حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
قصة الإمام الخميني مع الشيخ المشكيني
 
س » ما رأيكم بالفيلسوف صدر المتألهين ومدرسته الفلسفية؟
ج »
يمكن أن أوجز رأيي في نقطتين مختصرتين:
أولاً: أعتقد أنّ مدرسة الحكمة المتعالية مثلت في مرحلتها خلاصة الفلسفة الإسلامية لجهة عمقها ونضجها، وعلى يدي صاحب هذه المدرسة أعني صدر المتألهين الشيرازي تبلورت الكثير من المفاهيم الفلسفية بشكل واضح وجلي ومؤصل. وقد امتازت مدرسته بمزايا كثيرة، ومن أبرزها أنها وعلى الرغم من نقدها للمدرسة المشائية ورمزها الكبير ابن سينا قد توافقت معها على أهمية ومحورية البرهان في البناء المعرفي، ولم تكتف أبداً بالعرفان والكشف والشهود، وبذلك جمعت بين المدرستين – أي المشائية والإشراقية - ومدّت جسور التواصل بينهما، مع ميل واضح وجلي إلى مدرسة الإشراق والعرفان، ولا سيما إلى أفكار رمزها الكبير ابن عربي، صاحب الفتوحات المكية، وفي الوقت عينه فقد حرصت مدرسة الحكمة المتعالية على إظهار تناغم الأفكار الفلسفية والعرفانية وتوافقها التام مع نصوص القرآن الكريم، وحذت بذلك حذو ابن رشد في كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، وبذلك غدا القرآن والعرفان والبرهان في حالة اتساق واتفاق تام في رؤية هذه المدرسة.
ثانياً: إنّ هذه المدرسة وما تميزت به من رؤى فلسفية، وأفكار ملهمة ومؤثرة من قبيل فكرة الحركة الجوهرية أو نظرية وحدة الوجود جديرة بالبحث والتأمل والنقد والدراسة. وفي هذا السياق أرى أننا – من جهة - معنيون بالتعريف بهذه المدرسة فهي لا تزال مجهولة في بعض الحواضر العلمية، مع أنه ليس من الحكمة في شيء إهمالها أو تجاوزها أو التعامل معها باستخفاف، ومدعوون - من جهة ثانية – إلى مدارستها بطريقة نقدية ومقارنة مع النظريات الفلسفية الغربية أو غيرها، لأننا لا نرى مبرراً للجمود على أفكارها، فضلاً عن إعطاء رموزها - ولا سيما صدر المتأهلين – هالة مبالغاً بها من القداسة، بما يمنع من ممارسة نقد أفكارهم بحرية تامة، وكأن التفكير الفلسفي قد انتهى بعدهم، إنّ هذا ليس صحيحاً ولا يخدم الحكمة ولا الحقيقة ولا الإنسان.

 
س » نقرأ في فتاوى الفقهاء ومنهم السيد السيستاني أنه يجوز للمرأة الأمة أن تكشف عن رأسها.. لماذا هذا الفرق بينها وبين المرأة الحرة طالما أن الحجاب هو لنشر الفضيلة؟
ج »
المسألة مفتوحة على البحث ويمكن إعادة التفكير فيها بل قد يكون مهما وضروريا، لكنّ ما طرح في كلامكم من إشكال يمكن للسيد السيستاني وغيره من الفقهاء أن يجيبوا عليه، بأنّ القضية تندرج في ما يُعرف بالتعبد الشرعي، وبالتالي ليس ثمة ما يبرر قياس الأمة على الحرة ولا سيما بملاحظة ما ورد بينهما من فوارق في الأحكام والعديد من المجالات.وأما قضية نشر الفضيلة، فهي – في نظرهم - ليست سوى حكمة للحكم وليست علّة ليدور الحكم مدارها وجودا وعدما، ومما يعزز ذلك أنّ القضية مطروحة في الصلاة ولا علاقة لها بنظر الأجنبي، ولذا لو كانت الحرة في بيتها وحيدة وجب عليها أن تستر رأسه.، ولهؤلاء الفقهاء أن يقولوا إننا نلتزم بذلك بجواز كشف الأمة لرأسها في الصلاة فحسب، ودون أن يكون هناك ناظرٌ أجنبي، وإذا كانت بعض الروايات مطلقة وتدلّ على جواز كشفها رأسها حتى في غير الصلاة وحتى أمام الرجال الأجانب، فيمكن أن يُقيد اطلاقها بما جاء في رواية ابن بزيع سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن أمهات الأولاد لها أن تكشف رأسها بين يدي الرجال؟ قال: تقنع" . 
نعم، البحث يحتاج إلى مزيد من الدراسة لأن بعض الأخبار يظهر منها أن الجواز ليس منحصرا في الصلاة فحسب.

 
 
  مقالات >> أصول فقه
البعد التدبيري في شخصية النبي (ص) -2
الشيخ حسين الخشن



ثالثاً: موقعيّة مقام الولاية عند النبي (ص) ومكانته بالقياس إلى مقام التشريع

وفي هذه الوقفة نتطرق إلى أمرٍ مهم، وهو بيان الموقعيّة التي يحتلّها البعد التدبيري في شخصية المعصوم قياساً على البعد التشريعي.

لا ريب أنّ البعد التشريعي في شخصيّة النبي (ص) هو الأساس والمقوم وهو الذي استدعى إرساله من قبل الله تعالى، بصرف النظر عما إذا كان هو المشرع أو هو المبلغ الأمين لشرع الله تعالى، وكذلك الحال في الإمام (ع) فإن المرجعية الدينية هي الأساس في شخصيته وعليها المدار، وأمّا الدور القيادي والولايتي في الأمة - على أهميته - فهو ليس من مقومات النبوة ولا الإمامة المعصومة، وهذا ما نوضحه من خلال النقاط التالية:

  1. الإمامة في بعديْها الفكري والزمني[1]

   عرّف المتكلمون وغيرهم الإمامة بأنّها "رئاسة عامة في أمور الدنيا والدين"[2]، وما ينصّ عليه هذا التعريف أنّ للإمامة بعدين: بعد زمني دنيوي، وبعد معرفي ديني. والبعد الزمني والدنيوي يراد به أنّ الإمام المتعين لاستلام زمام القيادة السياسية في الأمة هو صاحب السلطة الشرعية، لكنْ ما المراد بالبعد الديني لتلك الرئاسة؟

   إنّ الرئاسة الدينية أو قلْ المرجعية الدينية لا يراد بها ما يمثله مصطلح المرجع في زماننا، باعتباره فقيهاً أميناً على استنباط أحكام الشريعة من مصادرها، وإذا أصاب في اجتهاده فهو مأجور وإذا أخطأ فهو معذور. وإنّما هي مرجعيّة مختلفة جوهرياً عن ذلك، فمرجعيّة النبي (ص) هي مرجعيّة معصومة، وهو الناقل الأمين لوحي الله تعالى، كما أنّ مرجعية الإمام الدينيّة - وفقاً لمدرسة أهل البيت (ع) - هي مرجعية معصومة، وليست مبنية على اجتهاد وبذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي، وإنّما تعني أنّه الأمين على بيان حكم الله الواقعي، كما أنّه الحافظ والحارس لدين الله عقيدة وشريعة، وهو ينهل من عين صافية لا مجال معها للاجتهاد والخطأ. وقد تقدم حديث الإمام (ع) لبعض من سأله: " مَا أَجَبْتُكَ فِيه مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ عَنْ رَسُولِ اللَّه ص لَسْنَا مِنْ أرَأَيْتَ فِي شَيْءٍ"[3].

  1. ما هو الأصل العقدي منهما؟

  مع اتضاح أنّ للإمامة هذين البعدين، يأتي السؤال عن موقع كل منهما من الإمامة كأصل عقدي؟

    نستطيع القول: إنّ البعد الديني والروحي والمعرفي هو الأساس في الإمامة المعصومة، وهو جوهرها وعمادها وهو الأصل فيها، أعني أنّه هو الذي أوجب إدراج الإمامة في أصول الدين عند الإمامية، وأوجب أيضاً أن يكون النبي (ص) أو الإمام معصوماً، فالعصمة شرط في النبي (ع) باعتباره ناقلاً لوحي الله والسبب المتصل بين السماء والأرض، وهي شرط في الإمام (ع) أيضاً باعتباره الحافظ لدين الله تعالى، أمّا البعد الزمني في الإمامة فليس من مقوماتها، ويمكن أن ينفكّ عن الإمامة دون أن يسقط جوهرها أو يخدش في مكانتها.

 إنّ السّلطة الزمنيّة هي مسألة فرعيّة فقهيّة، وليست مسألة كلاميّة عقديّة كما هي الإمامة الفكرية. نعم، لا شك - طبقاً للرؤية الشيعيّة - أنّ الإمامة السياسية الزمنية هي من مهام الإمام المعصوم في حال وجوده وظهوره، لأنّ الأكفأ من الناحية الدينية والروحية والمعرفية هو الأكفأ في إدارة الدولة وسياسة العباد. إلاّ أنّ السلطة الزمنية لا تنحصر بمن له السلطة الدينية بمعناها المتقدّم، أعني المعصوم، وإنما هي ثابتة لغيره أيضاً، في حال غيبته أو عدم وجوده، والعصمة ليست شرطاً في الحاكم والوليّ، كما هي شرط في النبي (ص) والإمام (ع). إنّ التزامنا بشرعيّة السلطة السياسيّة لغير المعصوم وبصرف النظر عن نظرية الحكم المتبناة لنا (ولاية الفقيه أو الشورى)، هو اعتراف بعدم اشتراط العصمة في القائد وولي الأمر.

   باختصار: إنّ الإمامة ببعديها الزمني والديني هي حق للإمام (ع)، لكنّ الإمامة ببعدها الزمنيّ هي حقٌّ قابلٌ للتنازل الظرفي عنه من قبل صاحبه، كما فعل الإمام الحسن (ع) في الصلح مع معاوية، ولا يضرّ تنازله عنها أو انتزاعها منه قهراً - كما حصل مع كثير من الأئمة (ع) - في إمامته. أمّا الإمامة الدينية، فهي - باعتبارها اصطفاءً إلهياً - حقّ غير قابل للإسقاط حتى من قبل النبي (ع) أو الإمام (ع) نفسه، فضلاً عن أن ينتزعها منه أحد، وتولّيه للسلطة السياسية أو عدم توليه لها لا يقدّم ولا يؤخر في إمامته الدينية شيئاً[4]، ويشهد له قوله (ص): "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"[5]، فإنّ تكريس إمامتهما في حال قعودهما - وهو قعود يراد به عدم تولي شؤون السلطة، كما أنّ القيام هو تولي تلك الشؤون - لا معنى له إلا الإشارة إلى الإمامة الدينيّة والروحيّة، إنّ حديث النبي (ص) يرمي إلى القول إنّ إمامتهما لا تُنتقص بعدم قيامهما بالمهام السياسية، ما يعني أن جوهر الإمامة ليس في هذه المهام، بل في المرجعية الدينيّة.

   ومما يدلّ على ما ذكرناه من أنّ البعد الديني في الإمامة هو الأصل، بينما البعد الزمني هو الفرع الذي لا تدور الإمامة مداره:

أولاً: إنّ النصوص الأساسيّة التي سيقت لإثبات الإمامة، وحاجة الأمّة إليها، هي خير شاهد على أنّ الأساس في الإمامة أنها تمثل مرجعيّة في الدين، وليست مجرد منصب زمني سياسي، فلاحظ على سبيل المثال: حديث: "أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة"[6]، وحديث: "من مات ولم يعرفْ إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة"[7]. فإنّ ما يؤدي جهلُه إلى موت الإنسان ميتة جاهليّة، ليس مجرد عدم التعرف على سلطان الزمان، بل على الإمام الدال على الله تعالى وحجته تعالى على الخلق، إلى غير ذلك من نصوص الإمامة الواردة عن رسول الله (ص) بشأن الإمام علي (ع) والأئمة من بعده، فإنّ المتأمل فيها يكتشف أنّ معظم هذه النصوص تتجه إلى تأكيد المرجعية الدينية للأئمة (ع)، لأنّ هذه المرجعية هي التي تحفظ الدين وتعصم الأمة، فحديث "الثقلين"[8] وحديث "السفينة"[9] وحديث "أنا مدينة العلم"[10] وغيرها من الأحاديث النبوية إنّما تركز بشكل رئيس على المرجعية الفكرية لأهل البيت (ع)، وسبب هذا التركيز أنّ هذه الإمامة هي الجوهر والأساس، وهذا يعد مؤشراً على جوهر الإمامة التي جعلت لهم (ع).

وعلى ذلك جرى التنظير الكلامي الشيعي، فإنّ ما سيق من وجوه وأدلة لإثبات ضرورة الإمامة وحاجة الأمة إليها، أو لإثبات صفتي العصمة والعلم الخاص في الإمام هي أدلة تناظر الأدلة التي سيقت لإثبات ضرورة النبوة وصفاتها، ما يعني أنّ الإمامة في نظرهم إنّما عُدَّت أصلاً اعتقادياً بلحاظ المهمة الدينيّة المنوطة بالإمام.

ثانياً: إنّ المرجعيّة السياسية لأهل البيت (ع) لو كانت هي الأصل في الإمامة للزم الحكم بنفي إماميّة من لم يعتقد بها حتى لو كان معذوراً في عدم اعتقاده لجهلٍ أو غفلة أو نحو ذلك[11]، مع أنه لو فرض أنّ شخصاً آمن بالأئمة من أهل البيت (ع) كمرجعية دينية، يأخذ منهم معالم دينه، ويتّخذهم حجّة بينه وبين الله تعالى، ولكنّه لم يوطن نفسه على الإيمان بمرجعيتهم السياسية لعدم التفاته إلى ذلك أو عدم وضوح ذلك لديه أو لاعتقاده بأنّ ذلك غير ثابت لهم، أو لشبهة اعترضته على هذا الصعيد، فإنّ ذلك لا يخدش في إماميته ( إيمانه بالمعنى الأخص) شيئاً. وبالأولى أنّ الشخص الذي لم يلتزم بالإمامة السياسية لأهل البيت (ع) وآمن بإمامة غيرهم لا يُعدّ كافراً أو خارجاً عن الدين، لأنّه لم يتنكر لأصلٍ من الأصول، ومن هنا لم يحكم علماء الشيعة بكفر منكر حق الإمام في السلطة أو منكر نص الغدير، وحتى الذين أقصوا الإمام علي (ع) عن حقه لم يحكم أحد بكفرهم[12]. صحيح أنّ هذا الإقصاء ترتب عليه الكثير من المفاسد، ومنع أو حال دون الإفادة الكاملة من فكر الأئمة (ع) ولا سيما الإمام علي (ع)، بمعنى أنّ الإقصاء عن المرجعية السياسية أثّر سلباً على استفادة الأمة من المرجعية الدينية لأهل البيت(ع) لكن هذا ليس قدراً لازماً، بل إنّ وظيفتنا اليوم أن نعمل على فكّ الحصار عن فكرهم (ع) بهدف إيصاله إلى العالم، إنّ ذلك من مسؤوليتنا نحن الذين ننتمي إلى الإمام علي (ع) والأئمة من ولده.

ويؤيد ما تقدم أيضاً أنّ من الثابت تاريخياً أنّ كثيراً من الأنبياء (ع) الذين حدّثنا عنهم القرآن الكريم لم يتسنّ لهم تولّي الإمامة الزمنيّة، وقد انخرط بعضهم في أنظمةٍ لا يتولاها حاكمٌ شرعي كما جرى مع نبي الله يوسف (ع) الذي تولى الخزانة في عهد أحد ملوك مصر، ولكنهم مع ذلك نهضوا بمهمتهم الرساليّة الدينية على أكمل وجه، وعدم تسنّمهم لهذا الموقع لم ينقصْ من نبوّتهم ولا درجتهم شيئاً، ما يعني أنّ أساس النبوّة هو في الرسالة الدينيّة وليس في السلطة الزمنيّة.

  1. تصويب المسار

   وفي ضوء هذا التفكيك المشروع بين البعدين المذكورين، يجدر بنا أن نصوّب مسارنا في التعاطي مع قضيّة الإمامة، لأنّ مشكلتنا أننا نثير المعارك والصراعات الكلامية المذهبية على الفرع ونترك الأصل، فنبذل معظم الجهود البحثية ونصرف وقتاً كبيراً لتأكيد المرجعية السياسية لأهل البيت (ع) وأحقيتهم في تولي السلطة بعد وفاة رسول الله(ص)، مع أنّ هذه المرجعية - وهي حق - ليست هي الأساس في إمامتهم كما عرفنا، وإنما هي قضية تاريخية وأصبحت جزءاً من تاريخنا وليست قضيّة اعتقاديّة يدور الإيمان مدارها[13].

رابعاً: التدبيريّة بين المؤيدين والمعارضين

في هذه الوقفة سنسلط الضوء على أدلة القائلين بأن للنبي (ص) والأئمة (ع) من بعده دوراً قيادياً يستدعي أن تصدر عنهم أحكام ومواقف من هذا الموقع، وكذلك سنعرض لأدلة المستشكلين أو الرافضين لذلك، وهذا توضيح ذلك: 

  1. سلطة النّبي (ص) دينيّة أم دنيويّة؟

وقبل أن نسهب في الحديث عن البعد التدبيري في شخصيّة النبي (ص)، لا بدّ أن نشير إلى أنّ ثمّة اتجاهاً فكرياً يناقش في هذا البعد، من زواية إنكاره لوجود سلطة شرعيّة دينية في الإسلام، وذلك باعتبار أنّ النبي (ص) ليس سلطاناً ولا من مهمته أن يتولى شؤون الحكم، وإنما هو رسول من رب العالمين، وتولّيه للحكم وما يصدر عنه في هذا المجال هو تدبيرات استصلاحيّة ارتآها بصفته البشرية الخبروية القيادية، فليس الله عزّ وجل هو من قلّده هذا المنصب لتكون قيادة الأمة وما تقتضيها من مواقف منصباً دينياً. فهذا المبنى ينفي تشريعيّة تدبيراته بنفي الأساس الذي تبتني عليه، وهو إلهية المنصب، وأما ما سيأتي البحث فيه، فهو يبتني على التسليم بشرعيّة السلطة الدينية، وأنّ الله تعالى قد جعل لنبيه (ص) هذا المنصب، ولكن مع ذلك، يقع البحث - كما سنرى - في أنّ ما يصدر عنه (ص) من أحكام في هذا المجال هل هو أحكام شرعيّة أو أنها مجرد تدبيرات؟

باختصار: إنّ هذا الاتجاه ينكر أن يكون النبي (ص) مكلّفاً من الله تعالى بإدارة السلطة، فهذه ليست وظيفة إلهية[14]، وهو (ص) إنما تولّى السّلطة ليس لأنّ مهمته الدينية الإلهية تفرض ذلك، وإنما تولى ذلك، لأن الظروف التي عاشها والمخططات التآمرية والعدوانية التي هدفت إلى القضاء عليه واستئصال دعوته قد فرضت عليه تأسيس قاعدة انطلاق آمنة، كما أنه بعد أن حارب المشركين وغيرهم وكسر شوكتهم كان ممن الطبيعي أن لا يترك المجتمع في حالة فراغ على هذا الصعيد، فالمجتمع كان بحاجة إلى سلطة، تمنع الهرج والمرج وتحفظ النظام العام، وتسد النقص في هذا الجانب، ولذا تصدى (ص) لتولي السلطة، لا من باب أنّ ذلك جزءٌ من رسالته الدينية، فالسلطة ذات طابع مدني دنيوي وليس ذات طابع ديني، ولو أنّ المشركين كانوا قد سمحوا للنبي (ص) أن يتحرك في نشر دعوته بكامل حرية دون إرهاب ومكر وسعي إلى القضاء عليه، لما كان محتاجاً إلى إقامة دولة.

  • أنبياء (ع) ليسوا قادة

وربما يستدل لهذا الرأي بما حدثنا عنه القرآن عن وجود أنبياء سابقين لم يكن لديهم مثل هذه الولاية التنفيذيّة، والنموذج الواضح لذلك هو النبي الذي حدثنا عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } [ البقرة:246 ]، حيث يلاحظ مجيء هذه الجماعة إلى نبيهم ليطلبوا إليه أن يعيّن لهم ملكاً يقودهم، ولو كانت السلطة له لنبههم على ذلك، ما يعني أنّ السلطة التنفيذية ليس بالضرورة أن تكون بيد الأنبياء(ع).

ولكن يلاحظ على ذلك:

 أولاً: إن مجيء هؤلاء إلى النبي المذكور ليعيّن لهم قائداً يقودهم هو مؤشر على أن المركوز في أذهانهم أنّ النبي (ع) هو من يعيّن ذلك، وأنّ ذلك من صلاحيته.

ثانياً: إنّ الآية لا تدل على انفكاك السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية بالنسبة للأنبياء (ع)، وذلك لأنّ الجماعة المذكورة إنّما طلبوا من النبي قائداً عسكرياً، وليس حاكماً عاماً، كما يظهر من قوله:{ ملكاً نقاتل..} البقرة: 246.

  • مناقشة المبنى المذكور

ولكنّ المبنى المذكور مرفوضٌ عند مشهور علماء المسلمين، لجملة من الوجوه والأدلة التي يسوقونها في هذا المجال، ومن أهمّها أنّ المتأمل في المنظومة التشريعيّة في الإسلام يجد أنّها لم تقتصر على البعد الروحي والأخلاقي، بل تضمنت مشروعاً متكاملاً لنظم الحياة الاجتماعيّة، بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وقد وضعت الشريعة نظاماً جزائياً وقضائياً، فضلاً عن نظام الأحوال الشخصيّة، ومعلوم أنّ هذا كله لا يمكن تحققه بغير سلطة. وفي هذا الإطار جاءت الخطابات القرآنيّة للنبي (ع) والتي تأمره بصفته قائداً بإقامة القسط والعدل[15] وبتولي بعض الأمور المتصلة بالسلم[16] أو الحرب[17] أو غيرها من القضايا المنوطة بيد السلطة، إنّ ذلك يؤشر إلى ضرورة انبثاق سلطة إسلامية أمينة على تنفيذ هذه المنظومة التشريعية[18].

 وهذا ما نعنيه بأنّ السلطة على صلةٍ وثيقة بالشريعة الإسلامية، وذلك بطبيعة الحال لا يمنع من فتح باب التساؤل والبحث الاجتهادي ليس في منظومة الأحكام التي ورثناها عن السلف فحسب، بل وفي طبيعة السلطة نفسها بعد النبي (ص) وبعد المعصوم (ع) لنرى ما إذا كانت قائمة على أساس الشورى أو ولاية الفقيه. فالكلام في هذه المرحلة يدور حول أصل شرعيّة السلطة في الإسلام. ولسنا الآن بصدد الكلام عن صيغة نظام الحكم في الإسلام ودراستنا هذه ليست متكفلة للتفصيل في بيان هذا الأمر على أهميته.

  1. الأدلة على التدبيريّة في الشخصيّة النبويّة

إنّ الاعتقاد بأنّ الشريعة نفسها قد أعطت النبي (ص) هذه المسؤولية ( مسؤوليّة تولي السلطة )، لا يمنع من طرح السؤال مجدداً، عن طبيعة ما يصدر عنه (ص) في المجال السياسي والتنظيمي، فهل هو أحكام شرعيّة أو أنّ من الممكن كونه تدبيرات استصلحها لزمانه (ص)؟

فيما يلي نعرض أدلة المثبتين للبعد التدبيري في شخصية النبي (ص)، والذي يؤكد على أنّه ليس كل ما يصدر عنه (ص) هو أحكام تشريعيّة، بل إنه يتضمن الكثير من التدبيرات، وما سنذكره من أدلة قد نعاود التطرق إليها عند الحديث عن حدود الحكم التدبيري، لأنّ ثمّة خلافاً في ذلك، فثمة صنف من الأعلام يوسع الدائرة، بينما صنف آخر لا ينكر أصل امتلاك النبي (ص) لهذا البعد لكنه يضيّق دائرة الأحكام.

يمكن أن تذكر عدة وجوه لإثبات ذلك:

الوجه الأول: قوله تعالى: "وأطيعوا الرسول"

إنّ قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]، ناظر إلى لزوم إطاعته (ص) في المجال التدبيري والسلطاني، بحسب ما ذهب إليه بعض الفقهاء[19]، وهو رأي قريب.

وقد يعترض على الاستدلال بالآية:

 أولاً: إنّ الآية الكريمة لا تدل على أكثر من لزوم إطاعته (ص) فيما يصدر عنه، بصرف النظر عن حيثية الصدور، ولم تحدد الآية ما هي طبيعة الصادر عنه وأنّه حكم تدبيري أو حكم مولوي، وعليه فلا بدّ في الدرجة الأولى أن نثبت للنبي (ص) صلاحية قيادة المجتمع وإصدار أحكام تدبيرية، ليستقيم بعدها الاستدلال بالآية المباركة، وإلا فبدون ذلك فإنّ لقائل أن يقول: إنّ ما ثبت له (ص) أنه رسول رب العالمين المتصل بوحي السماء، وما يميّزه عن غيره هو هذه الميزة، ولكنه ليس زعيماً سياسياً أو قائداً عسكرياً، وبالتالي فما يأتي وما يصدر عنه هو وحي سماوي وشريعة إلهية.

ويرده: إنّ عطف الأمر بإطاعة الرسول (ص) وإطاعة أولي الأمر على الأمر بإطاعة الله تعالى، هو القرينة على إرادة الأوامر السلطانية من قوله: "وأطيعوا الرسول وأولي الأمر"، وذلك لأنّ إطاعة الله تعالى في أوامره ونواهيه لا يراد منها إلا إطاعته فيما يبلغنا عنه تعالى من قبل الرسول (ص)، لأنّ المؤمنين لا يعرفون أوامر الله ونواهيه إلا عن هذا الطريق، فيكون قوله: "أطيعوا الله" ناظراً إلى الأحكام المولوية، وعليه فلا وجه لقوله بعد ذلك: "وأطيعوا الرسول" إلا إذا كان المراد إطاعته (ص) في أوامره هو، لا في الأوامر التي تلقاها من قبل الله تعالى.

  ثانياً: إنّ إطاعة الله تعالى - فيما يبدو - ذُكرت توطئة لإطاعة الرسول (ص) فيما يأمر به أو ينهى عنه، وحيث إنّ إطاعته (ص) انصبت على صفته الرسوليّة، فيكون المأمور به إطاعته بما له دخل في هذه الصفة، وهو ليس سوى الأحكام التشريعية التي يتلقاها عن الله تعالى.

ولكننا نقول: إنّ هذا مجانب لظاهر الآية في كون إطاعة الله تعالى مطلوبة في ذاتها وليس لمجرد التمهيد لما بعدها. ولو سلمنا بذلك، فإنّ عنوان " وأولي الأمر" شامل له (ص)، وهو دال على لزوم إطاعة ولي الأمر رسولاً كان أو إماماً أو حاكماً عادلاً في أحكامه التدبيرية، لأنّها أحكام تصدر عنه بصفته ولياً للأمر.

ثالثاً: ما ذكره السيد الخوئي من "أنّه سبحانه عطف إطاعة الرسول على إطاعة نفسه، وهو يعطي التغاير بينهما، ومن الواضح أنّ إطاعة الرسول فيما يرجع إلى أمر الدين إطاعة لله تعالى، وهو داخل تحت قوله ( أَطِيعُوا اللهَ ) فلا محالة يكون المراد في الأمر بإطاعة الرسول إطاعته في أوامره الشخصية ، ويوضّح ذلك : أنّ الامