الحقيقية، فهذا سيلغي الحاجة إلى قاعدة الاشتراك، لأنّ تسرية الحكم إلى غير المخاطب بالكلام لا يكون بدليل الاشتراك، بل لأنّ موضوع الحكم هو الطبيعة السارية، والتي تكون نسبتها إلى الأفراد المشافهة بالخطاب أو الغائبة، والموجودة زمن الخطاب أو التي ستوجد في المستقبل على حد سواء[5].

ثانياً: إنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للملاكات والأغراض، وليست مجعولة جزافاً، ولا يخفى أنّ الملاكات تقتضي اختلاف الأحكام، وذلك بسبب أنّ اختلاف القيود والأوصاف والحالات الطارئة على الموضوعات تقتضي تعدد الملاكات، وتعدد الملاك يستوجب تعدد الأحكام، وهو أمر بديهي ولا غبار عليه، وأما اختلاف الأحكامها دون اختلاف أو تغيّر في القيود والأوصاف والحالات الطارئة فهو أمر ينافي حكمة المشرع، لأنّه يقدم الأحكام الشرعية وكأنها نازلة على قياس أشخاص بعينهم، بحيث يتم تكليف البعض واستثناء آخرين دون معيار أو مبرر، وهذا ما يجل المولى الحكيم عنه، وهو ينافي ما دلّت عليه الضرورة الفقهية والارتكاز العام بأن الحكم الشرعي واحد بحق المكلفين، كما ينافي الكثير من النصوص التي تنص على ضرورة تبليغ الشاهد الأحكامَ للغائب، أو التي ترفض التفاضل والتمايز بين الناس في الحقوق والواجبات والأحكام، كما في قوله رسول الله (ص) - على ما في الرواية - "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"، أو قول علي (ع) - كما في الخبر - لما عوتب على التسوية في العطاء: "أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْه واللَّه لَا أَطُورُ بِه مَا سَمَرَ سَمِيرٌ، ومَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً، لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّه"[6]. إلى غير ذلك من النصوص التي ترفض التفاضل والتمايز بين الناس[7].

وأما توجيه الحكم إلى شخصٍ معين فهو يعد ظاهرة معروفة في الخطاب الديني حيث كان المعصوم يجيب على أسئلة شخصيّة ابتلائية تتوجه إليه من قبل آحاد الناس، فيخاطب الشخص بما يلزمه فعله، وهذا الخطاب لا يفهم منه أهل العرف أنّ الحكم مقتصرٌ على شخص المخاطب، كما لا يخفى، وإنّما ذلك محمول على المثالية، لأنّ الخطابات ومنها الخطابات القرآنية نزلت على طريقة "إياك أعني واسمعي يا جارة"[8]، يقول بعض الفقهاء المعاصرين: "حمل الخطاب في القضايا الشرعية على القضية الشخصية الخارجية مخالف للظاهر، لأن الخطاب وإن كان كثيرا ما يوجه لشخص خاص إلا أن المفهوم منه عدم خصوصيته في الحكم ، بل يشاركه فيه كل واجد للجهة المشار إليها في موضوع الحكم"[9].

  1. أحكام قيل بأنها صادرة على نهج القضية الشخصية

هذا ولكن قد تذكر بعض الأمثلة والنماذج على صدور أحكام شرعيّة على نهج القضية الشخصية، وإليك بعض هذه النماذج:

النموذج الأول: أمره (ص) للصحابة بالمسير مع جيش أسامة، حيث أمر بتجهيزه وإنفاذه في مرضه الأخير، وقال: " أنفذوا بعث أسامة"[10]، يقول السيد الخوئي: " إن الحكم التكليفي قد يكون مجعولا بنحو القضية الحقيقية والكبرى الكلية. كقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت } [] وقد يكون مجعولا بنحو القضية الشخصية . كما في أمر الرسول صلى الله عليه وآله الشيخين بالخروج مع جيش أسامة"[11].

ويلاحظ عليه: إنّ أمره (ص) باتباع أسامة وعدم التخلف عن جيشه ليس من الحكم الشرعي في شيء، وإنما هو حكم ولايتي صادر عنه (ص) بصفته ولياً للأمر وواجب الإطاعة.

النموذج الثاني: ترخيص النبي (ص) لعمه العباس في عدم المبيت في منى، فقد جاء في معتبرة مالك بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام: "أنّ العباس استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يلبث بمكة ليالي منى، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل سقاية الحاج"[12]. وقد رأى السيد الخوئي أنّها "قضيّة شخصيّة في واقعة رخّص النبيّ ( صلَّى الله عليه وآله ) لعمه وهو ولي الأمر وله أن يرخّص لكل أحد، فالتعدي إلى كلّ مورد مشكل، ولا يستفاد من ترخيصه ( صلَّى الله عليه وآله وسلم ) لعمّه العباس تعميم الترخيص لجميع السقاة"[13].

ولا يبعد أنْ يستفاد من الخبر أنّ كلّ منْ كانت له سقاية الحاج، يجوز له ترك المبيت بمنى وهذا حكم شرعي، وليس حكماً سلطانياً، قال بعض الفقهاء تعليقاً على الخبر: " فهو وإن لم يكن حكماً خاصّا بالعبّاس لكن موضوعه في هذا العصر منتف"[14]. ومما يشهد لكون الإمام الباقر (ع) بصدد بيان الحكم الشرعي أنّ "الحاكي للقصة والواقعة إذا كان هو الإمام عليه السّلام وكان الغرض من حكايته بيان الحكم يستفاد منه التعميم. خصوصاً مع الاشتمال على ذكر العلة والسبب، سواء كانت العلة مذكورة في كلام الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو مذكورة في كلام الإمام الحاكي عليه السّلام"[15].

النموذج الثالث: أذنه (ص) لأبي بردة ابن نيار في أن يضحي بالجذعة من المعز بدل الشاة، ففي الرواية: قال: ".. يا رسول الله، فإنّ عندنا عناقاً لنا جذعة[16] هي أحبّ إلي من شاتين أفتجزي عني؟ قال: نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك"[17]. فقد قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث تخصيصُ أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية"[18].

ولكنْ على فرضِ صحّة الرواية فمن غير الواضح أنّ هذا من الإذن التشريعي الخاص، إذ من الوارد أن يكون ذلك من قبيل إعلان انتهاء الرخصة والحكم بعدم إجزاء غير الشاة بعد هذه الواقعة.

  1. "قضيّة في واقعة" والتشريع الخاص

وهذا قد يتخيّل البعض أنّ من المؤشرات على وجود القضية الشخصيّة في الأحكام، هو ما لاحظه الفقهاء من أنّ الحكم الوارد في بعض الوقائع لا يمكن تعميمه واتخاذه قاعدة عامة، وعبّروا عنه بأنه "قضية في واقعة"[19]، أو "واقعة عين"[20]، وهذه العبارة أو تلك تتردد في كلماتهم تعليقاً على الكثير من الروايات، ولا سيما الوارد منها في القضاء والتعزيرات[21]، وما يكون "قضية في واقعة"، أو "واقعة عين"، لا يصلح للتعميم عندهم، ولذا يردفون عبارة "واقعة عين"، بقولهم: "لاعموم فيها"[22]، أو عبارة: " فلا يتعدى"[23]، أو " فتكون مجملة"[24].

ويرى بعض الفقهاء أنّ المسألة هي أوسع بكثير من الموارد النادرة التي لاحظوا فيها ذلك[25].

وقد عدّ الشهيد الأول، صدور الحكم عن الإمام (ع) في مود خاص وعلى سبيل "قضية في واقعة" أحد أسباب الاختلاف بين فقهاء الإمامية[26].

ويلاحظ أنه كثيراً ما يكون المورد الذي استدعى إدراج القضية تحت عنوان "واقعة عين" أو "قضية في واقعة" من الموارد التي يكون الحكم فيها على خلاف ما تقتضيه القاعدة[27]، ويتكون لدى الفقيه شعور - بحسب فهمه للشريعة وقواعدها - بعدم إمكان الأخذ بمضمون الخبر، وتعميم الحكم لغير مورده، بما يستلزم تخصيص القاعدة، وهو شعور قد يكون له ما يبرره، ولكنه ليس صحيحاً على إطلاقه.

 وتوضيحاً لهذا الأمر نسجل بعض الوقفات:

الوقفة الأولى: إنّ القضايا التي أدرجها الفقهاء تحت عنوان "قضيّة في واقعة" أو "واقعة عين"، لا تصح شاهداً على أن الحكم الشرعي ربما كان صادراً على نهج القضيّة الشخصيّة، بل قد عرفت أننا لا نعتقد بوجود أحكام شرعية - خارج خصائص النبي (ص) الآتية - صادرة واقعاً لإعطاء حكم لمورد خاص ولا تتعداه إلى غيره، حتى مع كونه من نظائره.

أجل، قد اختلف الفقهاء أن ما سمي "قضية في واقعة" أو ما يعبّر عنها بقضايا الأحوال هل يصح تعميم الحكم فيها أم لا؟ ففي حين يظهر من البعض أن قضايا الأحوال لا عموم فيها[28]، وقد نقل النراقي عن الأصوليين والفقهاء أنهم يقولون: "إنّ حكايات الأحوال تلبس الألفاظ الواقعة فيها ثوب الإجمال ولا تفيد عموماً ولا إطلاقاً، فيقولون : إنه قضيّة في واقعة"[29]، فإنّ البعض الآخر ذهب إلى أنه يستفاد منها الحكم العام، وممن تبنى الاتجاه الثاني الشيخ يوسف البحراني، فقد علّق على حمل بعض الفقهاء[30] لرواية[31] واردة في توجيه المحتضر إلى القبلة، على أنّها "قضية في واقعة"، قائلاً: "وأنت خبير بما فيه من الوهن والقصور إذ لو قام مثل هذا الكلام لا نسد به باب الاستدلال في جميع الأحكام، إذ لا حكم وارد في خبر من الأخبار إلا ومورده قضية مخصوصة فلو قصر الحكم على مورده لانسد باب الاستدلال ، فإنه إذا سأل سائل الإمام أني صليت وفي ثوبي نجاسة نسيتها فقال: أعد صلاتك ، فلقائل أن يقول في هذا الخبر كما ذكره هنا، مع أنه لا خلاف بين الأصحاب في الاستدلال به على جزئيات الأحكام والنجاسات مما هو نظير هذه الواقعة "[32]. وقد لاحظ النراقي أن الفقهاء حتى مع تصريحهم بأنّ حكايات الأحوال لا تفيد إطلاقاً فإنهم " مع ذلك تراهم قد يستدلون في بعض الموارد بالحكايات بإطلاقها، وهو في غاية الكثرة"[33].

والتوجيه الذي قدّمه لهذه المفارقة، هو "أنّ غرضهم من قولهم: إنه قضية في واقعة فلا يصلح حجة لإطلاق أو عموم، وإنّ حكاية الحال واردة مورد الإجمال، أنها من حيث هي هي كذلك، ولا ينافي ذلك أنْ يفهم منها الإطلاق في مواضع باعتبار القرينة الخارجية المنضمة معها"[34].

أقول: إنّ مفاد كلامه "أن ما كان قضية في واقعة من حيث هي هي لا تقبل الإطلاق" وهذا إنْ أراد به أنّ المورد الذي هو "قضية في واقعة"، هو في طبيعته لا يحتمل إصدار حكم عام، فيرده أنّ الحكم الشرعي كما عرفت هو بطبيعته صادر على نهج القضية الحقيقية، لا القضية الشخصية الخارجية، وأما إن أراد أنه وبلحاظ الإجمال الذي يكتنف القضايا في الوقائع فتكون غير قابلة للإطلاق في نفسها ما لم تنهض القرائن على تعميم الحكم فهو صحيح، وسيأتي مزيد توضيح له في الوقفة الثانية.

باختصار: إن ما يعبّر عنه بأنه قضية في واقعة لا يعني أنّ الحكم ثبوتاً مختصٌ بحالة شخصية ولا يتعداها إلى نظائرها، وإنما هو تعبير عن أنّه من الناحية الإثباتية لا تسع الشواهد والقرائن على الأخذ بالإطلاق أو العموم.

الوقفة الثانية: بمراجعة الموارد التي تمّ إدراجها تحت عنوان " قضية في واقعة" أو "واقعة عين" نجد أنها على صنفين:

الصنف الأول: ما أدرج تحت العنوان المذكور نتيجة اجتهاد خاطئ، وذلك لكون المورد مما يمكن تعميم الحكم فيه دون مانع أو محذور، بيد أنّ وقوع الفقيه تحت سطوة الإجماع والشهرة والآراء المذهبيّة المسبقة والتي يعتقد بحجيتها، منهعته من تعميم الخكم، فتأولها الخبر بأنه "واقعة عين"، أو "قضية في واقعة"، ومثال ذلك: ما روي عن ابن عباس: "أنّ جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة. فخيرها النبي ص"[35]، فقد رفض بعض الفقهاء الأخذ بهذا الخبر، وحُمِل على أن أباها زوجها من غير كفؤ، وقال بعضهم انتصاراً لذلك أنها "واقعة عين فلا يثبت الحكم بها تعميما"[36]. ولكنْ لا وجه لذلك، فالمرأة ذكرت أن أباها زوجها رغم كراهتها فخيّرها (ص) وهو ظاهر في أنّ التخيير هو بسبب تزويجها مع كراهتها، فيعم[37]. وعليه، فلا مبرر لجعلِه قضيّة شخصيّة نجمدُ عليها ولا نتعدى عنها، فإنّ الأحكام - كما قلنا - لا تُجعل على نهج القضايا الشخصيّة. ومثال آخر: ما روي في خبر مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع أَنَّ عَلِيّاً ع أَجَازَ أَمَانَ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ لأَهْلِ حِصْنٍ مِنَ الْحُصُونِ، وقَالَ: هُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"[38]. وقد اعترض عليها بعض الفقهاء ممن يرون أن الواحد يعطي الأمان لآحاد من أهل الحرب فقط، دون الجماعات، كأهل قرية أو حصن بأنّ "فعل علي عليه السلام ، قضية في واقعة ، فلا يتعدى"[39]. وأورد عليه أولاً: أنّه علله بتعليل عام، وثانياً: أن الإمام الصادق (عليه السلام) ينقل فعله (عليه السلام) لبيان الحكم لا لغير ذلك"[40].

وثمة موارد كثيرة[41] خطّأ فيها فقيهٌ فقيهاً آخر لإدراجه بعض الأحكام تحت عنوان "قضية في واقعة".

وعلينا أن ننبه هنا إلى أنّه إذا رأى الفقيه أن مضمون الخبر لا يمكن الأخذ به لمعارضته للقواعد أو لسائر النصوص، فالأولى والأجدر به إن يم يجد له محملاً وجيهاً أن يرده، بدل أن يتأوله بما لا يساعد الظهور عليه، ومن هذا القبيل: ما روي عن عائشة أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهلِه في بيتهم، فأتت ( تعني ابنة سهيل ) النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا، وأنه يدخل علينا، وإنّي أظن أنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه، تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة، فرجعت، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة"[42]. وهذا الحديث "قد استدل به من قال إنّ إرضاع الكبير يثبت به التحريم، وهو مذهب عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وابن حزم"[43]. وفي المقابل "ذهب الجمهور إلى اعتبار الصغر في الرضاع المحرم" وقد التجأ هؤلاء إلى تأويل قصة سلم وزوجة أبي حذيفة، ومن هذه التأويلات: دعوى وجود خصوصية لسالم وامرأة أبي حذيفة[44]. ولكننا نرى أن الأولى ردّ هذا الحديث:

أولاً: لأننا لا نتعقل الخصوصيّة في أحكام الشريعة فأحكام الإسلام عامة، ولو تعقلناها فهي تحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة، ولو كان الحكم خاصاً لنبّه النبي (ص) على ذلك.

ثانياً: إنّ المستفاد من الكتاب الكريم أنّ الرضاعة تكون في فترة الحولين، قال العظيم آبادي: "وقد اختلف العلماء في تحديد مدة الرضاع فقالت طائفة منهم: إنها حولان ، وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ، واحتجوا بقوله تعالى: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة }[البقرة 233] قالوا: فدل أن مدة الحولين إذا انقضت فقد انقطع حكمها ولا عبرة لما زاد بعد تمام المدة "[45].

 ثالثاً: إنّ الأخبار الواردة عن النبي (ص) تدلّ على أنّ ما ينشر الحرمة من الرضاع هو الذي يكون في فترة الطفولة، فعنه (ص): ".. فإنما الرضاعة من المجاعة"[46]. قال ابن حجر في شرح الحديث: " التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلا لسدِّ اللبن جوعته، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة الا المغنية عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة كقوله تعالى  { أطعمهم من جوع }[قريش 4]، ومن شواهده: حديث ابن مسعود "لا رضاع إلا ما شدّ العظم وأنبت اللحم" أخرجه أبو داود"[47]. وفي حديث آخر عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام"[48]. وهذا صريح في أنّ ما ينشر الحرمة مان قبل الفطام.

رابعاً: إنّ ارتضاع الكبير من المرأة بالتقام ثديها فيه انتهاك لحرمتها ومسٌ لجسدها، وقد لا ينفك عن القصد الغرائزي الشهواني، ولا يعتقد أنّ الشريعة تبيح ذلك. وحمل الارتضاع على الارتضاع غير المباشر بحيث تصب لبنها في وعاء ومن ثم تقدمه للرجل ليقوم بشربه[49] هو حمل ضعيف، لأنه خلاف ظاهر الرضاع الوارد في الخبر.

ولا يقل وهناً وضعفاً عن هذا التوجيه دعوى أنّ حديث عائشة في قضية ارتضاع سالم من زوجة أبي حذيفة منسوخ[50] بما دلّ على اشتراط كون الرضاع في الحولين، فإنّ دعوى النسخ لا يتلاءم مع إصرار السيدة عائشة على العمل بحكم رضاع الكبير فقد روي أنّها كانت "تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرا ، خمس رضعات ، ثم يدخل عليها ، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد"[51]. فلو نسخ لتنبهت أو نُبهت إلى خطأ ما تفعله.

وهكذا تبين أن التوجيهات المذكورة لخبر إرضاع الكبير ثلاثة وهي:

  1. دعوى الاختصاص بسالم وزوجة أبي حذيفة.
  2. أن الحكم بذلك منسوخ.
  3. أن الارتضاع لم يكن من الثدي مباشرة.

واتضح أن هذه التوجيهات غير تامة، وأن الأقرب رد هذا الخبر.

الصنف الثاني: ما أدرج تحت العنوان المذكور لوجود مانع إثباتي جعل الفقيه يمتنع عن تعميم الحكم لغير المورد، لقصور الدليل، لا لكون الحكم واقعاً مختصاً بالمورد المذكور، ونحن نلاحظ أنّ كثيراً من الموارد التي أدرجها الفقهاء تحت عنوان "واقعة عين"، أو " قضية في واقعة" قد يكون امتناع الفقيه فيها عن تعميم الحكم صحيحاً، بيد أنّ عدم إمكان التعميم ليس بسبب كون مضمون النص يمثل قضية شخصية، وأن الحكم واقعاً مختص بهذا المورد ولا يتعداه، وإنما لوجود مانع إثباتي يمنع من استفادة الإطلاق من النص، والمانع:

 منها: أن ينقل النص فعلاً من أفعال النبي (ص) أو الإمام (ع)، والأفعال لا لسان لها، لكي يستفاد منها الإطلاق والعموم[52]، وذلك من قبيل خبر عبد الرحمان بن كعب بن مالك، أنّ أباه مالك كان يستغفر لأسعد بن زرارة، ويقول: "كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة .. قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلا"[53].

وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلاً، وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعمر بن عبد العزيز"[54].

وردّ النافون لاشتراط الأربعين، بأن "هذه واقعة عين.. وقد تقرر في الأصول أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم"[55].

ولا يخفى أنّ كون هذا المورد "واقعة عين" تمنع من التعميم، لا يراد به أنه قضية شخصية، وإنما المراد أنّ ثمة قصوراً في الدليل يمنع من التعميم، فإنّ اجتماع الأربعين في أول صلاة جمعة هو فعل من الأفعال، وهو لا يدل على نفي مشروعية الصلاة بحضور ما دون الأربعين.   

ومنها: أن يلاحظ الفقيه - وبحسب ما نقل لنا في الروايات - أن الملابسات الداعية إلى اتخاذ هذا الحكم المخالف للقاعدة غير واضحة، ولم يستطع تشخيص كل العناصر الداخلة في الموضوع بما يسمح بتعميم الموقف إلى نظائر المقام، وربما كانت القضيّة المنقولة إلينا غير واضحة المعالم بسبب إجمال المنقول وضياع بعض القرائن، ما يجعلُ القضيّة غير واضحة بكل ملابساتها وحدودها، ففي مثل ذلك نضطر إلى التعامل مع ذلك الموقف على أنه من قبيل القضية في واقعة أو " واقعة عين"، ولا يتعدى عن مورده، وهذا ما يظهر من بعض الفقهاء، ففي مسألة جواز استرقاق الأسير إذا أسلم أو عدم جوازه، علق المحقق الكركي على ما رواه الشيخ الطوسي مما يتضمن "مفاداة النبي صلى الله عليه وآله الذي أسره أصحابه"[56]، قائلاً: "ولا دلالة فيها أيضاً، لأنها واقعة عين لا عموم لها، ولا نعلم حال ذلك الأسير كيف كان ، والتمسك بالاستصحاب قوي"[57].

وثمة مثال آخر من هذا القبيل، أي يكون الإمام (ع) قد اطلع في القضية التي قضى فيها بحكم معين هو خلاف ما تقتضيه القواعد على أمرٍ خفي علينا ما أوجب صدور هذا الحكم منه، والمثال: ما جاء في الخبر عن عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيه قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا رَفَعَه إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع بِرَجُلٍ وُجِدَ فِي خَرِبَةٍ وبِيَدِه سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ وإِذَا رَجُلٌ مَذْبُوحٌ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِه فَقَالَ لَه أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع مَا تَقُولُ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا قَتَلْتُه قَالَ اذْهَبُوا بِه فَاقْتُلُوه بِه فَلَمَّا ذَهَبُوا بِه لِيَقْتُلُوه بِه أَقْبَلَ رَجُلٌ مُسْرِعاً فَقَالَ لَا تَعْجَلُوا ورُدُّوه إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فَرَدُّوه فَقَالَ واللَّه يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا صَاحِبَه أَنَا قَتَلْتُه فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لِلأَوَّلِ مَا حَمَلَكَ عَلَى إِقْرَارِكَ عَلَى نَفْسِكَ ولَمْ تَفْعَلْ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ومَا كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ وقَدْ شَهِدَ عَلَيَّ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ وأَخَذُونِي وبِيَدِي سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ والرَّجُلُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِه وأَنَا قَائِمٌ عَلَيْه وخِفْتُ الضَّرْبَ فَأَقْرَرْتُ وأَنَا رَجُلٌ كُنْتُ ذَبَحْتُ بِجَنْبِ هَذِه الْخَرِبَةِ شَاةً وأَخَذَنِي الْبَوْلُ فَدَخَلْتُ الْخَرِبَةَ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِه فَقُمْتُ مُتَعَجِّباً فَدَخَلَ عَلَيَّ هَؤُلَاءِ فَأَخَذُونِي فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع خُذُوا هَذَيْنِ فَاذْهَبُوا بِهِمَا إِلَى الْحَسَنِ وقُصُّوا عَلَيْه قِصَّتَهُمَا وقُولُوا لَه مَا الْحُكْمُ فِيهِمَا فَذَهَبُوا إِلَى الْحَسَنِ ع وقَصُّوا عَلَيْه قِصَّتَهُمَا فَقَالَ الْحَسَنُ ع قُولُوا لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَّ هَذَا إِنْ كَانَ ذَبَحَ ذَاكَ فَقَدْ أَحْيَا هَذَا وقَدْ قَالَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ * ( ومَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) * ( 1 ) يُخَلَّى عَنْهُمَا وتُخْرَجُ دِيَةُ الْمَذْبُوحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ"[58]. يقول ابن فهد الحلي تعليقاً على هذه الرواية: " الحق : أن هذه قضية في واقعة ، وقضايا الوقائع لا يجب تعديها إلى نظائرها ، لجواز اطلاعه عليه السلام على ما يوجب ذلك الحكم في تلك الواقعة ، فالآن لو وقعت مثل هذه القضية ، لم يجز للفقيه أن يحكم بمثل هذا الحكم ، لجواز التواطئ من المقرين على قتل المسلم ، وإسقاط القصاص والدية بحيلة الإقرارين ، بل الحكم فيهما تخير الولي وتصديق أيهما شاء ، لأن رجوع المقر غير مقبول"[59].

ومنها: أنّ الحكم الصادر عن النبي (ص) قد يكون حكماً تدبيرياً وليس حكماً تشريعياً، وبسبب غفلة الفقيه عن ذلك، وظنه أن مضمونه حكم تشريعي، فإنه يحمل الخبر على كونه قضية في واقعة، ويذكر السيد الخوئي مثالاً لذلك وهو ترخيص النبي (ص) لعمه العباس في ترك المبيت في منى، فقد عده السيد قضية في واقعة، وأنّه (ص) أذن له بصفته ولياً للأمر، كما سيأتي، ولنا تأمل فيما أفاده سنذكره في المحور الثاني.

  1. خصائص النبي (ص)

وفي هذا السياق، ربما يقال: إنّ ثمّة سنخاً من الأحكام صادرة على نهج القضية الشخصية، وهي الأحكام التي اصطلح عليها بخصائص النبي (ص)، حيث لاحظ علماء المسلمين من الفقهاء والمفسرين وغيرهم أن ثمة خصائص معينة للنبي (ص) لا يشاركه فيها أحد من العباد.

 وقد بحثوا ذلك في مواضع شتى، منها: كتب التفسير عند الحديث عن الآيات التي تذكر بعض خصائصه (ص)، ومنها: كتب الأصول في سياق الحديث عن حجيّة أفعاله (ص)[60]، ومنها كتب الفقه[61] وبالأخص في كتاب النكاح[62].

 وقد ذُكر في عداد خصائصه (ص) أمور كثيرة أنهاها المحقق الحلّي في كلامه الآتي إلى خمسة عشر خصلة، بينما نجد أنّ "العلامة في التذكرة ذكر منها ما يزيد على سبعين"[63]. وثمّة من أفردها بالتصنيف[64].

 وقد عزف جمع من الفقهاء المتأخرين عن البحث في خصائص النبي (ص) الشرعيّة، ولعل ذلك بسبب خروجها عن محل الابتلاء وعدم وجود فائدة عمليّة فيها بالنسبة لآحاد المكلفين، أجل، لا ريب أن في بحثها فوائد نظرية عقدية، وهذه الفوائد العقدية هي التي دفعت السيد محمد الصدر إلى دراسة هذه الخصائص في كتابه المعروف "من وراء الفقه"[65]. وحيث إنّ بحث قضيّة الخصائص يحتاج إلى دراسة مستقلة، فإننا نكتفي هنا وفي هذه الوقفة بذكر بعض النقاط:

  • تنوع خصائصه (ص)، وبعض نماذجها

وقد صنف العلامة الحلّي خصائصه (ص)، إلى: "واجب ، ومحرّم ، ومباح ، وكرامة"، كما سيأتي في كلامه، بينما طرح المحقق الكركي تصنيفاً آخر أرجع فيه الخصائص إلى: " تغليظات وتخفيفات وكرامات"[66]. ويمكن أن نصنف الخصائص إلى صنفين أساسيين:

  • خصائص عقدية، وهي التي لها علاقة بكراماته وفضائله ومزاياه الخلقية أو غيرها.
  • خصائص تشريعيّة، وهذه الخصائص، تارة تكون في نفسه، وأخرى في أمته، والأخيرة هي الأحكام الشرعية التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، مما لم يكن موجوداً عند أهل الشرائع السماوية السابقة، أو كان موضوعاً على السابقين ورفع عن هذه الأمة، مما قد يعبّر عنه بلسان "رفع عن أمتي.."، وأشارت إليه بعض الآيات الكريمة[67].

والذي يعنينا هنا التوقف عند خصائصه (ص) الشرعيّة مما يرتبط بنفسه، دون خصائصه المعنوية أو الشرعية التي تتصل بأمته، وطبيعي أنه لا يسعنا في المقام دراسة تلك الخصائص بشكل تفصيلي، فهي كثيرة جداً وتعدّ بالعشرات، كما ذكرنا.

قال المحقق الحلي: "في خصائص النبي صلى الله عليه وآله: وهي خمسة عشر خصلة: منها ما هو في النكاح: وهو تجاوز الأربع بالعقد، وربما كان الوجه الوثوق بعدله بينهن دون غيره. والعقد بلفظ الهبة، ثم لا يلزمه بها مهر ، ابتداء ولا انتهاء. ووجوب التخيير لنسائه بين إرادته ومفارقته. وتحريم نكاح الإماء بالعقد. والاستبدال بنسائه. والزيادة عليهن ، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك}[الأحزاب 50]. ومنها ما هو خارج عن النكاح : وهو وجوب السواك . والوتر. والأضحية. وقيام الليل . وتحريم الصدقة الواجبة ، وفي المندوبة في حقه صلى الله عليه وآله خلاف. وخائنة الأعين ، وهو الغمز بها . وأبيح له الوصال في الصوم . وخص بأنه تنام عينه ولا ينام قلبه. ويبصر وراءه كما يبصر أمامه. وذكر أشياء غير ذلك من خصائصه صلى الله عليه وآله ، وهذه أظهرها"[68].

وقال العلامة الحلي: "في خصائص النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهي : واجب ، ومحرّم ، ومباح ، وكرامة:

 فالواجبات: السواك ، والوتر ، والأضحية ، وتخيير النساء ، فمن اختارت نفسها منهنّ بانت ، وإذا لبس لامَتَهُ - وهي الدرع والسلاح - لا ينزعها حتّى يلقى العدوّ ، وقيامُ الليل ، ثم نسخ بقوله : { فَتَهجَّدْ بِهِ نافلةً لك} [الإسراء 79].

والمحرّمات: الكتابة، وقول الشعر وتعليمه ، وأخذ الصدقة الواجبة والمندوبة، ونكاح الكتابيّات ، وخائنة الأعين، وهو الغمز بها ، بل كان (عليه السلام) يصرّح بشئ من غير تعريض.

 والمباحات: الوصال بمعنى أنّه كان يطوي الليل بلا أكل وشرب مع صيام النهار ، لا أن يكون صائماً ، وأن يحمي لنفسه وأبيح له الغنائم والفئ ، وأن يصطفي من الغنيمة ، وأن يصلّي أين شاء من الأرض ، ويتطهّر بأيّ تراب منها كان ، ولم يكن لأحد قبله ذلك ، وقيل : أُبيح له أخذ الماء من العطشان وأبيح له أن يتزوّج ما شاء بغير حصر ، وأن يتزوّج بلا مهر. واختلف في خمس: أن يتزوّج بلا وليّ ، ولا شهود ، وهما ثابتان عندنا لكلّ أحد ، وأن يتزوّج مُحرماً على خلاف ، قال الشيخ ( رحمه الله ) الظاهر أنّه محرّم عليه أيضاً، وبلفظ الهبة ، وإذا قسّم لواحدة من نسائه وبات عندها ، هل يجب عليه القسمة للباقيات؟ خلافٌ.

والكرامات: بُعث إلى الجميع، واختصّ كلّ نبيّ ببعثه إلى قوم، وساوى الأنبياء كلَّهم في معجزاتهم، وخصّ بالقرآن وبقائه إلى البعث ، ونصر بالرعب ، وجعلت زوجاته أُمّهات المؤمنين ، وحرمن على غيره من بعده ، وكان ينام عينه ولا ينام قلبه ، ويرى من خلفه كما يرى من قدامه"[69].

  • ليس كل ما ذكر في الخصائص تاماً

إنّ كثيراً مما ذكر في خصائصه الشرعية (ص)، هو محلّ نقاش بل منع. وسأكتفي بذكر نموذج واحد وهو أنّه من حقه (ص) الزيادة على الأربع، وفي هذا الصدد نقول: إنّ زيادة عدد نساء النبي (ص) عن الأربع (تسع أو أكثر) هو أمر متسالم عليه، ولكنّ السؤال: كيف نفهم ذلك مع أنّ القرآن الكريم وضع الأربع سقفًا لا يجوز لمسلم الزيادة عليه أو تخطيه، قال تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]؟!
وقد أجيب على ذلك بأنّ جواز زيادته على الأربع يمثّل استثناءً اختُصّ به النبي (ص) من بين سائر المسلمين، وقد عقدوا بابًا خاصًا في الكتب الفقهية تحدّثوا فيه عن خصائص النبي (ص) في أمور الزواج والطلاق وغير ذلك.
إلّا أن ثمة تفسيرًا آخر أقرب إلى الصواب[70] تبناه السيد إسماعيل الصدر ) يُخرج الزيادة على الأربع عن كونها امتيازًا لرسول الله (ص) اختصّه الله به وميّزه عمًا سواه، وخلاصة هذا التفسير أنه وبعد أن نزلت الآية المباركة بتحديد الزواج بأربع من النساء، كان على كلّ مسلم عنده أكثر من أربع زوجات أن يطلّق ويخلي سبيل من زاد على الأربع، ولكن الله سبحانه وتعالى استثنى نبيّه (ص) من هذا التشريع (طلاق من زاد على الأربع)، وذلك لأنّ نساءه (ص) هُنّ أمهات المؤمنين، ولا يجوز لهنّ التزوج بسواه، سواء في حياته أو بعد موته، ولا يجوز لغيره من الرجال التزوج بهنّ، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم، قال تعالى {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: 53]، فلو أنّه (ص) اختار أربعًا منهن، وفارق البقيّة لشقّ ذلك على المطلّقات، فإنهن ممنوعات من الزواج بغيره، كما أنّهن قد لا يجدن من يَعولُهن، فما اختُص به النبي (ص) ليس هوا جواز الزيادة عىل أربع، وإنّما هو جواز الإبقاء على ما زاد على الأربع، للحكمة المشار إليها، ولذا لم يتزوج النبي (ص) بعد أن نزلت الآية المذكورة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تبرير جواز الزيادة على الأربع له (ص) بالوثوق بعدالته كما جاء في كلام المحقق الحلي في الشرائع هو تبرير غير صحيح، لأنّ الوثوق موجود في الأئمة المعصومين، ومع ذلك لم يحل لهم الزيادة على الأربع، قال المفلح الصيمري: "الوثوق بالعدل ليس علة تامة لإباحة تجاوز الأربع بالعقد، وإلا لسرت إلى غيره ممن يحصل الوثوق بعدله من المعصومين، وإلا لكان كل واحد من أئمتنا عليهم السلام يباح له ذلك الموثوق  بعدله فلما لم ( يباح ذلك ) لهم بإجماع المسلمين مع الوثوق بعدلهم عندنا ثبت أنّ الوثوق بالعدل ليس علة تامة للإباحة ، وإنّما الوجه في ذلك الإكرام والتفضيل من اللَّه تعالى لنبيه صلَّى اللَّه عليه وآله ليحصل له التمييز عن غيره من رعيته"[71].

  • ما هو الأصل؟

إذا عُلم أنّ حكم ما هو من خصائصه (ص) التي لا يشاركه فيها أحد، أو علم أنه ليس من خصائصه، وإنما هو حكمٌ شاملٌ له ولغيره من المكلفين، فلا مشكلة في البين، فيُتبّع الدليل، وأمّا إذا شكّ في الأمر، ولم يدرِ أن الحكم من خصائصه أو ليس منها، فهل من أصل يرجع إليه في المسألة؟

وغير خافٍ أنّ التساؤل إنّما يطرح في الخصائص التشريعيّة فقط، وذلك لأنّ الخصائص المعنوية - كالكرامات والفضائل - لها ميزان خاص يختلف تماماً عن ميزان القوانين والتشريعات، فالفضائل والكمالات النفسية والكرامات لا ينالها كل الناس، ويتفاوتون فيها تبعاً لتفاوت قربهم الروحي والمعنوي من الله تعالى، وما يقتضيه لطفه في عباده، وأما التشريعات والقوانين، فالأصل فيها عدم التفاوت بين أفراد الناس، وعدم وجود استثناءات،  فكل الناس من الأنبياء والأولياء فما دون سواسية أمام شرع الله تعالى، وأمام سلطة القانون، والنبي (ص) أولى الناس باتباع ما جاء في شريعته، ومن هنا تكون الخصائص التشريعية حالة اسثتنائية، ولا يصار إليها إلا بدليل خاص.

 ويمكن أن يستدل لأصالة عدم الخصوصيّة بمطلقات وعمومات ما دلّ على التأسي به (ص)[72] واتباعه[73]، وإطاعته[74] فيما جاء به، ولا نرفع اليد عن هذه الإطلاقات إلا بما قام الدليل على أنه من خصوصياته، وعليه، ففي موراد احتمال الخصوصيّة، يمكن الرجوع إلى أصالة عدم الخصوصيّة وإلحاق غيره معه في الحكم. اللهم إلا أن يقال: إنّ التمسك بأدلة التأسي في موارد الشك واحتمال الخصوصيّة هو من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

  • التأسي والاقتداء به فيما هو من خصائصه

وربما بقال: إنه حتى على فرض ثبوت أن الأمر من خصائصه فهذا لا يمنع من التمسك بعمومات ومطلقات التأسي به، كما يظهر من بعضهم، فيما خالف آخرون وقالوا إنه لا مجال للتأسي في ذلك، قال الشوكاني مشيراً إلى الأقوال في المسألة: "ما عُلم اختصاصه به صلى الله عليه وآله وسلم كالوصال والزيادة على أربع فهو خاص به لا يشاركه فيه غيره، وتوقف إمام الحرمين في أنه هل يمنع التأسي به أم لا، وقال: ليس عندنا نقلٌ لفظي أو معنوي في أنّ الصحابة كانوا يقتدون به صلى الله عليه وآله وسلم في هذا النوع ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك فهذا محل التوقف، وفرّق الشيخ أبو شامة المقدسي في كتابه في الأفعال بين المباح والواجب، فقال: ليس لأحد الاقتداء به فيما هو مباح له كالزيادة على الأربع، ويستحب الاقتداء به في الواجب عليه، كالضحى والوتر، وكذا فيما هو محرم عليه كأكل ذي الرائحة الكريهة، وطلاق من تكره صحبته. والحق أنه لا يقتدي به فيما صرح لنا بأنه خاص به كائنا ما كان إلا بشرع يخصنا، فإذا قال مثلاً: هذا واجب عليّ مندوب لكم، كان فعلنا لذلك الفعل لكونه أرشدنا إلى كونه مندوبا لنا، لا كونه واجبا عليه، وإن قال هذا مباح لي أو حلال ولم يزد على ذلك، لم يكن لنا أن نقول هو مباح لنا أو حلال لنا، وذلك كالوصال فليس لنا أن نواصل، هذا على فرض عدم ورود ما يدل على كراهة الوصال لنا، أما لو ورد ما يدل على ذلك كما ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم واصل أياما تنكيلاً لمن لم ينته عن الوصال فهذا لا يجوز لنا فعله بهذا الدليل الذي ورد عنه، ولا يعتبر باقتداء من اقتدى به فيه، كابن الزبير، وأمّا لو قال: هذا حرام علي وحدي، ولم يقل حلال لكم، فلا بأس بالتنزه عن فعل ذلك الشيء، أمّا لو قال: حرام عليٌّ حلالٌ لكم، فلا يشرع التنزه عن فعل ذلك الشيء، فليس في ترك الحلال ورع"[75].

ويمكن القول: إنّ الخصوصية:

  1. إن كانت من قبيل إباحة ما هو محظور في الشرع، ( كالزيادة على الأربع، بصرف النظر عما ذكرناه) فلا معنى للتأسي به في ذلك، كما هو واضح.
  2. وإن كانت من قبيل إلزامه (ص) بالتنزه عن عمل هو قبيح عرفاً ومكروه شرعاً فثمة وجه للتأسي به في أصل الاجتناب، لأنّ عدم إلزام غيره بالتنزه هو من قبيل الرخصة لا العزيمة.
  3. وإن كانت إلزاماً له (ص) بالفعل في عملٍ هو من مكارم الأخلاق مع عدم كونه عبادة، فالأمر كما في سابقه، أي يمكن التأسي به (ص)، لأنّ عدم إلزام الغير بالفعل هو رخصة وليس عزيمة.
  4.  وأما إذا كانت الخصوصيّة من قبيل فعله (ص) لعملٍ على وجه العبادة، فلا وجه للتأسي به، لانتفاء الأمر لغيره، فيكون إتيان الغير بالعمل على وجه العبادة تشريعاً محرماً، إلا أن يكتفى بوجود الملاك، ويقال: إن سقوط الأمر العبادي في البين، لا لعدم الملاك رأساً، بل لغرض التوسعة على العبد.
  • ما الحكمة في هذه الخصوصية؟

 ولا يخفى أنّ خصوصية النبي (ص) في بعض الأحكام ليست جزافاً وإنما لها حكمة خاصة، إمّا تهذيباً وتهيئة له، كما في أمره بقيام الليل، ليكون على استعداد لتلقي الوحي وحمل رسالة السماء، قال تعالى: { قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}[المزمل]، أو توقيراً واحتراماً له، كما في تحريم الزواج بنسائه من بعد، قال تعالى: { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا }[الأحزاب 53]. وإما تنزيها له عن بعض ما لا يليق بمقامه الرسالي، كقول الشعر، قال تعالى: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ}[يس: 69]، إلى غير ذلك من الحِكَم.

ثالثاً: التشريع في الزمان والمكان الخاصين

وأما الحديث عن محدودية الحكم الشرعي بلحاظ الزمن والمكان، ومدى تأثره بتغيّرهما، فهو من أهمّ الأبحاث المطروحة اليوم، وإن كانت لها جذور تاريخية، وفي الواقع لا يسعُ الفقيه والباحث أن يتحدث عن قدرة الشريعة الإسلامية على مواكبة المتغيرات والتطورات الإنسانية، إلاّ أنْ يعرِّج على بيان دور الزمان والمكان في عمليّة التشريع، ليبحث عما إذا كان الحكم الشرعي يتغيّر بتغير الزمان والمكان.

 وأعتقد أنّ على العقل الفقهي والأصولي أن يولي هذه المسألة أهميّة خاصة، وفق مقاربات جادة وغير محكومة لهاجس الخروج عن الإجماع أو خوف التأسيس لفقه جديد أو غيرها من هواجس تعيق الفكر عن الإبداع والتجديد.

والأسئلة المطروحة في المقام هي: هل أحكام الشريعة فوق الزمان والمكان؟

 ما المقصود بالزمان والمكان؟

ما الموجب لطرح المسألة؟ (البحث الثبوتي)، فالله تعالى هو المشرّع وهو فوق الزمان والمكان وهو العالم بما يصلح العباد وما يضرّهم؟

وهل يمكن الالتزام بأنّ للزمان والمكان دوراً في عملية الاستنباط؟ ما هي أدلة المثبتين وأدلة الرافضين (البحث الإثباتي)

ما المقصود بالتغيّر الذي يتركه اختلاف أو تبدل الزمان والمكان؟

وإذا كان للزمان دخل في أحكام الشرع، فهل هو يؤثر على الحكم الشرعي نفسه أم على موضوع الحكم الشرعي ومتعلقه؟ وماذا عن دور الزمان والمكان في التأثير على فهم النص وتشكيل وعي الفقيه والمجتهد؟

 وهل يمكن لمجتهد اليوم أن يكون ملماً بوسائل الاستنباط الفقهي المعروفة وحافظاً لآيات الأحكام وأحاديثها وشروحها والمتون فقط، دون أن يكون عالماً بزمانه ودون أن يتوفر له الوعي المنفتح على آفاق الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية المعاصرة؟!   

  1. مفهوم الزمان والمكان

   ليس المقصود بالزمان والمكان المعنى الفلسفي لهاتين الكلمتين، ولا المقصود بهما وعاء الأحداث والتغيير، بل المقصود بهما التأريخ والجغرافيا، وهذان ليسا وعائين للتغيير فحسب، بل هما عاملان من عوامل التغيير أيضاً[76]. إنّ الزمان والمكان عنصران مؤثران بما يكتنفهما من تغيّرات في الفكر والسلوك والعواطف والعادات وأنماط العيش..

  إذا اتضح ذلك نقول: إنّ الزمان والمكان بهذا المعنى يدخلان في حساب المشرع الإسلامي أثناء عملية التقنين والتشريع، أو قل: في مقدمات هذه العمليّة، أعني في مرحلة الملاك، كما يدخلان في العملية الاجتهادية التي يتولاها الفقيه، ولهما دورهما المباشر في تغيير الكثير من موضوعات الأحكام الشرعية، أو خلق عناوين حاكمة على العناوين الأولية، أو ما إلى ذلك مما يأتي تفصيله.

  1. تاريخ المسألة في كلمات الفقهاء

إنّ مسألة دور الزمان والمكان في عمليات التشريع والتي كثر التداول فيها في هذا العصر، لها جذورها التاريخية كما قلنا، فقد وجدناها مطروحة في كلمات بعض الفقهاء، غاية ما هناك أنّه لم يُعمل على تقعيدها وتأصيلها وبيان ضوابطها وشروطها بما فيه الكفاية، وفيما يلي ننقل بعض كلمات الفقهاء الذين وجدنا أنهم قاربوا المسألة بشكل أو بآخر، وأشاروا إلى دور الزمان والمكان في التأثير على الأحكام وتغييرها من خلال تأثيرهما على موضوعات الأحكام ومتعلقاتها، ومن ثمّ نطلّ بعد ذلك على المقاربة التقعيدية لهذه المسألة:

النص الأول: يقول الشهيد الأول: "يجوز تغيّر الأحكام بتغيّر العادات، كما في النقود المتعاورة والأوزان المتداولة، ونفقات الزوجات والأقارب فإنها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه ، وكذا تقدير العواري بالعوائد. ومنه : الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق ، فالمروي تقديم قول الزوج، عملا بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول ، ومنه : إذا قدم شيئا قبل الدخول كان مهرا إذا لم يسم غيره ، تبعا لتلك العادة . فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة، واحتساب ذلك من مهر المثل . ومنه : اعتبار الشبر في الكر ، والذراع في المسافة ، فإنه معتبر بما تقدم ، لا بما هو الآن ، إن ثبت اختلاف المقادير ، كما هو الظاهر"[77].

النص الثاني: يقول المحقق الأردبيلي: "بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص ، وهو ظاهر ، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف ، امتياز أهل العلم والفقهاء شكر الله سعيهم"[78].

النص الثالث: وهو للشيخ جعفر كاشف الغطاء ( 1228هـ) يقول: "والتحقيق أنّ تبدل الأحكام بتبدل الموضوعات، ليس من باب التشريع والإبداع، مثلاً يستحل ( يستحب) للنساء التزين لرجالهن، فمنذ كان لبس السواد زينة استحب، فإذا انعكس وصار الميل إلى الأحمر والأصفر انعكس الخطاب. وألوان اللباس تختلف باختلاف الناس، ففي كل بلاد يستحب لون ونوع، فإنه قد يكون في مكان لباس شهرة، وفي آخر بعكسه، وفي موضع من لباس النساء، وفي موضع بعكسه. وكذا كانت رغبة الناس في طيب الكافور، فكرهه اليوم. وكذلك إكرام الضيف بالمآكل، وكذا المراكب، فيختلف الحال باختلاف الأحوال. وكذا طريق التواضع، وتعلية البناء، ولباس الزهد. والزهد في المأكول يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والمقاصد، وعلى ذلك مبنى كثير من اختلاف الأخبار. وكذا يستحب التأهب لجهاد الكفار بأحسن السلاح، وكان أطيبها السيوف والرماح، وصار الأحسن في هذه الأيام (التفك) المعروف بين الأنام. وكذا الوصول إلى بعض الأرضين لا يستحب، حتى تجعل مقبرة للمسلمين. فاختلاف الأزمنة والأمكنة والجهات ، قد يبعث على اختلاف الأحكام، لاختلاف الموضوعات، وربما بني على ذلك اختلاف كثير من الأخبار، وطريقة المسلمين على اختلاف الأعصار"[79].

النص الرابع: ما ذكره ابن عابدين ( 1252هـ) في الدر المحتار من أنه لا يجوز - في المذهب الحنفي - العزل عن الزوجة إلا بإذنها، ثم ينقل عن بعض مشايخ المذهب أنه "إن خاف من الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها لفساد الزمان ، فليعتبر مثله من الأعذار مسقطا لأذنها". ثمّ يضيف: "أن منقول المذهب عدم الإباحة، وأن هذا تقييد من مشايخ المذهب لتغير بعض الأحكام بتغير الزمان"[80].

النص الرابع: هو للسيد محسن الأمين العاملي، يقول (رحمه الله): "الأفعال تختلف أحكامها باختلاف القصد الموجب لاختلاف العنوان وتبدل الموضوع، وباختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال والأشخاص الموجب لذلك. وهذا معنى ما اشتهر أنّ الأحكام تتغير بتغير الأزمان. أمّا اختلافها باختلاف القصد فكضرب اليتيم فإنّه محرم بقصد الايذاء، راجح بقصد التأديب، وكغيبة المسلم فإنّها محرمة بقصد الانتقاص، واجبة بقصد نهيه عن المنكر أو نصح المستشير أو إقامة الحق في مقام جرح الشاهد، وكالسجود عند قبر النبي (ص) فإنّه راجح مستحب بقصد الشكر لله تعالى على توفيقه لزيارته، محرم بقصد السجود للنبي (ص) لعدم جواز السجود لغير الله تعالى، إلى غير ذلك. وأمّا اختلافها باختلاف الأزمان والأشخاص والأحوال، فكلبس الأزرق مثلاً حيث يعد زينة في بعض الأزمان أو الأمكنة فيحرم على الزوجة في وقت الحداد ويستحب إذا أرادت التزين لزوجها، وكلباس الشهرة ولباس النساء المحرم على الرجال وبالعكس فإنّه يختلف باختلاف الأزمان والأشخاص والأمكنة، وكدفن المؤمن الجليل القدر قريباً من المزبلة فإنّه يعد إهانة له فيحرم، وكإنزال الضيف الشريف في مرابط الدواب فإنّه يعد إهانة مع إمكان غيره، بخلاف المكاري، وقد يكون ترك القيام للشخص في زمان أو بلاد يعد إهانة له فيحرم، وفي زمان آخر أو بلاد أخرى لا يعد فلا يحرم، وملبوس الزهد ومأكوله يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال، وكهدم قبور الأنبياء والأولياء وقبابهم ومشاهدهم فهبْ إنّه كان منهياً عن البناء نهي كراهة أو تحريم إلا أنّ الهدم صار يعد في هذا الزمان إهانة لهم فيتعارض عنوان واجب وهو الهدم وعنوان محرم وهو الإهانة فيقدم الأهم، ولا شك أنّ مراعاة عدم إهانة النبي أو الولي أهم من كل شئ"[81].

وقد يناقش البعض في بعض التفاصيل التي ذكرها هؤلاء الأعلام، إلا أنّ أصل المبدأ الذي ذكروه صحيح، وهو أنّ الأحكام قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال.

إلى ما تقدم، فإنّ الكثير من الفقهاء، في موارد مختلفة من الأبواب الفقهية يحملون بعض النصوص على ظرف زماني أو مكاني خاصين، وسيأتي في ثنايا البحوث القادمة بعض النماذج لذلك، من قبيل حمل الشيخ الصدوق لصنف من التراث الروائي الطبي على أنه وارد على هواء مكة والمدينة[82].

  1.  مسار البحث ومراحله

  إذا اتضح ذلك نقول: إنّ الزمان والمكان بهذا المعنى يمكن تصوّر أن يكون لهما تأثير في عملية التقنين والتشريع أو ما يتصل بها في عدة مستويات، وقبل أن نذكر هذه المستويات، نتطرق إلى بيان مقدمة علميّة أصوليّة نطرحها أمام القارئ بشكل مختصر ومبسّط. وخلاصتها أنّ عملية التشريع تتقوم بثلاثة عناصر:

  •  الحكم: وهو التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الانسان، وذلك من قبيل الإلزام الشرعي بالفعل (الوجوب) أو الترك (الحرمة) ويرد الإلزام بصيغة "يجب" أو "افعل" أو نحو ذلك، والتحريم بصيغة "يحرم" أو "لا تفعل" أو نحو ذلك، والحكم الشرعي يمر بمرحلة ثبوتية وأخرى إثباتية[83]
  • المتعلق: وهو فعل المكلف الذي ينصبّ عليه الوجوب أو التحريم ويتعلّق به، فالشرب والأكل والنكاح والصلاة .. هي متعلقات الأحكام.
  • الموضوع: هو ما يتعلق به فعل المكلف (ولهذا يسمى متعلّق المتعلّق).

 ولا بدّ أن يعلم أنّ الحكم هو من مسؤوليّة المشرّع، فهو بيده والأمر إليه، وتشريعه للحكم غير متوقف على وجود الموضوع خارجاً، بل يكفي وجوده الذهني، فالمشرّع يفترض الموضوع مقدّر الوجود عند جعل الحكم، إلا أنّ فعليّة الحكم على المكلف هي بفعليّة موضوعه، وعليه، فالحكم لا يدعو إلى إيجاد موضوعه ولا يتحمل المكلف مسؤولية إيجاد الموضوع، بخلاف المتعلق، فهو من مسؤوليّة المكلّف ويطلب منه إيجاده عند تحقق الموضوع، إذا كان الحكم وجوبياً، أو اجتنابه إذا كان الحكم تحريمياً، فالفرق بين متعلق الحكم وموضوعه، أنّ متعلق الحكم هو الأفعال كالشرب مثلاً، وموضوعه هو الأعيان كالخمر مثلاً.

 والمثال الذي يوضح العناصر الثلاثة المذكورة هو قول المشرع في الأمر مثلاً: "يجب إكرام الفقير"، فـ"يجب" هو الحكم وهو بيد الشارع، و"الإكرام" هو المتعلّق وهو من فعل المكلف، و"الفقير" هو الموضوع.

 ونحوه في النهي قوله: "يحرم شرب الخمر" فـ "يحرم" هو الحكم، و"الشرب" هو المتعلق، و"الخمر" هو الموضوع. 

وباتضاح ذلك نقول: إنّ دخالة الزمان والمكان في عملية التشريع يمكن تصورها في العناصر الثلاثة المشار إليها، أعني في الحكم الشرعي نفسه، وفي متعلقه، وفي موضوعه، ودخلهما في الحكم إنما هو بلحاظ دخلهما في ملاكات الحكم ومبادئه، لأنّ أحكام الشريعة - بحسب الرأي الصحيح - ليست أحكاماً جزافية وامتحانيّة بحتة، وإنما هي أحكام منطلقة من مصالح ومفاسد كامنة في متعلقاتها.

وإلى ذلك، فثمة مجال رابع لا يبتعد عن فضاء العمليّة الاجتهادية الفقهيّة ويمكن الحديث فيه عن دخالة الزمان والمكان، وهو دخالتهما (الزمان والمكان) في فهم النصّ، لأنّه بعد وصول الخطابات الشرعيّة إلى المكلفين والمخاطبين بها فقد تتنوع الاجتهادات في فهم المراد منها، لا سيما أنّ النصّ الخبري قد أحاطت به بعض الظروف والملابسات ما تسبب بخفاء مدلوله أو الشك في صدوره، أو ضياع القرائن المحتفة به، إلى غير ذلك مما يحيط به من التباسات، إنّ ذلك يجعل الحكم الشرعي غير واضح بالبداهة، فيحتاج التعرّف عليه إلى عمليّة اجتهادية يتولاها الفقيه، ومن هنا يبرز أمامنا تساؤل عن دور الزمان والمكان في فهم النص؟

ومن خلال ذلك اتضح أنّ الكلام عن دور الزمان والمكان في الحكم الشرعي ينبغي أن يقع في أربع مراحل:

الأولى: دخالتهما في الحكم الشرعي

الثانية: دخالتهما في متعلق الحكم.

الثالثة: دخالتمها في موضوع الحكم.

الرابعة: دخالتهما في فهم النص الديني.

المرحلة الأولى: دور الزمان والمكان في التأثير على ملاك الحكم

إنّ الحكم الشرعي وإنْ كان ثابتاً في نفسه ولا يتغيّر - دونما موجب - بمرور الزمان وتغيّر المكان، لكنّ هذا لا ينفي أنّ المشرّع الإسلامي نفسه قد لحظ عنصري الزمان والمكان في عملية التشريع، وذلك لأنّ من الطبيعي أنّه إذا أراد أي مشرعٍ أو مقننٍ لتشريعاته وقوانينه أن تكون واقعيّة وليست مثاليّة، وأن تكون خالدة لا مؤقتة، لا يمكنه أن يغفل أو يتجاهل دور تبدلّ الزمان والمكان في جعل التشريعات، وإنّ المقنن والمشرع الإسلامي لا يشذّ عن هذه القاعدة، ولا سيما بناء على ما هو الصحيح من أنّ الأحكام الإلهية تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في متعلقاتها، وليست هذه الأحكام مجرد أوامر أو نواهٍ اعتباطية ومزاجية، فالزمان والمكان عنصران مؤثران على ملاكات الأحكام، ويؤخذان بعين الاعتبار في عملية التشريع.

 وإنّ فكرة النسخ، سواء بين الشرائع المختلفة، أو داخل الشريعة الواحدة هو خير دليل على أنّ المشرّع يراعي اختلاف الزمان والمكان. وهكذا فإنّ المرونة التي تتسم بها الشريعة، وهكذا قواعدها الحاكمة (قواعد  النقض التشريعي)[84]، وما تشتمل عليه من مناطق فراغ تشريعي، وما نلحظه من تقلّص حجم التشريعات في دائرة فقه المعاملات والفقه العام، إنّ ذلك كله - في الواقع - يعدّ مؤشرات جليّة على هذه الحقيقة، وهي أنّ للزمان والمكان دوراً في عملية التشريع والتقنين.

  1. نماذج دالة

وبالإمكان أن نذكر جملة من الأمثلة الحيّة على مراعاة الإسلام في تشريعاته للزمان والمكان، وهي أمثلة تتصل في الأغلب بنمط الحياة المتغيّر، كقضيّة اللباس، وآداب التجمل والزينة:

  • ما ورد في شأن اللباس، فإنّ الإسلام فيما عدا إلزامه بأصل الستر الملائم للرجل والمرأة، والذي هو حكم يهدف إلى الحؤول دون تحويل المجتمع خارج نطاق الدائرة الزوجية إلى حالة فوضى أو طوارئ جنسية، مما يهدد بنسف استقرار الأسرة والمجتمع، ففيما عدا ذلك، لم يلزم بنوعية أو كيفية خاصة من الثياب، وإنّما ترك لذوق الإنسان أن يتحرك ويبدع ويأتي بالجديد، من دون الجمود على لباس فرضته العادات أو التقاليد في بعض المجتمعات، ولهذا وجدنا أنّ الأئمة (ع) اختلفت طريقتهم في كيفية ونوعية اللباس. ورد في صحيح حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ حَضَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع وقَالَ لَه رَجُلٌ: أَصْلَحَكَ اللَّه ذَكَرْتَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع كَانَ يَلْبَسُ الْخَشِنَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ ومَا أَشْبَه ذَلِكَ، ونَرَى عَلَيْكَ اللِّبَاسَ الْجَدِيدَ؟! فَقَالَ لَه: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع كَانَ يَلْبَسُ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ لَا يُنْكَرُ عَلَيْه ولَوْ لَبِسَ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ شُهِرَ بِه، فَخَيْرُ لِبَاسِ كُلِّ زَمَانٍ لِبَاسُ أَهْلِه، غَيْرَ أَنَّ قَائِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ع إِذَا قَامَ لَبِسَ ثِيَابَ عَلِيٍّ ع وسَارَ بِسِيرَةِ عَلِيٍّ (ع)"[85].

وفي رواية أخرى عنه (ع): قال له سفيان بن عيينة: "إنّه يروى أنّ علي بن ابي طالب (ع) كان يلبس الخشن من الثياب وأنت تلبس القوهي (ثوب أبيض نسبة إلى قوهستان) المروي؟! قال: ويحك، إنّ علياً كان في زمان ضيق، فإذا اتسع الزمان فأبرار الزمان أولى به"[86].

  • ويمكن أن نذكر شاهداً آخر على أصل الفكرة، وهو ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: "إِذَا اسْتَوْلَى الصَّلَاحُ عَلَى الزَّمَانِ وأَهْلِه، ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْه حَوْبَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ، وإِذَا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وأَهْلِه، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ"[87]، أي أوقع نفسه في الغرر والخطر. فإنّه لو كان المراد بحسن الظن أو سوئه معناهما الحقيقي، لكان معنى ذلك أنّ حرمة سوء الظن ليس حكماً ثابتاً على مدى الأزمان، بل هو محرم حال استيلاء الصلاح على الزمان وأهله، وجائز في حال استيلاء الفساد على الزمان وأهله.

ولكن قد يقال: إنّ المراد بحسن الظن هنا الثقة العمياء بالشخص والاعتماد المطلق على صدقه في أقواله وعهوده، والمراد بسوء الظن مجرد التحفظ منه والكفّ عن معاملته، ولا يجوز الإساءة إليه بقول أو فعل حتى مع التهمة[88]، أي أنّ اختلاف الزمان وأهله ينبغي أن يغيّر في الجانب السلوكي للإنسان في تعاطيه مع الآخر، لا في الجانب التشريعي المرتبط بالله سبحانه.

 ومما يؤكد الفكرة المذكورة ما جاء في صحيحة أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَنَّه سُئِلَ عَنِ الْمُتْعَةِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْمُتْعَةَ الْيَوْمَ لَيْسَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْيَوْمِ، إِنَّهُنَّ كُنَّ يَوْمَئِذٍ يُؤْمَنَّ، والْيَوْمَ لَا يُؤْمَنَّ فَاسْأَلُوا عَنْهُنَّ"[89].

  • ما ورد في شأن حلق شعر الرأس أو إطالته: "فمن جهة نجد أنّ رسول الله (ص) كان يطيل شعر رأسه، ففي الحديث عن الإمام الصادق (ع) عن آبائه عن علي (ع) قال: "كان رسول الله (ص) يرجّل شعره وأكثر ما كان يرجّل شعره بالماء.."[90]، ومن جهة أخرى نجد أنّ الإمام الصادق (ع): "كان يحفي رأسه إذا جزه"[91]، والإحفاء بمعنى الاستقصاء والمبالغة في حلقه. فلو استفيد من الحديثين أنّ سيرة الإمام الصادق (ع) على إحفاء شعر رأسه بينما سيرة جده المصطفى (ص) على إطالته فلا تنافي بين السيرتين، لأنّ هذه المسألة تدخل في باب العادات المتغيرة من زمان لآخر.
  • ومما يدخل في دائرة الأمور المتغيرة من زمان لآخر، قضية تغيير الشيب بالخضاب أو نحوه، فقد سئل أمير المؤمنين (ع) عن قول رسول الله (ص): "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود، فقال (ع): إنّما قال صلى الله عليه وآله ذلك والدين قل (أي اتباعه قليلون) فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه (أي انتشر واستراح) فأمرؤ وما اختار"[92]. فإنّه، ومع قطع النظر عن أنّ أمره (ص) بتغيير الشيب كان أمراً مولوياً أو تدبيرياً، ( كما سيأتي في بحث التدبيرية ) فإنّ هذا الحديث لأمير المؤمنين (ع) يكشف عن أنّ الأمر بتغير الشيب متحرك ومتغيّر من زمن لآخر، فربما يكون في زمن ما ملوباً، إمّا لإظهار جانب القوة عند المسلمين وإيهام الخصم سيما في المعركة بأنّ عنصر الشباب هو الغالب في معسكر المسلمين، وإمّا لإيجاد حاجز بين المسلمين وبين المشركين ومنع تشبههم بهم الكاشف عن انبهارهم بهم واتخاذهم مثلاً أعلى أو قدوة. ولا يبعد أن تكون الكثير من التعاليم التي ورد فيها عبارة "ولا تشبهوا باليهود أو المجوس"، قاصدة لهذا المعنى، ولكن في زمن آخر وعند تغير وارتفاع هذه الحيثيات يتغير الحكم.
  1. اكتشاف الملاك بين العقل والنقل

ويبقى الأمر المهم في المقام، أنّه إذا استفيد من الشارع أنّ هذا الحكم مقيّد بزمان أو مكان خاصين، أو أنه يتغير بتغيّر الزمان أو المكان كبعض الأمثلة المتقدمة فلا نواجه مشكلة، لكن قد لا يبيّن الشارع ذلك بشكل واضح، وهنا قد يقال: إنّ المحكّم في هذه الحالات هو قاعدة "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة"[93]، أو ما يسميه الأصوليون بالإطلاق الأزماني، ولن يكون بمقدورنا الحديث عن تقيّد الحكم بزمان أو مكان خاصيْن، حتى لو احتملنا ذلك، إذ أنى لنا أن نعرف ملاكات الأحكام ومناطاتها؟ّ!

باختصار: إنّ السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نصل إلى اكتشاف الملاك لنعرف ما إذا كان مقيداً بزمان دون آخر أو بمكان دون آخر؟ وهل من وسيلة إلى ذلك؟

والجواب: هناك طريقان إلى ذلك:

الأول: طريق النص الشرعي: بأن يرد في النص بيان مناط الحكم وعلته التي يدور مدارها، وعندها لا يبقى مجال للتشكيك في أن المدار على الملاك.

الثاني: طريق العقل، ويراد بالعقل هو العقل النظري القطعي، وبيان ذلك:

إنّ للعقل مجالين، المجال النظري والمجال العملي، ويسمى الأول بالعقل النظري، والثاني هو العقل العملي:

العقل النظري وهو العقل الذي يدرك المصلحة والمفسدة، هذا فيما يتصل بالحكم الشرعي، وأما أحكام العقل النظري في غير المجال الشرعي فكثيرة.

والعقل العملي، وهو الذي يدرك الحسن والقبح، أو ما ينبغي وما لاينبغي[94].

والعقل في واقع الأمر هو واحد، ولكن ما يدركه على نحوين، فتارة يكون ما يدركه العقل مستتبعاً لجري عملي، فيصطلح عليه بالعقل العملي، وأخرى لا يستتبع جرياً عملياً فيصطلح عليه بالعقل النظري.

وحديثنا عن إدراك الملاك هو حديث عن العقل النظري. والسؤال الملّح هو أنّه هل تصل عقولنا إلى إدراك تلك المصالح والمفاسد التي يدور الحكم مدارها؟

لا يتردد العلماء بالقول: إنّه لو أدرك العقل المصلحة أو المفسدة الباعثة على جعل الحكم، فإنّه يصح تعميم الحكم حيث وجدت، وسلبه حيث انتفت، لأنّ ما أدركه العقل هو علة الحكم، وعندما يدرك العقل العلة فلا بدّ أن يدرك المعلول، لكنهم يشككون بمقدرة العقل على اكتشاف علل الأحكام وملاكاتها إلاّ في موارد نادرة، ويقولون: إنّ عقولنا قاصرة عن إدراك تلك المصالح والمفاسد بشكل قطعي، وأمّا مجرد الظن بها فلا ينفع ولا يغني عن الحق شيئاً،[95] كما أنّ القياس والاستحسان والمصالح المرسلة مما نهى الشارع عن اعتمادها، ربّما لأنّها ليست سوى طرق ظنيّة ولا تؤدي إلى القطع بالملاك أو بالحكم، ومن هنا، فيلزمنا التعبد بما ثبت في الشرع، سواء أدركت عقولنا كنهه أم لم تدركه، لأنّ ذلك مقتضى إيماننا بالله الحكيم وكتابه المصون ورسوله المعصوم الذي لاينطق عن الهوى.

ولكن يمكن أن نسجّل على هذا الكلام ملاحظة أساسية، وهي ما أشار إليه جمع من الفقهاء المعاصرين من أنّ التعبد الشرعي لا يصح جعله معياراً عاماً في كافة الحقول الشرعية، بل لا بدّ من الفصل بين حقل العبادات وغيره من الحقول، ويمكن تصور عدة حقول أساسية التي ثمة مجال لمعرفة مناطاتها:

الحقل الأول: العبادات

 وهذا الحقل يصح، بل يتعيّن جعل التعبد فيها قاعدة ومعياراً، لأنّ طابعه العام هو الثبات على مرّ الأزمنة، ولا يحتمل أن تكون العبادة واجبة في زمان دون زمان أو مكان دون مكان أو لقوم دون آخرين إلا بمقدار ما لاحظه المشرع نفسه كالقصر في السفر والإتمام في حال الحضر. كما أنّ دور الشارع هنا هو التأسيس، فلا بدّ من متابعته والتعبد بما جاء في نصوصه، وهذا لا يعني - بالطبع - أنّ العبادات هي تكاليف اعتباطيّة وأنّ التعبد فيها غير مفهوم، بل إنّ التعبد فيها ينطلق من أسس مفهومة، فالصلاة أو الصوم أو الحج وسائر العبادات لها أبعاد اجتماعية وروحية وتربوية كما هو معلوم، والتعبّد هنا هو في قالب العبادة وكيفيتها، حيث لا مجال للتبديل أو التغيير في ذلك.

كما أنّه قد يصور في بعض الأحيان دخول البعد التدبيري والزمني في بعض جوانب العبادة، كما سلف في موضوع كشف المحرم عضده أو مشيه رملاً أثناء الطواف، وقد يتصور ذلك في صلاة الجمعة وإناطتها بالحاكم العادل، كاحتمال فقهي مطروح في المسألة. 

الحقل الثاني: وهو المعاملات

 وحيث إنّ المعاملات من البيع والإجارة والمضاربة والمزارعة، هي في الأصل معاملات تبانى عليها العقلاء، فهذا يجعلها بعيدة عن التعبد الشرعي، وقال أحد الفقهاء: "لا مجال للتعبد فيها إطلاقاً، بل لا بد أن تنزل الأمور وفقاً للأدلة العليا والقواعد العامة في الشريعة ولا بدّ أن تنزل على مقاصد الشريعة وعلى ما يفهم من مناطاتها"[96].

وإننا عندما نتأمل في المعاملات نكتشف بوضوح، أنّ الشارع جرى فيها على طبق السيرة العامة للبشر مهذباً ومنظماً، فحرّم منها ما فيه إخلال بنظام السوق وما فيه ظلم وأكل مال بغير حق أو ما إلى ذلك.

على سبيل المثال

  1. سيأتي في مبحث التدبيريّة ذكرُ قضيّة بيع الثمرة قبل نضوجها، وكيف أنّ النبي نهى عنها نهياً تدبيرياً، لما رآه من شجار وخلافات، ففي صحيح الْحَلَبِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ شِرَاءِ النَّخْلِ والْكَرْمِ والثِّمَارِ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعَ سِنِينَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِه يَقُولُ إِنْ لَمْ يُخْرِجْ فِي هَذِه السَّنَةِ أَخْرَجَ فِي قَابِلٍ وإِنِ اشْتَرَيْتَه فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَشْتَرِه حَتَّى يَبْلُغَ فَإِنِ اشْتَرَيْتَه ثَلَاثَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَلَا بَأْسَ. وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الثَّمَرَةَ الْمُسَمَّاةَ مِنْ أَرْضٍ فَهَلَكَ ثَمَرَةُ تِلْكَ الأَرْضِ كُلُّهَا؟ فَقَالَ: قَدِ اخْتَصَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّه (ص) فَكَانُوا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يَدَعُونَ الْخُصُومَةَ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْبَيْعِ حَتَّى تَبْلُغَ الثَّمَرَةُ ولَمْ يُحَرِّمْه ولَكِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ خُصُومَتِهِمْ "[97].
  2.  وفي صيغ العقود يمكن الإفادة من فكرة استبعاد التعبديّة في المعاملات، وذلك لتأييد القول بأن كل ما يعتبره العقلاء وسيلة للتعاقد فهو مقبول شرعاً، ويظهر أثر ذلك في نظرتنا إلى المعاملات الجديدة كعقد التأمين أو غيره، وينعكس ذلك أيضاً على اللغة المعتمدة في إنشاء العقود، فقد ذهب جمع من العلماء إلى اعتبار العربية شرطاً في إنشاء عقد البيع وغيره من العقود والإيقاعات، وذلك تأسياً برسول الله (ص) الذي كان يجري عقوده بالعربية[98]، ولكن لا يخفى بعد هذا الكلام، لبعد التعبد في ذلك، مضافاً إلى ما سيأتي في مبحث البشرية من أنّه لا دليل على وجوب التأسي به (ص) على الإطلاق، إلا فيما علم أنّه فعله بعنوان التشريع وبيان الحكم، ولم يعلم منه ذلك في المقام بل علم عدمه"[99]، فالنبي (ص) لما كان عربياً ويعيش في بيئة عربية، فيكون تكلمه وإنشاؤه للعقود بالعربية، جرياً على سجيته الإنسانية لا من جهة استحباب أو لزوم العربية شرعاً في إنشاء العقود والإيقاعات.
  3. جواز بيع الكلب المعلم: فقد نهت بعض الروايات عن بيع الكلب[100]، واستفيد من بعضها استثناء الكلب الصيود من حرمة البيع[101]، وقد جمد بعض الفقهاء على ذلك، فمنع من بيع الكلب غير الصائد ولو كان معلماً على اكتشاف المخدرات أو غيرها، وهذا الجمود غير مبرر، وذلك لاستبعاد التعبد في المقام، قال بعض الفقهاء: "وليست المعاملات دائرة مدار التعبّد المحض والمصالح السريّة الخفيّة نظير الأحكام العباديّة، فلا محالة تنصرف أدلّة المنع - على فرض إطلاقها - إلى صورة بقاء الكلب على طبعه الأوّلي من دون أن يقع تحت التعليم الصحيح ، أو فرض تمحّض منافعه في الأمور المحرّمة شرعاً"[102]. وقد لاحظنا أنّ العلامة الحلي قد ألحق كلب الزرع والماشية بكلب الصيد في جواز البيع، مع أنّ النص وارد في الأخير[103].

    الحقل الثالث: المجال السياسي والنظامي

     وهو عبارة عن الأحكام التي ترتبط بالعلاقات الدوليّة، وتنظيم عمل السلطة وتشكيلاتها الوزارية والنيابية والبلدية والآليات الجديدة في الإدارة، وما يتصل بتنظيم علاقة الحاكم بالمواطنين، ونظام التعيينات أو قضية الانتخابات وأحكام الجنسيّة، ويدخل فيه كل ما يتصل بحفظ النظام العام، في مجال الطرقات والمواصلات والملاحة والبناء وتنظيم المدن وحركة المواصلات على أنحائها إلى إدارة عملية الجهاد والحرب إلى غير ذلك، وبديهي أنّ هذه القضايا لا تبنى في الإجمال على اعتبارات غيبية وتعبدية، وإنّما ملاكاتها واضحة ومقاصدها جليّة، ولا بدّ أن يراعى فيها حفظ النظام العام، وحفظ كرامة الإنسان، وحفظ عزّة الأمة ووحدة المجتمع الإسلامي.. ولذا كان من الطبيعي أن يخضع هذ الحقل للكثير من المرونة، وأن تتغيير الأحكام فيه بتغيّر الزمان والمكان وتبدل الظروف والتحولات السياسيّة وتغيّر موازين القوى .. وفي هذا السياق فإنّ تحديد تنظيم العمارة في المدن والأرياف مع تحديد مساحة البناء، وعدد الطوابق وسعة الطرقات، وتنظيم تنقلات الدواب أو المواشي في الطرقات العامة أو في شوراع المدن، أو تنظيم أوقات خاصة لتنقل السيارات الكبيرة، أو تحديد نوع السيارات المستعملة.. إنّ ذلك كله متروك لتقدير الحاكم الشرعي وتشخيصه للمصلحة العامة.

    وعلى سبيل المثال

    1. مثال الطريق العام، والذي تقدمت الإشارة إليه في مبحث التدبيرية، فقد دلّت بعض الروايات على أنّ عرض الطريق العام هو سبعة أذرع[1]، وفي رواية أخرى: خمسة أذرع[2]، وقد أفتى بعض الفقهاء في الماضي والحاضر بمضمون الخبر، يقول السيد الخوئي إنّ الخمسة أذرع هو "حد الطريق المعين من قبل الشرع، بل الأفضل أن يكون سبعة"[3]. ولكنّ الملاحظة سجلناها فيما سبق أنّ هذا الروايات التي تحدد الطريق بخمسة أو سبعة أذرع لا تملك إطلاقاً أزمانياً وأحوالياً، وإنّما هي ناظرة إلى الزمان والمكان الذي تكون فيه وسيلة النقل هي الحيوانات، بل هو يتسع ويضيق حسب حاجة الناس إليه، وهي متغيرة من وقت لآخر ومكان وآخر.
    2. في إدارة العلاقة مع الآخر الديني، نسأل: هل يحكمها نظام الذمة أو يمكن ابتكار نظام جديد يقوم على أساس فكرة التعاقد المبني على الشراكة؟ وهل يتعيّن علينا أخذ الجزية؟ ماذا عن المشركين؟ هل يتعيّن وضعهم أمام خيارين، إمّا السيف، أو الإسلام ولا يمكن إقرارهم على دينهم؟ وماذا عن قضية السبي، وهل بإمكاننا اعتماده اليوم؟ وهنا يوجد متسع كبير لتقديم قراءة جديدة مغايرة للسائد.

    مؤشرات ومؤيدات

    وثمّة مؤشرات عديدة تؤيد فكرة أصالة عدم التعبد في الحقلين المتقدمين، أعني في القضايا السياسيّة والاجتماعيّة والمعاملاتيّة، وهذه بعض تلك المؤشرات:

    أولاً: إنّ النصوص الشرعيّة كثيراً ما تذكر تعليلات ارتكازية، أو تحيل الأمر إلى ما هو مركوز في الذهن، من قبيل قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} [الإسراء: 15]

    ثانياً: إنّ قلة النصوص في المعاملات والبناء على الإمضاء وليس التأسيس، هو مؤشر آخر على أنّها بعيدة عن التعبد ومتروكة للعقل الفقهي ليستفيد من قواعد الشريعة ومقاصدها الكلية.

    الحقل الرابع: الأحوال الشخصيّة

     من الزواج والطلاق والميراث وما يلحق بها، وهذا الحقل يمكن أن نعدّه من الموارد الإشكالية التي قد تختلف فيه النظرة، من باب لآخر أو من مورد لآخر، فالنكاح - مثلاً - توجد فيه خصوصية معينة، وقد عرف عنهم أنّ فيه شائبة التعبد، مع أنّ هذه العبارة ليست نصاً[4]، ولا يمكن أن تقف مانعاً أمام حركة البحث الاجتهادي. وعلى سبيل المثال: فإنّ أحكام الزواج تحليلاً وتحريماً، ومن يحلّ الزواج بهن ومن يحرم.. وإنْ كانت تهدف إلى تنظيم الاجتماع البشري، ولكنّها - في الإجمال - أحكام تعبديّة تتسم بالثبات، ويمكن أن نسميّ ذلك التعبد النظامي، وما قلناه في النكاح نقوله في باب الطلاق، فالطلاق في خطوطه العريضة هو حقل تعبدي، ولا مجال لحمل أحكامه على الزماكنيّة، ومنها أحكام العِدد على اختلافها، وحتى صيغة الطلاق، وضوابطه وشروطه، لأنّ المشرّع لا بدّ أن يضع الحدود والضوابط، منعاً من الفوضى والهرج والمرج. وهكذا الحال في بابي المواريث والوصايا، فإنّها من القضايا التي ينطبق عليها ما أسميناه بالتعبد النظامي.

     ومع ذلك فلا مانع من وجود مناطق عديدة يمكن طرح السؤال عن مدى التعبد فيها، ففي النكاح مثلاً يمكن النقاش فيما يقال من ضرورة الالتزام بصيغة خاصة وباللغة العربية تحديداً، ويمكن أيضاً أن نسأل: هل يمكن أن يكون الحكم الشرعي بأن سكوت البنت كاشف عن رضاها حكماً تعبدياً ولا يقبل التغيّر ولو بتغير الظروف؟ يقول الفقيه السيد اليزدي: "ورد في الأخبار أنّ إذن البكر سكوتها عند العرض عليها وأفتي به العلماء لكنّها محمولة على ما إذا ظهر رضاها وكان سكوتها لحيائها عن النطق بذلك"[5].

    وعلق بعض الفقهاء قائلاً: "يمكن اختلاف الحكم حسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص والحالات، فلو فرضنا ورود أخبار دالَّة - بإطلاقها - على كفاية الرضا - كما هو كذلك ، لكانت محمولة على اقتضاء خاص لأحد المذكورات لا الحكم بالكفاية مطلقاً"[6].

    والحاصل أنّ بعض الدوائر الفقهيّة تظلّ محل نظر وتأمل لجهة ابتنائها على التعبد الشرعي أو عدم ابتنائها على ذلك، ويندرج في ذلك أيضاً أحكام الطهارة وأحكام الأسرة وموضوع القوامة والحضانة، وباب القصاص والديات.

    ويدخل في هذه الدوائر الإشكاليّة باب الأطعمة والأشربة، وما يحل وما يحرم، ونذكر نموذجاً لذلك، وهو ما ذكره بعض العلماء المعاصرين، حول ما شاع بين المؤمنين من تناول الملح قبل الطعام وفي ختامه، "بدعوى أنه يستحب أكله، سواء كان ذلك في البلاد الحارة أو البلاد الباردة، في الصيف أو الشتاء".  ويضيف: "يوجد نص وردت فيه نصيحة البدء بتناول الملح قبل الطعام وفي ختامه، أنا لا أقطع أنّ هذا الأمر من باب التعبد الشرعي، أنا أفهم أنّ الملح مادة غذائية لها صلة بالجسد وبكيمياوات الجسد، وأنّ الإنسان يفقد في البلاد الحارة كميّة من ماء جسده بالتعرّق، فيحتاج إلى تعويضها، وأما في البلاد الباردة أو المعتدلة إذا كانت نسبة الملح في الطعام عالية، قد لا يحتاج الإنسان إلى المزيد من الملح، وبالتالي قد لا يكون من الراجح أن يستعمل الملح في طعامه"[7].

    هذا ولكن رغم تأكيدنا على صحة المبدأ الذي انطلق منه، وهو رفض الفكرة الذاهبة إلى تعميم التعبد الشرعي على كل أقوال المعصوم وأفعاله، لكننا نريد التنبيه على نقطة مهمّة، وهي أنّه قد لا يكفي أحياناً لرفض التعبد واستبعاده مجرد ملاحظة مضمون النص، بل لا بدّ من ملاحظة لسانه التعبيري أيضاً، فإنّه قد لا يساعد على الإرشاديّة، وفي خصوص المثال المذكور، نلاحظ أنّ لسان بعض الروايات يساعد على استبعاد التعبد الشرعي في تناول الملح قبل الطعام أو بعده، وذلك لأنّ بعض هذه الروايات تتحدث عن فوائد الملح الطبية والصحيّة، وأنّه لا يستغنى عنه في الطعام[8]. ولكنّ ثمّة رواية لا تساعد على ذلك[9]

    وأكتفي بهذا القدر من الحديث التأملي النقدي في الفكرة السائدة حول تعميم التعبد إلى كل المجالات، ومع انحسار فكرة التعبد فسوف ينفتح الباب أمام الحديث عن اكتشاف الملاك.

    من كتاب: أبعاد الشخصية النبوية (دراسة أصولية في تصرفات الرسول صلى الله عليه وآله التشريعية والتدبيرية والخبروية والبشرية)


  4. [1] المعجم الأوسط، ج 9، ص 96.

    [2][2] وسائل الشيعة، الحديث 5 و6، ب11 من أبواب إحياء الموات .

    [3] منهاج الصالحين ج2 ص162.

    [4] وقد أثبتنا عدم صحتها في بحثنا حول ذلك.

    [5] العروة الوثقى ج 5 ص 624.

    [6] مدارك العروة ج 30 ص 165.

    [7] الاجتهاد والتجديد ص91.

    [8] راجع: وسائل الشيعة ج25 ب 41 من الأطعمة المباحة وب 98 من أبواب المائدة.

    [9] ففي الخبرالذي رواه الكليني بإسناده عن فَرْوَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "أَوْحَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (ع) أَنْ مُرْ قَوْمَكَ يَفْتَتِحُوا بِالْمِلْحِ ويَخْتَتِمُوا بِه وإِلَّا فَلَا يَلُومُوا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"، انظر: الكافي ج 6 ص 326، فإنّ موسى(ع) لم يكن في بلاد حارة، وإنّما في بلاد الشام أو مصر، لكنّ الحديث ضعيف السند.

 


[1] الوافي، ج 17، ص 218.

[2] دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، ج 1، ص 28.

[3] طبيعي أنّ قضايا التدبير ليست كلها كذلك، بل قد تكون أحكاماً ومقررات عامة، ولها منطلقاتها ومبرراتها العامة، فإذا وجد مبررها وموضوعها أصدر الحاكم حكمه، وبانتفائه ينتفي الحكم، ولا تكون التدبيرات كما – التشريعات - منطلقة دائماً من اعتبارات شخصيّة أو صادرة على مقاسات فرد أو أفراد معينين، وما نقوله أمرٌ عقلائي، فإنّ فتحَ باب التدبيرات الخاصة ( بالمعنى المشار إليه ) أمام الحاكم يلغي سيادة القانون، ويجعل الأمور خاضعة لمزاج الحاكم وهواه.

[4] لم نعثر عليه في المصادر الحديثية المعول عليها عند الفريقين، وإنما انتشر في كتب الفقه وأصوله، وأول من أورده من فقهاء الشيعة، هو العلامة الحلي ( 726 هـ ) في كتبه، انظر: مختلف الشيعة، ج 3، ص 154، وتذكرة الفقهاء، ج 2، ص 473، ومنتهى المطلب، ج 4، ص 222، ثم حضر في كتب من تأخر على العلامة، ومنهم الشهيد الأول في الأربعون حديثاً، وذلك في شرحه للحديث الثالث، ص 23، وفي كتبه القواعد والفوائد، ج 2، ص 187، والمقداد السيوري، في التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، ج 3، ص 416، و الكركي في جامع المقاصد، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان، ويرجح أنّ تمدد الحديث بعد ذلك إلى بعض الكتب أو الموسوعات الحديثية المتأخرة كعوالي اللئالي وبحار الأنوار، إنما جاء من كتب هؤلاء الفقهاء، هذا عند الشيعة، وإننا نرجح أنّ الحديث تسرب إلى كتب الشيعة من كتب الفقه وأصول الفقه السنيين، فقد أرسله نحمد علي الشرازي ( 476 هـ)، في كتابه اللمع في أصول الفقه، ص 81، وكذلك ابن قدامة في المغني، ج 2، ص 406، ويصرح بعض علماء السنة أن الحديث لا أصل له، يقول العجلوني: " ( حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ) وفي لفظ كحكمي على الجماعة ليس له أصل بهذا اللفظ كما قال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي ، وقال في الدرر كالزركشي لا يعرف ، وسئل عن المزي والذهبي فأنكره"، كشف الخفاء، ج 1، ص 364.

[5] القواعد الفقهية، للبجنوردي، ج 2، ص 63.

[6] نهج البلاغة ج 2 ص 7. بيان: " ما أطور به من طار يطور : حام حول الشئ ، أي ما أمر به ولا أقار به مبالغة في الابتعاد

عن العمل بما يقولون . وما سمر سمير أي مدى الدهر " وأم نجم نجماً" أي ما قصد نجم نجماً"، انظر: شرح محمد عبده.

[7] وروى أبو إسحاق الهمداني: أن امرأتين أتتا عليا (عليه السلام) ، إحداهما من العرب ، والأخرى من الموالي ، فسألتاه، فدفع إليهما دراهم وطعاما بالسواء ، فقالت إحداهما: إنّي امرأة من العرب وهذه من العجم ، فقال علي (عليه السلام) : والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفئ فضلا على بني إسحاق".

[8] في الخبر عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ بِإِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يَا جَارَةُ"، الكافي، ج 2، ص 631، وفي الخبر أيضاً أنّ المأمون سأل أبا الحسن الرضا (ع): "أخبرني عن قول الله عز وجل: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة 43] ؟ قال الرضا عليه السلام : هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله عز وجل بذلك نبيه وأراد به أمته وكذلك قوله : تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر 65]"، عيون أخبار الرضا (ع)، ج 1، ص 180.

[9] المحكم في أصول الفقه، ج 1، ص 375.

[10] السيرة النبوية لابن هشام، ج 4، ص 1064، والمغازي للواقدي، ج 2، ص 1120، الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 2، ص 190، و 249، وتاريخ مدينة دمشق، ج 2، ص 56، وكنز العمال، ج 10، ص 573،

[11] مصباح الأصول، ج 3، ص 88.

[12] علل الشرائع، ج 2، ص 452.

[13] موسوعة السيد الخوئي ج 29 ص 392.

[14] النجعة في شرح اللمعة ج 6، ص 12

[15] تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحج) ج 5 ص 408.

[16] الجذعة ما دخل في السنة الثانية.

[17] صحيح البخاري، ج 2، ص 4.

[18] فتح الباري، ج 10، ص 11.

[19] المختصر النافع، ص 277، و 297، والرسائل التسع، ص 147، شرائع الإسلام، ج 1، ص 238، كشف الرموز، ج 2، ص 508، إلى غير ذلك من الموارد.

[20] يقول الكركي تعليقاً على بعض الروايات إنها: "واقعة عين فلا عموم لها "، جامع المقاصد، ج 10، ص 45.

[21] المختصر النافع، ص 277، وكشف الرموز، ج 2، ص 511، وتحرير الأحكام/ ج 5، ص 554، وغاية المرام في شرح شرائع الإسلام، ج 4، ص 430، و432، واللمعة الدمشقية، ص 259، والتنقيح الرائع لمختصر الشرائع، ج 4، ص 275، ومسالك الأفهام، ج 6، ص 222، وهداية الأمة للحر العاملي، ج 8، ص 516، وكشف اللثام، ج 10، ص 536. وج 10، ص 648، ورياض المسائل، ج 11، ص 400.و 12، ص 458، و13، ص 125، و192، و556، و 565، و610.و 629،

[22] انظر: الرسائل التسع، ص 147، وجامع المقاصد، ج 10، ص 45، والمقتصر في شرح المختصر، ص 445، والجوهر النقي للمارديني، ج 3، ص 393، وج 5، ص 331، وج 10، 321، وفتح الباري، ج 1، ص 37، و ج 2، ص 337، و 338، و 354، وج 3، ص 169، وعمدة القاري، ج 8، ص 156،

[23] شرائع الإسلام، ج ، التنقيح الرائع، ج 4، ص 275، والدروس الرعية، ج 2، ص 364، وكشف الرموز، ج 2، ص 511، ومفتاح الكرامة، ج 17، ص 176، إلى غير ذلك.

[24] الماهل، ص 22، 

[25] الاجتهاد والتجديد ص87.

[26] قال: في بيان أسباب احتلاف علماء الإمامية في المسائل المنصوصة: " فسببه اختلاف الروايات  ظاهرا ، وقلما يوجد فيها التناقض بجميع شروطه ، وقد كانت الأئمة في زمن تقية واستتار من مخالفيهم ، فكثيرا ما يجيبون السائل على وفق معتقده ، أو معتقد بعض الحاضرين ، أو بعض من عساه يصل إليه من المناوئين ، أو يكون عاما مقصورا على سببه ، أو قضية في واقعة مختصة بها ، أو اشتباها على بعض النقلة عنهم ، أو عن الوسائط بيننا وبينهم كما وقع في الإخبار عن النبي صلى الله عليه وآله ، مع أن زمان معظم الأئمة كان أطول من الزمان الذي انتشر فيه الاسلام ووقع فيه النقل عن النبي صلى الله عليه وآله ، وكان الرواة عنهم أكثر عددا ، فهم بالاختلاف أولى "، ذكرى الشيعة، ج 1، ص 60.

[27] يقول فخر المحققين، تعليقاً على رواية "أنها قضية في واقعة فلا تعم لمخالفتها الأدلة"، إيضاح الفوائد، ج 2، ص 536.

[28] المناهل، ص 173،

[29] عوائد الأيام، ص 759.

[30] الذي حملها هو المحقق في المعتبر، انظر: ج 1، ص 258.

[31] قال الصدوق: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: "دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق ( 1 ) وقد وجه لغير القبلة فقال : وجهوه إلى القبلة فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة وأقبل الله عز وجل عليه بوجهه ، فلم يزل كذلك حتى يقبض"، من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 133.

[32] الحدائق الناضرة، ج 3، ص 356.

[33] عوائد الأيام، ج 759.

[34] عوائد الأيام، ص 762.

[35] سنن ابن ماجة، ج 1، ص 603، وسنن أبي داوود، ج 1، ص 465،

[36] سبل السلم للكحلاني، ج 3، ص 122، و

[37] ولهذا علق الكحلاني في سبل السلام قائلاً "المرأة قالت: إنه زوجها وهي كارهة، فالعلة كراهتها، فعليها علق التخيير، لأنها المذكورة فكأنه قال ( ص ): إذا كنت كارهة فأنت بالخيار . وقوله المصنف: إنها واقعة عين كلام غير صحيح بل كحكم عام لعموم علته فأينما وجد ت الكراهة ثبت الحكم "، سبل السلام، ج 3، ص 122.

[38] الكافي، ج 5، ص 31، وتهذيب الأحكام، ج 6، ص 140.

[39] شرائع الإسلام، ج 1، ص 238.

[40] فقه الصادق، ج 13، ص 93.

[41] حاشية مجمع الفائدة والبرهان، للبهبهاني، ص 442، الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع، ج 13، ص 351.

[42] صحيح مسلم، ج 4، ص 168، وسنن النسائي، ج 6، ص 106.

[43] عون المعبود، ج 6، ص 46.

[44] قال النووي: "وحملوا حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم "، شرح صحيح مسلم، ج 10، ص 31،  وقال النووي: " يتعين حمل خبر أبي حذيفة على أنه خاص له دون غيره من الناس كما قال سائر أزواجه صلى الله عليه وسلم"، المجموع، ج 18، ص 213، وقال العظيم آبادي في بيان ما وجه به الخبر: "ومنها: دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة، والأصل فيه ( ادعاء الخصوصية ) أم سلمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة"عون المعبود، ج 6، ص 46.

[45] عون المعبود، ج 6، ص 43.

[46] صحيح البخاري، ج 3، ص 150، وصحيح مسلم، ج 4، ص 170.

[47] فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج 9، ص 127.

[48] سنن الترمذي، ج 2، ص 311، وسنن النسائي، ج 3، ص 301،

[49] حواشي الشرواني، ج 8، ص 288،

[50] قال السرخسي بعد أن نقل بعض الأخبار الدالة على اشتراط كون الرضاع في الحولين: " فثبت بهذه الآثار انتساخ حكم إرضاع الكبير "، المبسوط، ج 5، ص 136، وقال أبو بكر الكاشاني: " أما حديث سالم فالجواب عن التعلق به من وجهين: أحدهما: يحتمل انه كان مخصوصا بذلك يدل عليه ما روى أن سائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أبين أن يدخل عليهن بالرضاع في حال الكبر أحد من الرجال وقلن ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل الا رخصة في سالم وحده فهذا يدل على أن سالما كان مخصوصا بذلك وما كان خصوصية بعض الناس لمعنى لا نعقله لا يحتمل القياس ولا نترك به الأصل المقرر في الشرع والثاني: إن رضاع الكبير كان محرما ثم صار منسوخا بما روينا من الأخبار"، بدائع الصنائع، ج 4، ص 6.

[51] سنن أبي داوود، ج 1، ص 457.

[52] وتعليقاً على بعض الروايات نقل السيد الخوئي عن بعض الفقهاء: أن كا جاء فيها " إمافعل لهم ( عليهم السلام ) فهو قضية في واقعة ، لا يمكن الاستدلال بها على حكم كلي"، القضاء والشهادات، ج 1، ص 80، تقرير الشيخ الجواهري،

[53] سنن ابن ماجة، ج 1، ص 344، وسنن أبي داوود، ج 1، ص 243، والمستدرك، ج 1، ص 281.

[54] نيل الأوطار، ج 3، ص 283.

[55] نيل الأوطار، ج 3، ص 283.

[56] ما أحال عليه محققو جامع المقاصد من كلام الشيخ هو ما جاء في المبسوط من أن: " عقيلاً أسلم بعد الأسر ففاداه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولم يسترقه"، المبسوط، ج 2، ص 20.

[57] جامع المقاصد، ج 3، ص 391، ومراده بالاستصحاب، أنه هذا كان يجوز استرقاقه قبل الإسلام فكذا بعده. وفي مورد آخر نلاحظ أيضاً

[58] الكافي، ج 7، ص 29، وتهذيب الأحكام، ج 10، ص 173. والخبر كما لا يخفى ضعيف السند، فالكلام أعلاه مبني على فرض التسليم بصحته.

[59] المهذب البارع، ج 5، ص 202.

[60] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ص 36.

[61] راجع شرائع الإسلام، ج 2، ص 497، وتحرير الأحكام، ج 3، ص 417، : مواهب الجليل، ج 5، ص 4، وكشف القناع، ج 5، ص 23.

[62] قال المحقق الكركي: " قد جرت عادة الفقهاء بذكر خصائص النبي صلى الله عليه وآله هنا ، لأنهم ذكروا خصائصه في النكاح ، ثم سحبوا البحث إلى خصائصه في غيره ، وقد كان المناسب الابتداء بذكر خصائصه في النكاح ، لأن غيرها مذكور هنا استطراداً"، جامع المقاصد، ج 12، ص 53. وقال الشهيد الثاني: "قد جرت عادة الفقهاء بذكر خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم عن غيره

في كتاب النكاح، لأن خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم فيه أكثر وأشهر، فأتبعوها الباقي للمناسبة.."، مسالك الأفهام، ج 7، ص 69.

[63] مسالك الأفهام، ج 7، ص 97، وجواهر الكلام، ج 29، ص 128.

[64] ذكر الشهيد الثاني "أنه أفردها بعضهم بالتصنيف في كتاب ضخم"مسالك الأفهام، ج 7، ص 97، وجواهر الكلام، ج 29، ص 128.ومن الكتب الؤلفة في هذا الصدد كتاب " نهاية السُّول في خصائص الرسول (ص)"، من تأليف ابن دحية الكلبي ( ت 633هـ). وبعضهم كتب في الخصائص تحت عنوان دلائل النبوة، وألفت عدة كتب على هذا الصعيد.

[65] من وراء الفقه ، ج 6، ص 62.

[66] جامع المقاصد، ج 12، ص 54.

[67] منها: قوله تعالى: { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } [الأعراف:157].

[68] شرائع الإسلام ج 2، ص 497.

[69] تحرير الأحكام، ج 3، ص 417.

[70] وهو السيد إسماعيل الصدر، أنظر: التعليقة على كتاب التشريع الجنائي في الإسلام، للأستاذ عبد القادر عودة، مؤسسة البعثة طهران، إيران، 1402هـ، ج 1، ص 195.

[71] غاية المرام في شرح شرائع الإسلام، ج 3، ص 17

[72] قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[].

[73] قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[].

[74] قال سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [].

[75] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ص 36.

[76] الاجتهاد والحياة ص 135.

[77] القواعد والفوائد، ج 1، ص 152. ونحوه ما في الأقطاب الفقهية، لابن أبي جمهور الأحسائي ص 49.

[78] مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان ج 3 ص 436.

[79] منهج الرشاد لمن أراد السداد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ص526

[80] الدر المحتار، ج 3، ص 192.

[81] كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب، للسيد محسن الأمين، ص 103- 104.

[82] أنظر: مصنفات الشيخ المفيد ج 5 ص 115.

[83] الحكم الشرعي يمر بمرحلتين أساسيتين: وهما:

  1. مرحلة الثبوت، أو مرحلة الملاك، وهي التي يلاحظ فيها المشرع ما عليه الفعل من مصلحة أو مفسدة، وإذا لاحظ وجود مصلحة بدرجة معينة فيه تولدت إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة، ثم يعتبر الفعل على ذمّة المكلف.
  2. مرحلة الإثبات، وهي مرحلة إبراز الحكم إلى المكلفين بجملة معينة، نظير ما يعرف لدى المقنن الوضعي من نشر القانون في الجريدة الرسمية.

 

[84] من قبيل قاعدتي: لا ضرر ولا حرج.

[85] الكافي، ج 1، ص 411، وج 4، ص 444، وعنه وسائل الشيعة، ج5، ص17، الحديث 7 الباب 7 من أبواب أحكام الملابس.

[86] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، 2، ص 691، وعنه وسائل الشيعة، مصدر سابق الحديث 11.

[87] نهج البلاغة، ج 4، ص 27.

[88] في ظلال نهج البلاغة ج4 ص289.

[89] الكافي، ج 5، ص 453، ومن لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 459، وتهذيب الأحكام، ج 7، ص 251.

[90] مكارم الأخلاق ص 69، سنن النبي للطباطبائي ص147.

[91] تهذيب الأحكام ج1 ص62.

[92] نهج البلاغة قصار الحكم.

[93] وهي قاعدة ثابتة ومنصوصة، ففي صحيحة زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع )عَنِ الْحَلَالِ والْحَرَامِ فَقَالَ: حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وحَرَامُه حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ غَيْرُه ولَا يَجِيءُ غَيْرُه، وقَالَ قَالَ عَلِيٌّ ع): مَا أَحَدٌ ابْتَدَعَ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ بِهَا سُنَّةً"، الكافي، ج 1، ص 58.

 

[94] انظر: كتاب أصول الجتهاد الكلامي ص 277.

[95] يقول الشيخ الأنصاري:" نعم ، الإنصاف أن الركون إلى العقل فيما يتعلق بإدراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام ، موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الأمر ، وإن لم يحتمل ذلك عند المدرك"، انظر: فرائد الأصول ج 1 ص 62. وقال السيد الشهيد:" لا شك في أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد وان الملاك متى ما تم بكل خصوصياته وشرائطه وتجرد عن الموانع عن التأثير كان بحكم العلة التامة الداعية للمولى إلى جعل الحكم على طبقه وفقا لحكمته تعالى، وعلى هذا الأساس فمن الممكن نظريا ان نفترض ادراك العقل النظري لذلك الملاك بكل خصوصياته وشؤونه ، وفي مثل ذلك يستكشف الحكم الشرعي لا محالة استكشافا لميا ، اي بالانتقال من العلة إلى المعلول . ولكن هذا الافتراض صعب التحقق من الناحية الواقعية في كثير من الأحيان لضيق دائرة العقل وشعور الانسان بأنه محدود الاطلاع ، الامر الذي يجعله يحتمل غالبا أن يكون قد فاته الاطلاع على بعض نكات الموقف ، فقد يدرك المصلحة في فعل ، ولكنه لا يجزم عادة بدرجتها وبمدى أهميتها وبعدم وجود اي مزاحم لها ، وما لم يجزم بكل ذلك لا يتم الاستكشاف" انظر: دراسات في علم الأصول – الحلقة الثالثة ص .

[96] الاجتهاد والحياة 21.

[97] الكافي ج 5 ص 175.

[98] المكاسب للشيخ الأنصاري.

[99] عمدة المطالب ج2 ص115.

[100] في خبر الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ قَالَ سُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا ع عَنْ شِرَاءِ الْمُغَنِّيَةِ فَقَالَ قَدْ تَكُونُ لِلرَّجُلِ الْجَارِيَةُ تُلْهِيه ومَا ثَمَنُهَا إِلَّا ثَمَنُ كَلْبٍ وثَمَنُ الْكَلْبِ سُحْتٌ والسُّحْتُ فِي النَّارِ"، الكافي، ج 5، ص 120، وتهذيب الأحكام، ج 6، ص 357.

[101] ففي خبر أَبِي عَبْدِ اللَّه الْعَامِرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه ع عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ الَّذِي لَا يَصِيدُ؟ فَقَالَ: سُحْتٌ فَأَمَّا الصَّيُودُ فَلَا بَأْسَ"، الكافي، ج 5، ص 127، وفي خبر عبد الرحمن ابن أبي عبد الله عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت"، تهذيب الأحكام، ج 6، ص 356.

[102] دراسات في المكاسب المحرمة ج 1 ص 500.

[103] راجع مختلف الشيعة 5/12 ودراسات في المكاسب المحرمة للمنتظري ج1 ص537.

 






 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon