حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
قصة الإمام الخميني مع الشيخ المشكيني
 
س » ما رأيكم بالفيلسوف صدر المتألهين ومدرسته الفلسفية؟
ج »
يمكن أن أوجز رأيي في نقطتين مختصرتين:
أولاً: أعتقد أنّ مدرسة الحكمة المتعالية مثلت في مرحلتها خلاصة الفلسفة الإسلامية لجهة عمقها ونضجها، وعلى يدي صاحب هذه المدرسة أعني صدر المتألهين الشيرازي تبلورت الكثير من المفاهيم الفلسفية بشكل واضح وجلي ومؤصل. وقد امتازت مدرسته بمزايا كثيرة، ومن أبرزها أنها وعلى الرغم من نقدها للمدرسة المشائية ورمزها الكبير ابن سينا قد توافقت معها على أهمية ومحورية البرهان في البناء المعرفي، ولم تكتف أبداً بالعرفان والكشف والشهود، وبذلك جمعت بين المدرستين – أي المشائية والإشراقية - ومدّت جسور التواصل بينهما، مع ميل واضح وجلي إلى مدرسة الإشراق والعرفان، ولا سيما إلى أفكار رمزها الكبير ابن عربي، صاحب الفتوحات المكية، وفي الوقت عينه فقد حرصت مدرسة الحكمة المتعالية على إظهار تناغم الأفكار الفلسفية والعرفانية وتوافقها التام مع نصوص القرآن الكريم، وحذت بذلك حذو ابن رشد في كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، وبذلك غدا القرآن والعرفان والبرهان في حالة اتساق واتفاق تام في رؤية هذه المدرسة.
ثانياً: إنّ هذه المدرسة وما تميزت به من رؤى فلسفية، وأفكار ملهمة ومؤثرة من قبيل فكرة الحركة الجوهرية أو نظرية وحدة الوجود جديرة بالبحث والتأمل والنقد والدراسة. وفي هذا السياق أرى أننا – من جهة - معنيون بالتعريف بهذه المدرسة فهي لا تزال مجهولة في بعض الحواضر العلمية، مع أنه ليس من الحكمة في شيء إهمالها أو تجاوزها أو التعامل معها باستخفاف، ومدعوون - من جهة ثانية – إلى مدارستها بطريقة نقدية ومقارنة مع النظريات الفلسفية الغربية أو غيرها، لأننا لا نرى مبرراً للجمود على أفكارها، فضلاً عن إعطاء رموزها - ولا سيما صدر المتأهلين – هالة مبالغاً بها من القداسة، بما يمنع من ممارسة نقد أفكارهم بحرية تامة، وكأن التفكير الفلسفي قد انتهى بعدهم، إنّ هذا ليس صحيحاً ولا يخدم الحكمة ولا الحقيقة ولا الإنسان.

 
س » نقرأ في فتاوى الفقهاء ومنهم السيد السيستاني أنه يجوز للمرأة الأمة أن تكشف عن رأسها.. لماذا هذا الفرق بينها وبين المرأة الحرة طالما أن الحجاب هو لنشر الفضيلة؟
ج »
المسألة مفتوحة على البحث ويمكن إعادة التفكير فيها بل قد يكون مهما وضروريا، لكنّ ما طرح في كلامكم من إشكال يمكن للسيد السيستاني وغيره من الفقهاء أن يجيبوا عليه، بأنّ القضية تندرج في ما يُعرف بالتعبد الشرعي، وبالتالي ليس ثمة ما يبرر قياس الأمة على الحرة ولا سيما بملاحظة ما ورد بينهما من فوارق في الأحكام والعديد من المجالات.وأما قضية نشر الفضيلة، فهي – في نظرهم - ليست سوى حكمة للحكم وليست علّة ليدور الحكم مدارها وجودا وعدما، ومما يعزز ذلك أنّ القضية مطروحة في الصلاة ولا علاقة لها بنظر الأجنبي، ولذا لو كانت الحرة في بيتها وحيدة وجب عليها أن تستر رأسه.، ولهؤلاء الفقهاء أن يقولوا إننا نلتزم بذلك بجواز كشف الأمة لرأسها في الصلاة فحسب، ودون أن يكون هناك ناظرٌ أجنبي، وإذا كانت بعض الروايات مطلقة وتدلّ على جواز كشفها رأسها حتى في غير الصلاة وحتى أمام الرجال الأجانب، فيمكن أن يُقيد اطلاقها بما جاء في رواية ابن بزيع سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن أمهات الأولاد لها أن تكشف رأسها بين يدي الرجال؟ قال: تقنع" . 
نعم، البحث يحتاج إلى مزيد من الدراسة لأن بعض الأخبار يظهر منها أن الجواز ليس منحصرا في الصلاة فحسب.

 
 
  مقالات >> أصول فقه
وسائل اكتشاف الملاك -1
الشيخ حسين الخشن



إننا عندما نتأمل في الممارسات الاجتهادية لكثير من الفقهاء، حتى من التعبديين الذين ينفون قدرة العقل على اكتشاف مناطات الأحكام بشكل تام، نجد أنّهم من الناحية العملية يرون للعقل دوراً في ذلك، وإن رفضوا ذلك نظرياً، وإلاّ فماذا نفسر أخذهم بقياس الأولوية، كما في قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف}[الإسراء: 23] الذي يستفاد منه حرمة ضربهما بالأولوية القطعية؟! وبماذا نفسر "إلغاء الخصوصية" الشائع عند العلماء، فمثلاً لو ورد في الحديث: "إغسل قميصك إذا أصابه الدم"، فإنّهم يجزمون بإلغاء الخصوصية عن الثوب، ويحكمون بلزوم غسل العباءة وكل الثياب إذا أصابها الدم، انطلاقاً مما يسمونه مناسبات الحكم والموضوع.

إنّ هذا وذاك خير شاهد على أنّ السيرة العمليّة للفقهاء تؤكّد أنّهم لا يقرأون النصوص قراءة جامدة بعيدة عن عالم الملاك، بل إنّ المصالح والمفاسد يمكن اكتشافها في بعض الأحيان، وبابها ليس موصداً أمام العباد بشكل كلي، وعليه، فما يدركه الفقيه من ملاكات الأحكام من خلال تأمله في الكتاب والسنة وأنسه بلحن كلمات المعصومين (ع)، لا يصح التسرّع في رميه بالأخذ بالقياس أو الاستحسان.

بالعودة إلى دور العقل في اكتشاف الملاك، يمكن أن نطلّ على أهم وسائل التعرّف على ملاكات الأحكام واكتشاف عللها، وهي وسائل وطرق عديدة كثر الاستناد إليها في كلمات الفقهاء، ومنها ما هو قطعي، ومنها ما ليس كذلك، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وفيما يلي نستعرض أهم هذه الوسائل التي مع بعض الأمثلة:

  • منصوص العلة

 يلاحظ أنّ بعض الأحكام ترد في النصوص معللة بشكل واضح وصريح وفي هذه الحالة يلتزم معظم الفقهاء بتعميم الحكم إلى كل الموارد التي تتوفر فيها العلة، وأمثلة ذلك كثيرة منها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الإمام الرضا (ع): "ماء البئر واسع لا يفسده شيء... لأن له مادة"[1]، فإنّه علل عدم انفعال ماء البئر بمجرد ملاقاة النجاسة بكونه ذا مادة، وانطلاقاً من ذلك أفتى الفقهاء بأن كل ماء له مادة كالنبع فهو معتصم ولا ينفعل بملاقاة النجاسة.

 ومن أمثلته أيضاً: ما ورد في الصحيح عن الإمام الكاظم (ع) في بيان علة تحريم الخمر قال (ع): "إنّ الله عز وجل لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبة الخمر فهو خمر"[2]، حيث يمكن الاستناد إليه في تحريم كل المسكرات وما تكون عاقبته عاقة الخمر.

 ومن أمثلته أيضاً: ما ورد في صحيحة عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: "لا بأس بالنظر إلى شعور نساء أهل تهامة والأعراب وأهل البوادي من أهل الذمة والعلوج، لأنهن إذا نهين لا ينتهين"[3]، حيث استفيد منه تعميم الحكم بجواز النظر إلى كل اللائي لا ينتهين إذا نهين، وهذا النحو من التعليل يصطلح عليه بقياس منصوص العلة، والأكثر على جواز العمل به واعتماده كوسيلة لا ريب فيها للتعرّف على ملاكات الأحكام، الأمر الذي يسمح بالتعميم أو التخصيص.

ولكنّ هذه الوسيلة ليست وسيلة عقليّة بل شرعيّة، فنحن نعتمد على النص الشرعي لمعرفة الملاك وتعميم الحكم أو تخصيصه.

  • قياس الأولوية

"وهو ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم بالفرع أقوى وأوكد منه في الأصل، ومثال ما ورد في الكتاب من النهي عن التأفف من الوالدين {فلا تقل لهما أف}[الإسراء: 23] القاضي بتحريم ضربهما وتوجيه الإهانة إليهما"[4]، بناءً على أنّ العقل هو الحاكم بالانتقال من الأصل إلى الفرع، ومن هنا رفض الأخباريون قياس الأولوية وكذلك قياس منصوص العلّة[5]

ويمكن أن يعدّ من أمثلة ذلك: الحكم بأمومة صاحبة الرحم للولد الذي نما في رحمها ولم يتكون من بويضتها قياساً على الأم الرضاعيّة، بدعوى أنه إذا حكمت الشريعة بترتيب آثار الأمومة على المرأة التي ترضع الولد خمسة عشر رضعة أو إذا اشتد عظمه ونبت لحمه من لبنها، فبطريق أولى لا بد أن تحكم بأمومة من نشأ الولد في رحمها.  والمشهور أيضاً على الأخذ بقياس الأولوية.

ولكنّ بعض الأصوليين رفض ابتناء دلالة هذا القياس على مجرد القطع بوجود الملاك في الفرع على نحو الأولويّة، لأننا - كما يقول الشيخ المظفر - "إنما نأخذ بقياس الأولوية إذا كان يفهم ذلك من فحوى الخطاب ، إذ يكون للكلام ظهور بالفحوى في ثبوت الحكم فيما هو أولى في علة الحكم ، فيكون حجة من باب الظواهر ، ومن أجل هذا عدوه من المفاهيم وسموه " مفهوم الموافقة ". أمّا إذا لم يكن ذلك مفهوماً من فحوى الخطاب ، فلا يسمى ذلك مفهوماً بالاصطلاح ، ولا تكفي مجرد الأولوية وحدها في تعدية الحكم ، إذ يكون من القياس الباطل"[6]، واستدل لذلك بصحيحة أبان بن تغلب، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها ؟

قال : عشر من الإبل قلت : قطع اثنتين ؟

قال : عشرون من الإبل.

 قلت : قطع ثلاثا ؟

قال : ثلاثون من الإبل

قال : قلت : أربعاً ؟

قال : عشرون من الإبل.

 قلت : سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان!

 فقال: مهلا يا أبان، إنّ هذا حكم[7] رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست انمحق الدين"[8].

فهنا "لم يكن في المسألة خطاب يفهم منه في الفحوى من جهة الأولوية تعدية الحكم إلى غير ما تضمنه الخطاب حتى يكون من باب " مفهوم الموافقة ". وإنما الذي وقع من أبان قياس مجرد لم يكن مستنده فيه إلا جهة الأولوية، إذ تصوّر - بمقتضى القاعدة العقليّة الحسابيّة - أنّ الدية تتضاعف بالنسبة بتضاعف قطع الأصابع ، فإذا كان في قطع الثلاث ثلاثون من الإبل ، فلابد أن يكون في قطع الأربع أربعون ، لأن قطع الأربع قطع للثلاث وزيادة . ولكن أبان كان لا يدري أن المرأة ديتها نصف دية الرجل شرعا فيما يبلغ ثلث الدية فما زاد، وهي مائة من الإبل"[9].

ولكن يمكن القول: إنّ الرواية كما لا تشكّل مانعاً من الأخذ بقياس الأولوية المعتمد على فحوى الخطاب، كما ذكر الشيخ المظفر، فإنّها لا تشكّل - أيضاً - مانعاً من الأخذ بالأولوية القطعية المستفادة من إدراك الفقيه بأنّ الحكم في الفرع لا يمكن أن يكون مغايراً للحكم بالأصل، وذلك لأنّ الأولويّة القطعية إنما يعوّل عليها ويؤخذ بها شريطة أن لا يقوم دليل خاص يمنع منها، وفي مورد الرواية ثمّة ما يمنع من حصول القطع بالأولوية، وذلك بالالتفات إلى حكم النبي (ص) بأنّ " المرأة تعاقل الرجل إلى الثلث، فإذا بلغت الثلث عادت إلى النصف"، والراوي إنما استغرب، لأنّه لم يكن على معرفة بحكم النبي (ص)، فحكم النبي (ص) لو كان هو انتصاف ديّة المرأة بالقياس إلى ديّة الرجل على كل حال، وليس مقيداً بما بعد بلوغ الثلث، لكان الحكم مستغرباً ولا يعقل صدوره عن مشرّع عاقل وحكيم، بأن يكون قطع أصابع ثلاثة من أصابع المرأة أكثر دية من قطع أربعة، ولكن هذا التنزل في قطع الأربعة أصابع لم يكن سببه هو أنّ دية الأربعة أقل من الثلاثة، وإنما نتج عن الحكم الآخر الصادر عن النبي(ص) والقائل: إذا تجاوزت دية المرأة ثلث دية الرجل عادت إلى النصف، وبالالتفات إلى هذه الخصوصية، فلا تصلح الرواية للاستشهاد بها، لا لمنع الاستدلال بفحوى الخطاب، ولا لسدّ الباب أمام العقل في سبيل التعرف على الملاك القطعي. 

  • تنقيح المناط القطعي

 ويراد بتنقيح المناط: "أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم، ومثّلوا له بقصة الأعرابي الذي قال للنبي(ص): "هلكت يا رسول الله، فقال له: ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: أعتق رقبة"[10]، حيث استفادوا عدم الخصوصيّة في كونه أعرابياً فألحقو به جميع المكلفين، ولا في كون المرأة التي وقع عليها أهلاً له فألحقوا به الزنا، ولا خصوصية لخصوص شهر رمضان الذي وقع فيه على أهله فألحقوا به جميع أشهر الصيام"[11].

والتعريف المتقدم لتنقيح المناط يجعله مرادفاً لإلغاء الخصوصية التي كثر التمسك به في كلمات الفقهاء، من قبيل:

  1.  إلغاء الشهيد الأول الخصوصيّة عن الصبي الذي ورد النص في العفو عن بوله في الصلاة بالنسبة للمرأة المربيّة التي لا تملك سوى ثوباً واحداً[12].
  2.  قال الشهيد الثاني في توجيه تقديم الإمام الراتب وصاحب البيت وصاحب الأمارة على غيرهم في إمامة الجماعة: "وأولويّة الثلاثة ليست مستندة إلى فضيلة ذاتيّة، بل إلى سياسة أدبيّة، فلو أذنوا لغيرهم انتفت الكراهة"[13].
  3. إلغاء الفقهاء، ومنهم صاحب الجواهر[14] لخصوصية موت الإمام في الجماعة في استنابة آخر محله ليتم الصلاة بهم، فالوارد في النصّ هو الاستنابة عند الموت، ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في رجل أمّ قوماً فصلى بهم ركعة ثم مات، قال: يقدمون رجلاً آخر ويعتدون بالركعة"[15]. ولكنهم ألغوا خصوصية الموت، وألحقوا الإغماء والجنون به. إلى غير ذلك من الموارد التي يلحظها المتابع.

هذا ولكن يمكن القول: إنّ إلغاء الخصوصيّة هو أمر مختلف عن تنقيح الملاك، فإنّ إلغاء الخصوصية يعتمد - فيما نلاحظ من كلمات الفقهاء - على الاستظهار العرفي، فلا يؤخذ به إلا إذا ساعد العرف عليه، واستظهر - أي العرف العام - أنّ ما أُخذ في الموضوع إنّما هو من باب المثالية، وفي عشرات الموارد نجد أنّ كلمة "الرجل" تؤخذ في الأخبار في موضوع الحكم الشرعي، مع الجزم بعدم خصوصية الرجل[16].

وأمّا تنقيح المناط فلا يعتمد على الاستظهار العرفي، وإنما هو محاولة تهدف إلى اكتشاف المناط القطعي لا عن طريق الظهور، ولذا لا يُقبل إلا إذا كان قطعياً.

وبعض الفقهاء ذهب إلى إدخال إلغاء الخصوصية في مفهوم الموافقة، قال السيد البروجردي تعليقاً على بعض الروايات: "فالتعدي عن مورد الروايات يتوقف على إلغاء الخصوصية، وذلك إنّما يجوز فيما إذا علم عدم مدخليّة الخصوصية في الحكم المذكور في القضية وإلَّا فلا يجوز التعدي أصلاً، فإنّ المراد بإلغاء الخصوصية المتداول في الألسن إنّما هو مفهوم الموافقة المذكورة في علم الأصول، لأنّ الخصوصيات المذكورة في الكلام ربما يحرز عدم دخالتها في الحكم ، فيتعدى عن المورد إلى غيره. ويسمى الحكم المستفاد بالنسبة إلى غير المذكور مفهوم الموافقة ، وربّما لا يحرز ذلك فتحمل القضية على ظاهرها من مدخلية القيد في ثبوت الحكم ، وحينئذ فلا يتعدى عن مورده ، بل يثبت لغير المذكور خلاف الحكم الثابت بالنسبة إلى المذكور، ويسمى ذلك الحكم الثابت لغير المذكور مفهوم المخالفة . وبالجملة: فتسرية الحكم عن خصوص المورد يتوقف على إحراز عدم مدخلية خصوصية في المورد"[17].

أقول: إدخال إلغاء الخصوصيّة في مفهوم الموافقة لا يخرجها عمّا قلناه من اعتمادها على الاستظهار العرفي من النص، ولكنّ تسمية ذلك بمفهوم الموافقة خلاف الاصطلاح، وهذا ما اعترف به السيد البروجردي نفسه، حيث قال:"إلغاء الخصوصية، وإن كان في مصطلح المتأخرين من الأصوليين منحصرا بما إذا كان هنا أولوية، ولكنّه في الأصل كان عبارة عن مطلق ما إذا لم يكن للخصوصية المذكورة في المنطوق مدخلية في ترتب الحكم، سواء كانت أولوية في البين أم لم تكن"[18].

وفي المرحلة الفقهيّة المتأخرة، وجدنا أنّ بعض الفقهاء كالسيد الخوئي (رحمه الله) يعترض كثيراً على الاستدلال بتنقيح المناط بأنه: "أشبه شيء بالقياس بل هو بعينه لعدم علمنا بمناطات الأحكام وملاكاتها"[19].

 ولكنه في موارد أخرى استند إلى إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط، فقد علّق على الحديث الوارد في شأن المستحاضة "أنها لا تدع الصلاة بحال" قائلاً: "إنّ هذا الحكم لا تختص به المستحاضة لعدم الفرق بينها وبين سائر المكلفين من هذه الجهة، فبعد إلغاء الخصوصية عن المورد يكون مفادها عاماً يشمل جميع المكلفين"[20].

والمسألة في كثير من الأحيان، سواء كان الأمر يعتمد على الاستظهار العرفي في إلغاء الخصوصية والحمل على المثاليّة، أو على القطع بالملاك، فإنّ القضيّة تخضع لذوق الفقيه أو ما يعرف بشمّ الفقاهة، وتتأثر برؤية الفقيه وفهمه للشريعة ودورها في الحياة، وسيأتي الحديث عن الذوق الفقهي.

  • تخريج المناط

 والمراد بتخريج المناط "أن ينصّ الشارع على حكم في محلٍ دون أن يتعرض لمناط أصلاً، كتحريمه للربا في البُّر فيعمم إلى كل مكيل من طريق استنباط علته بدعوى استفادة أنّ العلة في التحريم هو كونه قليلاً"[21].

وقد اتضح الحال في مسألة تخريج المناط، فقد عرفت أنّ الاتجاه الفقهي العام يرفض الأخذ بتخريج المناط، لأنّ المناط لا يعلمه إلا أهله، ونحن لا مجال لنا للتعرف على ذلك من غير طريق النصّ.

ولكنْ قد عرفت أنّ ثمّة اتجاهاً يرى أنّ هذا الكلام ليس صحيحاً على إطلاقه، وإنما يصحّ في حقل التعبديات، أمّا في المعاملات فثمة سبيل يمكِّن الفقيه من الجزم بالملاك، وعلى سبيل المثال فقد ذكرنا سابقاً أنّ العلامة الحلي قد ألحق كلب الزرع والماشية بكلب الصيد في جواز البيع، مع أنّ النص وارد في الأخير[22]. فهو قد فهم أنّ المقتضي والملاك في جواز بيع كلب الصيد هو المنفعة المتوفرة فيه مع حاجة الناس للمعاوضة عليه وهذا الملاك موجود في الكلاب الأخرى، بل ربما يكون الانتفاع بغيره أكثر منه والحاجة إليه أشدّ.

أجل، يبقى الجزم بإلغاء الخصوصية معتمداً في كثير من الأحيان على ذوق الفقيه، وهذا ما نتناوله فيما يلي.

  • الذوق الفقهي/ شم الفقاهة

 ومن أهمّ الوسائل التي يمكن الاستعانة بها للتعرف على ملاك الحكم: ما اصطلح على تسميته بالذوق الفقهي، والذي كثر الاستدلال به في كلمات الفقهاء المتأخرين، وتارة يعببر البعض بالذوق الشرعي، وربما يقال: شم الفقاهة، وربما عبّر البعض بذوق الأصحاب.

فما المراد بالذوق الفقهي؟ وبماذا يختلف عن الاستحسان؟ وهل يمكن أن نجد معايير موضوعية للحصول على شم الفقاهة أو بلوغ الذوق الفقهي؟

 نماذج للذوق الفقهي

وفي البداية لا بأس بذكر بعض النماذج التي تؤشر إلى شيوع الأخذ بالذوق الفقهي في كلمات الفقهاء.

  1.  إنّ ما دل على لزوم إرجاع العين المغصوبة إلى صاحبها لم يقبل بعض الفقهاء باطلاقه لما إذا صارت العين جزء من دار الغاصب أو سفينته مثلاً، بحيث يكون بإرجاعها مؤدياً إلى خراب ملكه، مستنداً في ذلك إلى أنه إلزامه بالإرجاع والحال هذه مما يأباه الذوق الفقهي[23].
  2.  وهكذا رفض بعض الفقهاء أيضاً احتمال إبقاء العين الموقوفة على حالها بدون بيع حتى تتلف على اعتبار أن ذلك مما يأباه الذوق الفقهي والفهم السليم أيضاً[24].
  3.  عمم بعض الفقهاء قاعدة التسامح "للخبر الضعيف الدال على الكراهة باعتبار ان الذوق الفقهي يساعد على كون الملاك في هذه الأخبار هو المسامحة في مطلق الاحكام غير الالزاميه من دون أن يكون للاستحباب خصوصية"[25].
  4. ذهب بعض الفقهاء إلى عدم الاعتداد بسوق المسلمين في حال "علم بكفر الشخص المأخوذ منه الجلد، إمّا لأجل الانصراف، أو الإجماع، أو الذوق الفقهي"[26].
  5. لو فرض أنّ القيام في الصلاة كان شاقاً على المكلف جداً ولكنّه مع ذلك حمّل المشقة وصلى قياماً، فربما يقال إنّ الصلاة تكون باطلة، ولكن بعض الفقهاء علّق على ذلك بأن "الالتزام ببطلان صلاة من تحمل المشقة وقام في موضع الجلوس مشكل، يأباه الذوق الفقهي"[27].
  6. استدل على حرمة التلقيح الصناعي بنطفة الأجنبي: "بدعوى حصول العلم من مذاق الشارع بعدم رضاه بتحقق إنسان من رجل وامرأة بهذا النحو لا نكاح بينهما حتى إذا لم يستلزم الزنا وحراما آخر"[28].

وبيانه: أنّ المتأمل في تعاليم الإسلام وأحكامه التي لها ارتباط بقضية الفروج وتشدد الشارع بشأنها، وقضيّة الأنساب ومبغوضيّة اختلاطها وما يرتبط بالمرأة بشكل عام، وضرورة التزامها بالستر والعفاف وابتعادها عن كل علاقة خارج العلاقة الزوجية، وهكذا ما ورد في شأن المعاشرة وحرمتها في بعض الأمكنة أو الأزمنة أو الحالات كحالة الحيض، وكذا ما ورد في قضيّة الاهتمام باختيار الزوجة ومن ستكون أماّ للأولاد، مما ورد "بلسان اختاروا لنطفكم". وهكذا ما ورد حول ضرورة صيانة الفرج من الحرام، وأنّ المرأة حرث لزوجها يغرس نطفته في رحمها، إلى غير ذلك مما جاء في النصوص، إن المتأمل في ذلك ونظائه يستطيع أن يفهم من خلال ذلك مذاق الشارع، وأنّه لا يسمح بالتلقيح الصناعي بماء الأجنبي، قال بعض الأعلام: "ولا يبعد أنّ الفقيه يفهم من مذاق الشرع الأقدس حرمة العمل المذكور"[29].

  1. ذهب غير واحدٍ من الفقهاء الذين أفتوا بحرمة إيجاد صور وتماثيل ذي الروح، إلى أن المحرم هو إيجاد الصورة الكاملة، دون الناقصة، وهذا ما استدعى طرح سؤال حول ما إذا تولى جماعة من الناس صناعة التماثيل بحيث يقوم كل واحدٍ بصنع جزءٍ منها، على أن يكون تركيبها النهائي بواسطة آلة خاصة، فهل يقال: إنّ هذا العمل ليس محرماً لأنه لم يقم أي واحد منهم بصنع الصورة مكتملة؟ وإجابة على ذلك فقد استقرب بعض الفقهاء الحرمة، وذلك لأنّ "المتعارف في إيجاد التصاوير والتماثيل وقوعه بنحو المشاركة والتعاون، فلو لم يكن هذا حراماً صار هذا طريقاً ووسيلة إلى ارتكاب المحرّمات بنحو الشركة، فراراً عن وقوع الحرام، وهذا أمر لا يقبله ذوق من اطّلع على مذاق الشارع المقدّس، فتدبر"[30].

كيفية تشكّل الذوق الفقهي ومستند حجيته

 لا شكّ أنّ إحاطة الفقيه بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وتوفره على رؤية كاملة عن دور الدين في الحياة وعن قواعد الشريعة وأصولها وأسسها وفروعها هو شرط ضروري في حصوله على ملكة الفقاهة والاجتهاد، كما أنّ فهمه لرسالة الدين ولا سيما الشريعة ودورها في الحياة وقدرتها على مواكبة تطوراتها، ومعرفته بمناسبات الحكم والموضوع يساهم في منح الفقيه ذوقاً فقهياً سليماً، وذلك سيجعل الفقيه على يقين من مذاق الشريعة ذاتها وروحها العامة، ومقاصدها الكليّة، وهذا الذوق الفقهي يمكن اعتماده في محاولة اكتشاف الملاك، وتقييد بعض النصوص أو تعميمها على ضوئه، وقد يعتمد عليه في ردّ النص، كما فعل بعض الفقهاء مع تتمة دعاء الإمام الحسين(ع) يوم عرفة، ممّا تفرّد بنقلها السيد ابن طاووس في الإقبال، والتي تبتدئ بقوله: "إلهي أنا الفقير في غناي..."، فإنّ التتمّة المذكورة تلائم مذاق الصوفية، على حد تعبير العلامة المجلسي([31])، والذي نقل عن بعض الأفاضل ميله إلى كون تلك الفقرة: "من مزيدات بعض مشايخ الصوفيّة ومن إلحاقاته وإدخالاته([32]).

الذوق الفقهي والاستحسان

والفارق بين الاستحسان المرفوض والذوق الفقهي في أمرين:

أولاً: ظنية الأول وقطعية الثاني أو مشارفته للقطع.

ثانياً: إن الاستحسان أو الرأي إنما يتشكل خارج الفضاء الشرعي، بينما الذوق الفقهي يتكون في داخل بيئة النص، ويمكن القول: إن الاستحسان إعمال للرأي في مقابل النص، بينما شم الفقاهة هو إعمال للعقل في فهم النص واستنطاقه واستلهامه ، أو محاكمته على ضوء المستفاد من كليات الشريعة ومقاصدها.

مذاق الأصحاب

إلى ذلك فإن بعض الكلمات تدعو إلى متابعة مذاق الفقهاء، قال السيد جواد العاملي (ت: 1226هـ) في كتابه "مفتاح الكرامة"، فقال (رحمه الله): "وهنا كلام في أنّ جحود الضروري كفر في نفسه أو يكشف عن إنكار النبوة مثلاً. ظاهرهم الأول، واحتمل الأستاذ الثاني، قال: فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بتكفيره إلاّ أنّ الخروج عن مذاق الأصحاب مما لا ينبغي"([33]). ولكن مذاق الأصحاب لا حجية فيه، لأنه لا يزيد على إجماعهم، فإذا كان الإجماع لا دليل على حجيته فكذا مذاق الفقهاء.

  • التزاحم بين الأهم والمهم

ومما يؤكد أنّ للعقل - بنظر الفقهاء - دوراً في اكتشاف الملاكات، هو ما وضعه الأصوليون من قواعد لمعالجة حالة التزاحم بين الأحكام، كما لو وجب على المكلف أمران، وضاقت قدرته عن امتثالهما معاً، فهنا تذكر عدة مرجحات لتقديم أحدهما على الآخر، وبملاحظة هذه المرجحات لا نجد أنّها منصوصة، بل هي في معظمها مما يحكم بها العقل. ويهمنا هنا ذكر واحد من هذه المرجحات، لأنّه يؤكد فكرة مرونة الشريعة وقدرتها على مواكبة متطلباتها، وهو ترجيح الأهم على المهم، فإنّه عند التزاحم بين مصلحتين لا يمكن للمكلف استيفاؤهما معاً، فإنّ الإسلام لا يصر على لزوم تحصيلهما معاً، بل يدعو إلى الموازنة بينهما وتقديم الأهم على المهم، "ومقياس الأهمية إحساس المجتهد بأنّ أحد التكليفين أهم في نظر الشارع من غيره"[34].

وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

  1. يتعامل الإسلام باحترام كامل مع الإنسان حياً وميتاً، ولذا فلا يجوز تقطيع جسد الميت أو تشريحه، تماماً كما لا يجوز فعل ذلك بالحي، ولكن بسبب تطور علم الطب صار من الضروري تشريح الجسد الإنساني في كليات الطب مقدمة لتعليم الطلاب وتعريفهم أسرار الجسد، لأنّ المعرفة النظرية لا تكفي في هذا المجال، وقد أصبح لدينا علم متكامل اسمه علم التشريح، وطبيعي لا يمكن للطبيب أن يتقن مهنته بدون أن يقوم بتجارب عمليّة في تشريح أجساد بشرية، بل إنّ إنقاذ النفوس من الهلاك موقوف في كثير من الحالات على تعلم التشريح، وعليه، فلو أننا سلمنا[35] بأنّ ما دلّ على حرمة التمثيل والتنكيل بجسد الميت شامل لموارد التشريح، فنكون أمام واجبين: أحدهما: احترام جسد الميت المقتضي حرمة تشريحه، والثاني: الوجوب الكفائي لتعلم الطب، ومنه علم التشريح، فما هو الموقف إذاً؟ هنا لو أمكن اختيار موقف يتمكن معه المكلف من عدم مخالفة كلا الواجبين، فيتعين اختياره، كما لو وجدت جثة إنسان لا يرى - بحسب دينه ومعتقده حرمةً للتشريح ومنافاةً للاحترام - فلا مشكلة حينئذٍ، وإن لم نتمكن من ذلك وانحصر الأمر بإجراء الاختبار على جثة المسلم، فلا مانع حينئذٍ - وهذا ما يفتب به جمع من الفقهاء – من تشريح جسد المسلم، لأنّه بالموازنة بين الواجبين المذكورين، نجد أنّ تعلّم الطب والتشريح أهم بنظر الإسلام من حرمة جثة الميت، لأنّ تعلّم التشريح هو مقدمة لإنقاذ النفوس، وإنقاذ النفوس من أهم الواجبات.
  2. أصدرت بعض الدول الغربيّة وغيرها قراراً بمنع دخول الفتيات المسلمات إلى المدارس والجامعات وهنّ مرتديات للحجاب الإسلامي ( حجاب الرأس )، ونتيجة لذلك، واجهت المرأة المسلمة في تلك الدول مشكلةً كبيرة، لأنّ ارتداء الحجاب واجب إسلامي، ومن جهة أخرى، فإنّ تعلّم المرأة المسلمة وأخذها بأسباب العلم لا يبعد ولا سيما في هذا الزمن أنّه واجب، وذلك لأنّ أمية المرأة، وهي تشكل نصف المجتمع، يؤدي إلى تخلف المجتمع برمته، وأن يصبح عالة على غيره، وعلى الأقل فإنّ تعلّم المرأة واجب ولو بلحاظ بعض المهن التي تضطلع بها النساء عادة، كالتمريض والتوليد والتربية ونحوها من المهن والأعمال. وعليه، فإذا لم يتمكن المسلمون من مواجهة هذه القوانين التي تفرض السفور على نسائهم، ولا استطاعوا أن يبنوا المدارس والجامعات البديلة، فمن الممكن فقهياً أن يرخص بترك الحجاب في المدرسة مراعاة لما هو الأهم، لأنّ التعليم في بعض الأحيان أهم من ارتداء حجاب الرأس، مع الالتفات إلى أنّ الضرورات تقدر بقدرها.

المرحلة الثانية: دور الزمان والمكان في تغيير متعلّق الحكم الشرعي

هل يتغيّر الحكم الشرعي تبعاً لتغيّر المتعلّق، وهل يؤثّر تبدل الزمان والمكان على تغيير متعلق الحكم؟ وهل يخلق عناوين ثانوية ترد على المتعلّق؟

  1. أشكال تغيّر المتعلق

التغير الذي يطرأ على متعلق الحكم بسبب اختلاف الزمان وتغير المكان هو على عدة أشكال وصور، نشير إليها تباعاً:

  • التغيّر المباشر الذي ينتفي معه صدق المفهوم عرفاً.

 الشكل الأول: هو التغيّر في مفهوم المتعلق، والمثال الذي يمكن طرحه في المقام هو تأثير الزمان على تغيّر مفهوم العشرة بالمعروف التي أمر بها الزوج تجاه زوجته، قال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء 20 ]، فإنّ العشرة على صعيد السُّكْنى كانت تتحق بشيء بسيط من تهيئة أسباب المعيشة في الزمن السابق أو في بعض البلدان الفقيرة والبعيدة عن التمدن والتطور، بينما مع تطور الزمان أصبحت العشرة بالمعروف تحتاج إلى العديد من المتطلبات، وما كان في السابق عشرة بالمعروف ربما لم يعد اليوم كذلك، فلو أنّ شخصاً في زماننا هذا أراد لزوجته أن تعيش في منزل دون أن يوفر لها الوسائل التي تعدّ من الحاجات الطبيعية في الحياة المعاصرة، من قبيل توفير غسالة الثياب ومبرِّدة المياه، والإضاءة الكهربائية، أو المكيفات الهوائية في البلدان الحارة، أو نحوها.. فيمكن القول بلا تردد إنّ هذه ليست من العشرة بالمعروف مع أنّها كانت سابقاً داخلة فيها.

  • التغير في صفة المتعلق.

الشكل الثالث: هو التغيّر الذي يطرأ على صفة المتعلق التي يرجّح الفقيه أنّ لها دوراً في الحكم، من قبيل تغيّر طريقة اللعب بالشطرنج[36]، فبناءً على الرأي المشهور بحرمة اللعب به، فإنّ الشطرنج كان أداة من أدوات القمار وكان اللعب به يجري على نحو لهوي، وقد تغيّر الوضع حالياً، فقد غدا اللعب به لغرض الترويض الذهني، فربما يستظهر الفقيه "أنّ دليل التحريم لا يشمل مثل زماننا الذي أصبح فيه الشطرنج علماً وفناً خاصاً يتبارى فيه الأذكياء للكشف عن قواهم الذهنية"[37]. ومن الأمثلة التي قد تندرج في هذا الإطار: تغيّر طريقة رؤية الهلال، فقد كان ينظر إليها بالعين المجردة بينما أصبح لدينا الآن وسيلة أخرى للنظر، وهي النظر بواسطة العين المسلحة.

  • التغير بسبب طروء عنوان ثانوي على المتعلّق

الشكل الثالث: دور الزمان والمكان في خلق عناوين ثانوية ترد على المتعلق، ما يوجب تغيّراً في حكمه. والعناوين الثانوية التي تؤثر على المتعلق كثيرة، من قبيل عنوان هتك الدين أو هتك كرامة المؤمن وإهانته، فعلى سبيل المثال: فإنّ ضرب الرؤوس بالسيوف يوم عاشوراء هو فعل حرمه بعض الفقهاء بالعنوان الأولي، لأنّه مضرّ بالصحة، والإضرار بنظرهم محرّم ولو لم يؤد إلى الهلاك، إلا أنّ قسماً آخر من العلماء لم يروا حرمة الإضرار بالنفس بشكل مطلق، وإنّما في صورة ما إذا كان الإضرار مؤدياً إلى الموت أو ما هو قريب منه، ولذا لم يروا حرمة ضرب الرؤوس بالسيوف بالعنوان الأولي، ولكنهم قالوا إنّ هذا الفعل قد يحرم بالعنوان الثانوي، وذلك لأنّ هذا التصرف في زماننا يستلزم هتك المذهب وأتباعه، وهذا ما أفاده السيد الخوئي (رحمه الله)، فإنّه عندما سئل عن حكم ضرب الرؤوس بالسيوف قال: "لا يجوز إذا أوجب ضرراً به، أو استلزم الهتك والتوهين"، وعندما سئل عن المراد بالهتك والتوهين قال: "ما يوجب الذل والهوان للمذهب بنظر العرف السائد"[38]، وينبغي الالتفات لعبارة "بنظر العرف السائد"، فإنّها تشير بشكل مباشر إلى دور الزمان والمكان في خلق هذا العنوان الثانوي (الهتك)، والذي يتغير الحكم على أساسه لأنّه يدخل عنصراً جديداً على المتعلق.

 والعناوين الثانوية التي تطرأ غالباً على متعلقات الأحكام وتكون سبباً لارتفاع الحكم الشرعي الثابت لهذه المتعلقات بعناوينها الأولية، كثيرة، منها: "الضرر" و"الحرج" و"الإكراه" و"الاضطرار" و"الهتك" وغير ذلك.

المرحلة الثالثة: دور الزمان والمكان في تغيّر موضوع الحكم الشرعي

 من المعلوم أنّ الأحكام الشرعية تتبع موضوعاتها سلباً أو إيجاباً، فيثبت الحكم ويرتفع بحدوث وانتفاء موضوعه، وكمثال توضيحي فقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة 185]، فإنّ حضور الشهر هو الموضوع، والأمر بالصيام هو الحكم.[39]

 وإذا كان اختلاف الزمان والمكان لا سلطة له على تغيير الحكم الشرعي بشكل مباشر، فإنّ له سلطة أو دوراً في تغيير الحكم بشكل غير مباشر، وذلك بتوسط تغيير ورفع موضوعه.

  1. أنحاء تغيّر الموضوع

ولتغيّر الموضوع أنحاء عدّة:

النحو الأول: التغيّر الحسي، كما في حالات الانقلاب، من قبيل انقلاب الخمر خلاً مثلاً، فإنّ انعدام الموضوع ( الخمر ) وحدوث موضوع جديد ( الخل ) سيعقبه تغيّر الحكم حتماً، لأنّ الحرمة كانت منصبة على الخمر، وهذا لم يعد خمراً بل هو خل، والكلام عينه يجري في حالات الاستحالة، كاستحالة الكلب ملحاً، أو الخشب النجس رماداً أو نظير ذلك، فمع تحقق الاستحالة فعلاً ترتفع الحرمة في المثال الأول، والنجاسة في المثال الثاني، ومن مصاديق الاستحالة: ما يجري في الجيلاتين ( gelatin) المأخوذ من عظم أو جلد حيوان غير مذكى أو لا يقبل التذكية كالخنزير، فإن العمليّة الجارية هنا هي نوع استحالة، ولم يعد يصدق على المأكول أنه لحم خنزير أو لحم حيون غير مذكى، وبالتالي فلا مبرر للحرمة، ومن هنا جوّز بعض الفقهاء المعاصرين تناول المأكولات التي أدخل الجيلاتين المذكور عليها[40].

النحو الثاني: التغيّر في بعض خصائص الموضوع والتي يمكن استظهار أنّها علة للحكم، ونذكر لذلك المثال التالي وهو حكم الفقهاء ببطلان بيع كل ما لا منفعة فيه، ومثلوا لذلك ببيع الدم والسباع والحشرات كالعقرب والحيّة والصرصار ونحوها، واستدلوا على بطلان هذا النوع من التكسب بقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة 188][41]. فالحكم الشرعي هنا هو بطلان البيع، وقد فرضوا أنّ موضوعه هو ما لا نفع فيه، وأمّا الحشرات والسباع والدم فهي مصاديق لما لا نفع فيه (الموضوع)، ولكن حيث إنّ تطوّر الحياة والثورة العلميّة التي قاد زمامها الإنسان كشفا عن وجود فوائد جمة في معظم المذكورات، فسوف يتبدل الحكم بالمنع من بيع هذه الأمور إلى الحكم بالجواز، لا لأنّ حكم الله تغيّر، بل إنّ حكم الله ثابت وباق، وهو بطلان بيع ما لا منفعة فيه، وإنّما الذي تغيّر هو الموضوع، فأصبح للدم منفعة كبيرة بإنقاذ المرضى والجرحى والمحتاجين إليه، وهكذا أصبح للعقارب والحيات والسباع فوائد طبية عديدة.

 وبتدقيق النظر في هذا المثال يتضح أنّ التغيّر لم يطرأ على ذات الموضوع، فالحشرات باقية على ما هي عليه، وكذلك الدم، وإنّما طرأ التغيّر على خصوصية النفع، حيث إنّ تطور العلم بدّل اللانفع إلى نفع، والمفروض أنّ الفقيه قد استظهر أنّ النهي الشرعي عن بيعها ليس لأعيانها، وإنّما لعلة عدم النفع فيها. 

النحو الثالث: التغيّر في شبكة العلاقات المحيطة بالموضوع، بمعنى أنّ تغيّر الزمان والمكان قد يصاحبه تغيرٍ في شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالموضوع، الأمر الذي قد تُدَّعى دخالته في الموضوع وتأثيره عليه، وبعبارة أخرى: المدّعى أنّ تغيّر العلاقات المشار إليها، هو نوعٌ من تغيّر الموضوع الموجب لتغير الحكم أيضاً، وإن كان تغيّراً خفياً في الموضوع.

وهذا ما يظهر من كلام السيد الإمام الخميني فيما طرحه في أواخر عمره، قال (رحمه الله): "أمّا فيما يخص الدروس والتحصيل والتحقيق في الحوزات، فإنّي أعتقد بالفقه التقليدي والاجتهاد الجواهري ولا أجيز التخلف عنهما؛ فالاجتهاد بذات الأسلوب يعتبر صحيحاً، وهذا لا يعني أنّ الفقه الإسلامي ليس مرناً، فالزمان والمكان عنصران مصيريان ومهمان في الاجتهاد. والمسألة التي كان لها حكم معين في السابق، قد يكون لها حكم جديد بعد تغيّر العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاكمة في نظام ما. وهذا يعني أنّه بالمعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالموضوع الأول الذي يبدو ظاهرياً أنّه لم يتغير عن السابق، فإنّ ذلك الموضوع أصبح في الواقع موضوعاً جديداً يتطلّب حكماً جديداً"[42].

  1. وقفات حول التغيّر في شبكة العلاقات الاجتماعية المحيطة بالموضوع

وأهمية هذه النظرية التي طرحها السيد الخميني حول تغيّر الحكم بتغيّر شبكة العلاقات المحيطة بالموضوع تستدعي منا توسعاً في الحديث حولها، وهو توسع يهدف إلى إيضاح هذه النظرية وبيان النقاط التي تحتاج إلى إيضاح، ولهذا قد نطرح فيما يلي من الأسئلة أكثر مما نقدم من الأجوبة:

  • على سبيل المثال

والسيد الخميني لم يذكر مثالاً لهذه النظرية في كلامه المتقدم، ولكنّ الأمثلة كثيرة، من جكلتها: مثال حدّ الردة، فإنّه يمكن القول: إنّه وبناءً على ثبوت حدّ الردة في نفسه، فهو إنما يهدف إلى حماية عقيدة الناس من أن تزلزلها الشبهات، وهنا قد يطرح تساءل مفاده: أنّه لو كنّا في ظلِّ نظامٍ إسلامي يعملُ على نشر الهداية، وتوفير وسائل الإقناع وإقامة الحجة، من خلال الدعاة والوعاظ والكُتّاب والمفكرين، الذين يردون الشبهات بالحجة والبرهان، معتمدين على مختلف الوسائل التي تدحض الباطل بالمنطق والبرهان، وتحاصر فكر الإلحاد والكفر، فيكون تطبيق حد الردة والحال هذه معقولاً ومقبولاً ومفهوماً. أمّا إذا لم يكن الأمر على هذه الصورة، كما هو الحال في أيامنا، حيث نفتقد في الكثير من بلدان المسلمين نظاماً إسلامياً يعمل على تبليغ الإسلام والذب عنه. بل إنّ سيل التشكيكات ينهال باستمرار على الإسلام، في عقائده ومبادئه وشريعته. ولا تنفك وسائل الإعلام والدعاية غير الإسلامية، تقتحم على المسلمين بيوتهم ونواديهم بالكثير من الإشكالات، التي تسمِّم عقولهم وتبعثهم على التشكيك بدينهم؛ فهل يَلْزَمُ والحال هذه تطبيق حد الردة؟ وهذا التساؤل يتأتى حتى على المسلك التقليدي في الاستنباط الفقهي، لأنّ مرجع ما طرح إلى التشكيك في إطلاق أدلة حدّ الردة حتى مع حصول هذا التغيّر. بيد أنّ ما يطرحه السيد الخميني رحمه الله ليس قضيّة التشكيك في الإطلاق، وإنّما تغيّر الموضوع بتغير شبكة العلاقات المحيطة به، على اعتبار أنّ هذا الحدّ كان قائماً في ظلّ نظام يرتكز على أساس الدين، وتقوم العلاقة بين الأفراد وبين السلطة على أساس ديني، فقد كان المواطن متبعاً وملتزماً دين الدولة، وهذا يعطيه حصانة خاصة، وإذا خرج عن الدين، فهذا يعدّ بمثابة الخروج على الدولة والنظام، نظيرالردات التي جرت زمن النبي (ص)، فإنّ الذين ارتدوا كانوا ينقلبون إلى صفّ أعداء الإسلام، أمّا إذا تغيّرت الظروف وأصبحت الدولة لا هويّة دينيّة لها، وإنّما الذي ينظّم علاقاتها بأبنائها هي التزامهم بأسس الدولة العامة بصرف النظر عن دينهم، فهنا قد يقال إنه وأمام هذا التغيّر في شبكة العلاقات، فلا يلزم تطبيق حدّ الردة.

إلى غير ذلك من الأمثلة التي سنشير إلى بعضها.

  • شاهد ومؤيد   

هل يمكن عضد هذه النظريّة ببعض المؤيدات والشواهد؟

والجواب: يمكن أن نعضدها ببعض الشواهد، وعمدتها: أنّ المتأمل في العديد من الأخبار التي يفسر فيها الأئمة (ع)  تغيّر بعض الأحكام بتغيّر الزمان والمكان، يكتشف أن مرد ذلك إلى أنه قد حدثت خلال هذه المدة الفاصلة بينهم وبين النبي (ص) تغيّرات جذرية في بنية الاجتماع وفي شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعلى سبيل المثال: فقد حدث تغيّر بين زمان النبي (ص) وزمان أمير المؤمنين (ع) على صعيد جوهري، وهو قوة المجتمع واستقرار النظام الإسلامي، ما أوجب تغيّراً في حكم تغيير الشيب، فقد سُئِلَ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ (ص): "غَيِّرُوا الشَّيْبَ ولَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ"؟ فَقَال (ع): "إِنَّمَا قَالَ (ص) ذَلِكَ والدِّينُ قُلٌّ، فَأَمَّا الآنَ وقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُه وضَرَبَ بِجِرَانِه، فَامْرُؤٌ ومَا اخْتَارَ"[43].

وعندما يتحدّث الإمام الصادق (ع) عن اختلاف سيرته في اللباس عن سيرة جدّه أمير المؤمنين(ع) فإننا نراه يشير إلى حدوث تغيّر بنيوي في المجال الاقتصادي، فقد روي أنّ سفيان بن عيينة قال له: "إنّه يروى أنّ علي بن أبي طالب (ع) كان يلبس الخشن من الثياب وأنت تلبس القوهي (ثوب أبيض نسبة إلى قوهستان) المروي؟! قال: ويحك، إنّ علياً كان في زمان ضيق، فإذا اتسع الزمان فأبرار الزمان أولى به"[44].

وأضف إلى ما تقدم مؤيداً آخر، وهو أنّ الشريعة الإسلاميّة خاتمة الشرائع، ومن الطبيعي أن تتحلى بمرونة عالية تسمح لها بمواكبة التطورات التي يشهدها تغير الزمان والمكان وما يصاحبهما من تغيّرات في البنى الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

ولا ريب أنّ هذه النظرية - في حال تماميتها والأخذ بها - ستمنح الفقه الإسلامي قدرة عالية على مواكبة المتغيرات والتطورات التي تحدث بمرور الزمان، وقد لا يشعر معها الفقيه بمشكلة الانسداد على الصعيد الفقهي، وسوف تجيب بشكل كبير على الإشكال الذي ما فتئ الكثيرون يتحدوثون به عن جمود الشريعة الإسلاميّة وعجزها عن تلبية متطلبات عصر التمدن،

  • توضيحات حول هذه النظريّة

وتوضيحاً لهذه النظريّة، لا بدّ من طرح جملة من الأسئلة، نبينها من خلال النقاط التالية:

النقطة الأولى: هل اللازم حصول التغير البنيوي في المقومات الثلاثة، أعني على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي؟ وماذا لو حدث تغير في النظام الاجتماعي دون السياسي والاقتصادي أو العكس، وماذا او حدث تغيّر في عاملين منها وهما العامل الاجتماعي والسياسي؟ ولماذا لا نأخذ العامل المعرفي وتطور ثقافة المجتمع وتمدنه أكثر فأكثر؟

ويمكن القول: إنّ تغيّر شبكة العلاقات الموجب لتغيّر الحكم هو في كل مجال بحسبه، فالتغيّر الجذري البنيوي في شبكة العلاقات الاجتماعية سوف يؤثر على تغيّر تلك الأحكام، ( مثال: جعل الدية على العاقلة المرتبط بالنظام الاجتماعي القائم على بنية عشائرية [45]). والتغيّر الجذري والبنيوي في بنية العلاقات الاقتصادية سيغيّر في الأحكام ذات الطابع الاقتصادي كأحكام الربا، ( مثال: الربا في القروض الاستثمارية). والتغيّر الجذري في الظروف السياسيّة وبنية السلطة سيغيّر في الأحكام السياسية والسلطانية، (مثال: المرأة وتولي السلطة).

النقطة الثانية: ما الوجه في حصر تغيّر الأحكام بتغيّر الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ فلربما حدث تغير في المجال العلمي مثلاً، كالتغير في وسائل التواصل والتنقلات والاتصال، فهل يمكن القول إن موضوع الحكم بوجوب القصر أو الإفطار في حالات السفر باقٍ رغم التغير الهائل في وسائل السفر؟ وهل إنّ من كان يسافر عبر الدواب يكون حكمه هو حكم من يسافر عبر الطائرات مع أنّ الأول قد يحتاج إلى ما يقرب من يوم لقطع المسافة بينما الثاني قد يقعها خلال دقائق معدودة أو نصف ساعة ؟! والتغيّر في المجال الطبي قد حصل في العديد من المجالات أيضاً؟

يمكن القول: إنّ السيد الخميني رحمه الله عندما ذكر العوامل الثلاثة المؤثرة، وهي العامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فهو لم يكن بصدد الحصر وإنما ذكرها من باب المثال، باعتبارها الأكثر حضوراً وتأثيراً.  

النقطة الثالثة: ماذا لو حصل التغيّر بلحاظ بعض البلدان أو المجتمعات دون بعضها الآخر، فهل يختلف الحكم باختلاف المجتمع؟

على سبيل المثال: إن انتصاف دية المرأة بالقياس إلى دية الرجل، هو موضع تساؤل، ولربما قيل: إنه في المجتمع الذي لا تزال فيها المرأة مهمشة وحبيسة البيت والأسرة تكون ديتها نصف دية الرجل؟! بينما في المجتمع الذي تكون المرأة فيه منتجة وعاملة، كبعض الدول المتقدمة والتي خرجت فيها المرأة إلى سوق العمل والإنتاج والوظيفة، حالها في ذلك حال الرجل تكون ديتها مساوية لدية الرجل. والسؤال: هل يمكن الالتزام بذلك؟

والجواب: إنّه إذا قيل بتلك النظرية فلا مانع من الالتزام بذلك، فهذا ليس محذوراً فاسداً لا يمكن الالتزام به.

النقطة الرابعة: ما هي حدود التغيّر البنيوي؟ هل يراد بذلك التغيّر الكامل والشامل، أو التغير بشكل عام؟ ومنْ الذي يشخّص التغيّر البنيوي في شبكة العلاقات المذكورة؟ هل المخوّل بتشخيص التغيّر المشار إليه هو الحاكم أو الفقيه أو العرف العام أو أهل الخبرة في كل مجال؟

 هذه الأسئلة بحاجة إلى المتابعة وعلى أصحاب هذه النظرية أن يتولوا الإجابة عليها. ولن يسعنا المجال للتفصيل حول ذلك.

ولكن يكن القول: إنّ هذا الأمر حيث إنّه يرتبط بتغيّر الأحكام الشرعية، فيكون تشخيصه بيد الفقيه، ولكن من الطبيعي أن يلاحظ زمانه وأن يستفيد من كل الخبرات، وربما هذا أحد محفزات إطلاق عجلة المرجعية المؤسسة المحاطة بالمستشارين ومراكز الدراسات وأهل الاختصاص في المجالات كافة.

وعليه، ففي المجال الاقتصادي يكون المؤهل لتشخيص التغيّر هم خبراء الاقتصاد، وفي المجال السياسي يكون المؤهل لتشخيص التغير البنيوي هو أهل الخبرة في هذا المجال، وفي المجال الاجتماعي يجري الكلام عينه ذلك، ويرفع ذلك كله للفقيه ليبني على الشيء مقتضاه.

ولعل هذا هو أحد معاني التجديد الذي رامه الحديث المنسوب إلى النبي (ص):" إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"[46].

هـ - الإشكالات على هذه النظرية

وهذه النظرية قد تواجه العديد من الاعتراضات، نشير إلى اعتراضين منها:

الاعتراض الأول: إنّ هذا المنهج في الاستنباط يصادم أصالة ثبات الشريعة، المستفادة من الحديث المعروف: "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة"[47].

والجواب: إنّ هذا الإشكال مندفع، لأنّ المفروض أنّ الحكم الشرعي هو مؤطر من قبل الشريعة نفسها بهذا الإطار الخاص، فالخروج على هذا الإطار هو الذي يشكّل خروجاً على مسلمة "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة"، وليس الأخذ به، فإذا استفدنا من الشريعة نفسها ارتباط الحكم بموضوعه – بهذا التفسير للموضوع – فهذا يعني أنّ الحكم مع تغيّر الظروف أو تغيّر الموضوع تنتهي فاعليته بإمضاء صاحب الشريعة.

الاعتراض الثاني: لزوم تأسيس فقه جديد، فهذا المنهج سيغيّر صورة الفقه المعهودة ويؤسس لفتاوى غير مألوفة، بحيث إنّ الشريعة وبمرور الزمان قد تتغير صورتها ونغدو أمام صورة جديدة. وقد لاحظنا أن بعض الفقهاء قد أشار إلى هذا المحذور فيما لو بني على تغير الأحكام بتغير الوسائل التقنية التي تسهل أمر السفر وقطع المسافات الطويلة في الوقت القصير[48].

والسؤال: ما المراد بتأسيس فقه جديد؟ وهل هو مرفوض مطلقاً ؟

إنّ هذه الكلمة إنّما تترد على ألسنتهم في الموارد التي يكون فيها الأخذ أو ترك الأخذ ببعض القواعد أو الأصول موجباً لتغير كبير في النتائج الفقهية، وإليك بعض الأمثلة لذلك:

  1. إن قاعدة لا ضرر لا يمكن أن تكون مثبتة للحكم وإلا لزم تأسيس فقه جديد[49].
  2. ترك الأخذ بالمرجحات في باب التعارض[50].
  3. ما قيل من أنّ القرعة لا يؤخذ به على إطلاقه وإلا لزم تأسيس فقه جديد[51]. إلى غير ذلك من الأمثلة.

ولكن ما الوجه في رفضهم لكل ما يلزم منه تأسيس فقه جديد؟

الجواب: إنه وبصرف النظر عن أنّ بعض الموارد التي يتمسك فيها بهذه القاعدة ليس مما يلزم فيها ذلك، فإنه إذا أريد بتأسيس فقه جديد الأخذ ببعض الأصول أوالقواعد التي قد تؤدي إلى تحريم ما قام الدليل على حليته أو تحليله ما قام الدليل على حرمته أو نحوه من تجاوز أحكام شرعيّة منصوصة، أو أدى إلى الخروج على مسلمات فقهية فهذا سيكون مرفوضاً، فلو أدى التزام الفقيه برأي معين إلى تجاوز ذلك كما في بعض الأمثلة المتقدمة من تطبيق القرعة في كل مورد، كأن يطبّق القرعة لمعرفة من هو المحق من المدعييْن، فهذا بيّن البطلان، لأنّه سيؤدي إلى إلغاء موازين القضاء، وهو معلوم البطلان.

 وأما إن أريد بتأسيس فقه جديد تغيّر في الفتاوى والالتزام بفتاوى جديدة غير مألوفة ومخالفة للمشهور أو للإجماع، فلا ضير من الأخذ بما يؤدي إلى ذلك، حتى لو أدى إلى اهتزاز في المنظومة الفقهية الاجتهادية التقليدية، فهذه المنظومة هي نفسها حصيلة اجتهادية، وليست حجة علينا، أليست بعض النظريات الأصولية أو الرجالية قد تؤدي إلى تغيّر في عشرات الفتاوى السابقة؟! فهل نرفض تبنيها؟! أليس التغير التدريجي الذي طرأ على علم الفقه قد أدى إلى تغير العديد من الفتاوى؟  ألم يؤدِ تغيّر الرأي حول حجية الإجماع أو الشهرة من القول بحجيتهما والأخذ بهما إلى القول بعدم الحجيّة إلى تغيّر في العشرات من الفتاوى الفقهية؟!   فالسيد الحكيم رحمه الله يقول: "لو بني على العمل بما أعرض عنه الأصحاب لحصل لنا فقه جديد"[52]. فربما يقال له حيث قام الدليل على حجية الخبر وعلى عدم كاسرية إعراض الأصحاب فلا ضير في العمل بالخبر الذي أعرضوا عنه وإن أدى إلى انقلاب في الكثير من النتائج الفقهية.

باختصار: إنّ لزوم تأسيس فقه جديد ليس محذوراً باطلاً في نفسه، لأنّ هذا الأمر إنّما يدعو إلى التوقف إذا قطعنا ببطلان اللازم، كما في الأخذ بعموم القرعة لتحديد وتعيين الأحكام الشرعية المشكوكة، فإنّ هذا مقطوع البطلان، فهنا يصح القول لو أخذنا بالعموم للزم تأسيس فقه جديد، أمّا فيما لم يلزم ذلك فالمحذور ليس واضح البطلان.

والخشية من تأسيس فقه جديد، ربما انطلقت من وحشة الفقيه الذي تربى على منظومة تفكير معينة تتوجس من المخالفة أو الخروج على إطار التفكير السائد، وربما أعاق التهويل بهذا الأمر حركة العقل الفقهي عن التجديد وأدى إلى تحنيطه أو تعليبه أو تأطيره ضمن قوالب جامدة ساهمت في إبعاد الشريعة الإسلامية عن واقع الحياة. وبعبارة أخرى: إنّ المسألة هي حالة من الاستيحاش النفسي الناشئة عن حالة الجمود المنطلقة من الاعتقاد بجمود الشريعة وأحكامها، فيكون العامل النفسي هو السبب في نشوء أو انطلاق هذه المقولة "تأسيس فقه جديد" والتي تطرح في سياق رفض بعض الفتاوى، وقد أشار السيد الشهيد رحمه الله إلى هذا الأمر في مبحث السيرة[53].

من كتاب: أبعاد الشخصية النبوية (دراسة أصولية في تصرفات الرسول صلى الله عليه وآله التشريعية والتدبيرية والخبروية والبشرية)


[1] تهذيب الأحكام ج1 ص 234.

[2] الكافي ج 6 ص 412، وتهذيب الأحكام ج 9 ص 112، وعنهما وسائل الشيعة ج25 ص342، الباب 19 من أبواب الأشربة الحديث 1.

[3] من لا يحضره الفقيه ج3 ص47.

[4] الأصول العامة للفقه المقارن ص302.

[5] قال الحر العاملي في ذكر نقاط الافتراق بين الأصوليين والأخباريين:" قياس الأولوية كذلك، قياس منصوص العلة كذلك"، انظر: الفوائد الطوسية ص 448.

[6] أصول الفقه للشيخ المظفر ج 3 ص 205.

[7] نسبة الحكم إلى رسول الله (ص) هو من مؤشرات التدبيرية، كما أسلفنا، إلا إذا قامت القرينة على أنّه حكمه (ص) بصفته رسولاً ومبلغاً لشرع الله تعالى، ولا يبعد أن المقام كذلك.

[8] تهذيب الأحكام ج 10 ص 184، ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 119.

[9] أصول الفقه ج 3 ص 206.

[10] صحيح مسلم كتاب الصيام الحديث: 1870.

[11] الأصول العامة للفقه المقارن ص301، الحدائق الناضرة ج1 ص56.

[12] ذكرى الشيعة، ج1 ص139.

[13] الفوائد الملية لشرح النفلية ص293. وقد اعترض عليه سبطه السيد محمد في المدارك، قال: "ولو أذن هؤلاء لغيرهم في التقدم فقد جزم الشهيدان بانتفاء الكراهة، لأنّ أولويتهم ليست مستندة إلى فضيلة ذاتية، بل إلى سياسة أدبيّة، وهو اجتهاد في مقابلة النص"، مدارك الأحكام ج4 ص356

[14] جواهر الكلام ج 16 ص 83.

[15] الكافي ج 3 ص 383، وتعذيب الأحكام ج 3 ص 43.

[16] ففي الخبر عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَلَا تُبَاهُوا بِه حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ عَقْلُه؟"، الكافي، ج 1، ص 26، وفي مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَمَّا لَا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ لَا أَدْرِي.."، الكافي، ج 1، ص 42، وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَوْلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُه : * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ) * ( 1 ) قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَيُحَدِّثُ بِه كَمَا سَمِعَه لَا يَزِيدُ فِيه ولَا يَنْقُصُ مِنْه"، الكافي، ج 1، ص 51، وفي خبر سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِأَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ والصَّدَقَةُ تَذْهَبُ بِالْخَطِيئَةِ وقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ بِذِكْرِ اللَّه.."، الكافي، ج 2، ص 23، وفي الخبر عن جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَر (ع)، قَالَ: "يَا جَابِرُ لَا تَذْهَبَنَّ بِكَ الْمَذَاهِبُ حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ عَلِيّاً وأَتَوَلَّاه ثُمَّ لَا يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ فَعَّالاً.."، الكافي، ج 2، ص 74، وفي خبر شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع فِي الرَّجُلِ الْجُنُبِ يَسْهُو فَيَغْمِسُ يَدَه فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا أَنَّه لَا بَأْسَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَصَابَ يَدَه شَيْءٌ"، الكافي، ج 311، وفي خبر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا ع قَالَ سَأَلْتُه عَنِ الرَّجُلِ يَبُولُ ولَمْ يَمَسَّ يَدَه شَيْءٌ أيَغْمِسُهَا فِي الْمَاءِ قَالَ نَعَمْ وإِنْ كَانَ جُنُباً"، الكافي، ج 3، ص 12، وعَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ سُئِلَ كَمْ يُفْرِغُ الرَّجُلُ عَلَى يَدِه قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الإِنَاءِ قَالَ وَاحِدَةً مِنْ حَدَثِ الْبَوْلِ وثِنْتَيْنِ مِنَ الْغَائِطِ وثَلَاثَةً مِنَ الْجَنَابَةِ"، الكافي، ج 3، ص 12. إلى عشرات الموارد الأخرى.

[17] نهاية التقرير في مباحث الصلاة تقريراً لدروس السيد البروجردي، ج 1ص 105.

[18] المصدر نفسه 2 ص 484.

[19] كما أورد ذلك في كتاب الطهارة من التقريرات، وكتاب الحج منها أيضاً.

[20] وهو في كتاب الصلاة من التقريرات نفسها.

[21] الأصول العامة للفقه المقارن ص301.

[22] راجع مختلف الشيعة 5/12 ودراسات في المكاسب المحرمة للمنتظري ج1 ص537.

[23] القواعد الفقهية للبجنوردي ج4 ص95.

[24] م.ن ج4 ص298 وليراجع أجود التقريرات ج2 ص212 ومنتقى الأصول ج5 ص406.

[25] أجود التقريرات ج 2 ص 212.

[26] دليل العروة الوثقى تقريراً لدروس الشيخ الحلي ج 1 ص 373.

[27] كتاب الصلاة تقريراً لبحث النائيني للكاظمي ج 2 ص 76.

[28] أنظر: الفقه ومسائل طبية، ج1 ص122، وقد طرح الشيخ المحسني هذا الوجه افتراضا لا تبنياً، معلقاً ذلك على حصول العلم.

[29] مباني منهاج الصالحين ج10 ص254.

[30]  دراسات في المكاسب المحرمة للمنتظري ج2 ص 620.

([31]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج95، ص 227.

([32]) انظر: المصدر نفسه؛ واللافت أن المقطع المذكور ليس موجوداً في بعض النسخ العتيقة من كتاب الإقبال، على ما ذكر المجلسي، والذي استظهر استناداً إلى ذلك، أنّ بعضهم قد زاده فيه، أعني في كتاب إقبال الأعمال! (المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج95، ص227).

[33])) مفتاح الكرامة ج1 ص143.

[34] الأصول العامة للفقه المقارن ص366.

[35] في دراساتنا في فقه الطب ناقشنا في اندراج حالات التشريح تحت عمومات حرمة التمثيل.

[36] الحكم هو الحرمة واللعب هو المتعلق، والشطرنج هو الموضوع، والمتغيّر في المقام هو صفة اللعب.

[37] قواعد نافعة في الاستنباط، للشيخ محمد باقر الإيرواني، ص 190.

[38] المسائل لشرعية ج2 ص339.

[39] راجع: الاجتهاد والحياة ص137.

[40] المسائل الفقهيّة، المعاملات، ص 274.

[41] راجع: ايضاح الفوائد ج1 ص401.

[42]ا الثقافة الإسلامية، العدد الثالث والأربعون، ذو القعدة - ذو الحجة 1412هـ، ص44.

[43] نهج البلاغة، ج 4، ص 5.

[44] المصدر نفسه الحديث 11.

[45][45] فالحكم بوجوب الدية في قتل الخطأ على العاقلة، قد يقال: إنّه انطلق في ظلّ مجتمعٍ كان يغلب على علاقاته الاجتماعية الطابع العشائري، وكانت العشيرة في مثل هذه الملمات تقف متكاتفة متضامنة مع أبنائها، ولكنّ تطور الحياة الاجتماعيّة في الكثير من بلدان المسلمين ألغى الرابط العشائري، فربما يقال إنّ هذا التغير يؤثر على الحكم بوجوب الدية على العاقلة.

[46] سنن أبي داوود ج 2 ص 311.

[47] في صحيحة زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع )عَنِ الْحَلَالِ والْحَرَامِ؟ فَقَالَ: حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وحَرَامُه حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يَكُونُ غَيْرُه ولَا يَجِيءُ غَيْرُه"، الكافي ج 1 ص 58.

[48] قال السيد البروجردي:" لتمكن من طيّ فرسخين أو ثلاثة مثلا في مدّة قصيرة بسبب الوسائل النقلية التي بأيدينا من السيارات والطائرات لا يوجب تغيير الحكم ، بل طيّ هذا المقدار من المسافة إن أضرّ بصدق الإقامة أضرّ مطلقاً وإن كان في ربع ساعة مثلا ، إن لم يضر بصدقها وجب الحكم بعدم الإضرار وإن طالت المدة . فالتفكيك بين طيّه في زمان قصير بالوسائل النقلية السريعة وبين طيّه في زمان طويل مما لا يناسب الذوق الفقهي. كيف ولو كان الأمر كذلك لزم تأسيس فقه جديد في باب صلا ة المسافر ، فإنّ مقدار المسافة الشرعية أعني الثمانية كانت في صدر الإسلام شاغلة لليوم وكان طيها مستلزماً لصرف زمان طويل وموجباً لمشقة شديدة ، مع أنَّ طيّها بالوسائل الفعلية ربّما يكون في نصف ساعة من دون مشقة . فلو بني الأمر على مقتضيات الزمان الفعلي لزم تغيير الحدود المعينة في باب السفر وتعيين المسافة بمقدار يشغل اليوم فعلا كمأة فرسخ مثلا ؛ ولا يلتزم بذلك أحد . فيظهر بذلك أنّ الاعتبار في هذه الأمور ليس بما يقتضيه وضع زماننا ، بل يجب على كلّ أحد أن يفرض نفسه في العصر الذي صدر فيه الأخبار عن الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ، ومن المعلوم أنّ طيّ الفرسخين مثلا في تلك الأعصار كان يتوقف على تهيئة أسباب السفر وحمل الزاد وصرف زمان معتد به ، وكان هذا المعنى عندهم مبايناً لمفهوم الإقامة التي أخذ فيها التعطل عن السفر ، وإن كان طيّ هذا المقدار في أعصارنا أمراً عادياً غير مستلزم لتهيئة الأسباب أو لصرف زمان معتد به .

وبالجملة في المفاهيم والتحديدات الواردة في هذا الباب ، بل في جميع أبواب الفقه ، يجب أن نفرض أنفسنا في عصر صدور الأخبار ؛ فما هو المتبادر بحسب وضع ذلك العصر فهو الذي يجب أن نحمل عليه المفاهيم والتحديدات الواردة فيها ، فافهم "، البدر الزاهر ص 229..

[49] المكاسب للشيخ ج 6 ص 101، وقال المحقق النائيني:" أما قاعدة الضرر فلما بينا في محله أنها حاكمة على الأحكام الثابتة في الشريعة ، ولا يمكن إثبات حكم بها لولا تشريعه لزم منه الضرر ، فلو لم ينهض دليل على ضمان البائع ما اغترمه المشتري فكون الغرامة ضررا عليه لا يوجب تعلق الضمان على البائع . وعلى هذا فيسقط ما استشكله بعض : بأن الضرر لا يطرد في جميع الغرامات ، لأنه ليس المقام مقام التمسك بقاعدة " نفي الضرر " رأسا ، اطردت أو لا تطرد . وحاصل الكلام : أن قاعدة الضرر لو كانت مثبتة للحكم لما استقام حجر على حجر ، ولزم تأسيس فقه جديد ، ولزم تدارك كل خسارة من بيت المال أو من الأغنياء وبعض الأعاظم (السيد اليزدي ) ممن عاصرناهم وإن أفتى بجواز طلاق زوجة الغائب لرفع ضرر الزوجة استنادا إليها ولكن لا يمكنه الالتزام بتشريع الأحكام حتى فيمن تضرر بالمال وخسر في التجارة ، مع أن المسألتين من واد واحد "، انظر: منية الطالب ج 2 ص 171..

[50] قال السيد الشيرازي الكبير:" ..وإلى لزوم الهرج والمرج في الفقه ، وإحداث فقه جديد من طرح المرجحات كلية"، انظر: تقريرات المجدد الشيرازي في الأصول ج 4 ص 255.

[51] يقول السيد الخوئي:" أن أدلة القرعة لا يمكن العمل بها ما لم يصافق عليها المشهور للزوم تأسيس فقه جديد من الأخذ باطلاقها كما لا يخفى . ففي كل مورد وردت فيه بالخصوص كالشاة الموطوءة المشتبهة في قطيعة من الغنم أو عمل بها المشهور يؤخذ بها وإلا فلا "، أنظر: كتاب الخمس ص 146،  وردّ هو  على ذلك بعدم لزوم تأسيس فقه جديد ص 148.

[52] مستمسك العروة الوثقى ج 5 ص 91.

[53]   يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله :" وقد اشتدّت الحاجة إلى بحث السيرة بعد أن بطلت عدّة مدارك للفقه كانت تعتبر في الأصول القديمة من الأمور المعتمد عليها . توضيح المقصود : إنّ هناك حالة نفسانية ثابتة في نفس الفقيه تمنعه عن مخالفة ما كان في كلمات الأصحاب من المسلَّمات ويعدّ خلافه غريبا . ولذا ترى أنّه كثيرا ما يذكر في الفقه بالنسبة لأمر ما ككون نتيجة المعاطاة الإباحة مثلا ، أو الأخذ بقاعدة لا ضرر في مورد مّا ، أنّه يلزم منه تأسيس فقه جديد ، ويجعل هذا دليلا على بطلان ذاك الأمر . والَّذي يظهر من القرائن المحفوفة بكلماتهم ومن سوابق هذا الكلام ولواحقه في الموارد المختلفة أنّه ليس المقصود بذلك إبطال ذاك الأمر بعموم أو إطلاق أو إجماع ، وإلَّا لقالوا : إنّ هذا ينافي العموم الوارد في نصّ كذا أو الإطلاق أو الإجماع ، فالظاهر أنّ مقصودهم بذلك دعوى ما هو أقوى من الإجماع وهو أنّ الالتزام بذاك الأمر يستلزم الالتزام بعدّة أمور يكون الالتزام بمجموعها خلاف الضرورة الفقهيّة والمسلَّمات عند الأصحاب ، وخلاف ما هو مقطوع به لغاية وضوحه ، ولا يمكن التفصيل بين بعض تلك الأمور وبعض لأنّ كلَّها من واد واحد، ونسبة الدليل إليها على حد سواء فنستكشف من ذلك إجمالا بطلان ذاك الدليل وظهور خلافه عند الأصحاب بنحو يعدّ ذلك فقها جديدا .وكأنّ هذه الحالة ( أعني حالة رفض مخالفة المسلَّمات عند الأصحاب ) موجودة في نفوس علماء العامّة أيضا بالنسبة لمسلَّمات عصر الصحابة مثلا ، فيرون مخالفة ما كان مسلَّما في عصر الصحابة شيئا لا يقبله الطبع . ومن هنا يقع الفقيه في حرج عندما تقع المنافاة بين هذه الحالة النفسيّة له ، ومقتضى الأدلَّة والقواعد .

وكأنّ ما صدر من العامّة من سدّ باب الاجتهاد وحصره في دائرة علمائهم الأربعة وبعض تلامذتهم كان الدافع لهم إليه في الواقع هذه الحالة النفسيّة الكامنة في نفوسهم حيث أنّ سدّ باب الاجتهاد وحصره في تلك الدائرة يعالج لهم تلك المشكلة ، إذ لا تقع بعد هذا مخالفة بين الأدلة وتلك الحالة النفسيّة ، لأنّ الفقهاء الأربعة لم يخالفوا مسلَّمات الصحابة مثلا . فأراحهم هذا العمل عن لزوم تأسيس فقه جديد وحكم غريب من الأدلة ، كما أنّه أراحهم أيضا عن لزوم تأسيس فقه جديد وحكم غريب من ناحية عدم المبالاة بالدين ، إذ كان كثير منهم لا يبالون بدينهم ولا يخافون من جعل الحكم من عند أنفسهم ولو كان على خلاف ما هو المسلَّم في نظرهم عند الصحابة مثلا.

وأمّا أصحابنا الإماميّة - رحمهم الله - فهم فارغون عن الناحية الثانية إذ ليس فيهم من يجعل الحكم من عند نفسه . وأمّا الناحية الأولى وهي مخالفة الأدلَّة والقواعد لتلك الحالة النفسيّة فكانوا فارغين عنها أيضا سابقا، لأنّ أدلتهم كانت بنحو تتّسق مع المسلَّمات والمشهورات بين الأصحاب، وذلك لما كان يقوله جملة منهم من حجّيّة الإجماع المنقول ، وجملة منهم من حجّية الشهرة ، وجملة منهم من جبر الخبر ووهنه بعمل الأصحاب وإعراضهم ، بل تعمّقوا في هذا المضمار أكثر من ذلك فقال بعضهم بانجبار الدلالة أيضا بعمل الأصحاب . ويوجد مثل ذلك في كلمات الشيخ الأعظم ( قدّس سرّه ) مع أنّه مؤسّس صناعة الأصول الموجودة الآن بأيدينا، فقد يقول مثلا : لعل هذا الحديث دلالته منجبرة بعمل الأصحاب . وقد يقال: إنّ إطلاق دليل القرعة إنّما نعمل به في مورد عمل به الأصحاب ، ونحو ذلك مما يوجد في كلماتهم . وهذه المباني كانت تدفع عنهم محذور الوقوع في مخالفة تلك الحالة النفسيّة. ولكن المتأخرين من الأصحاب ( قدّس سرّهم ) شرعوا بالتدريج في هدم هذه المباني ، فكان هدم بعض تلك المباني من قبل الشيخ الأعظم  مثلا ، سلَّما لوصول المتأخرين عنه إلى آخر ما يقتضيه هذا المسلك من هدم تمام تلك المباني ، إذ كلَّها كانت هواء في شبك وكان التفطَّن إلى بطلان بعضها مستدعيا للتفطَّن بالتدريج إلى بطلان ما يشابهه، وكأنّ السيّد الأستاذ من أوائل من بنى على عدم انجبار الخبر ووهنه بالعمل والإعراض . وقد كانوا في أوائل أيام الشروع في إبطال هذه المباني يبطلون هذه المباني في الأصول ويتمسّكون بها في الفروع ، ولذا كان يشكل عليهم بأنّ الإجماع المنقول أصبح في الأصول غير حجّة وفي الفقه حجّة ، وترى الشيخ الأعظم ( رحمه الله ) يجعل لمثل ذلك أثرا مهمّا في الفقه والإفتاء مع إبطاله إياه في الأصول . وواقع المطلب أنّ الدافع لهم في الحقيقة إلى الإفتاء بعدّة من الفتاوى والأحكام هو تلك الحالة النفسيّة ، ولكنّ التزامهم بالفنّ كان مانعا عن ظهور ذلك لهم بوضوح ، وموجبا للاستنكاف من دعوى فتوى مع الاعتراف بعدم اقتضاء الأدلَّة والقواعد لها فكان أثر هذه الحالة النفسيّة يبرز لهم في صورة الدليل ، ودعوى حجّية الشهرة والإجماع المنقول ونحو ذلك ، بينما الدليل الحقيقي لهم على تلك الفتاوى إنّما هو تلك الحالة النفسيّة دون هذه الأدلَّة ، ولذا تراهم ينكرون تلك الأدلة في الأصول ويعملون بها في الفقه لوجود نفس الدافع السابق والدليل الحقيقي الكامن في النّفس فكأنّ واقع الدليل لم يبطل ولا زال باقيا في النّفس ، وإن بطلت الأدلَّة الصوريّة التي كانت في الحقيقة وليدة لواقع الدليل ولتلك الحالة النفسيّة . إلى أن انتهى الأمر بالتدريج إلى جعل ما في الأصول الجديد من إبطال هذه المباني مؤثرا على الفقه ، فترى السيد الأستاذ يبني فتاواه في الفقه على ما يقتضيه إنكار الجبر والوهن بالعمل والإعراض ونحو ذلك . ولأجل هذه التطورات بدأت تلك الحالة النفسيّة تظهر في مظهر آخر وهو حجّيّة السيرة . ولذي ترى الاستدلال بالسيرة في ألسنة المتأخرين عن الشيخ الأعظم ( قدّس سرّه ) كثيراً، وفي لسان الشيخ الأعظم ( رحمه الله ) قليلا فضلا عما قبل الشيخ الأعظم ( قدّس سرّه )"انظر: مباحث الأصول ج 2 ص 93.

 






اضافة تعليق

الاسم *

البريد الإلكتروني *

موضوع *

الرسالة *


 


 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon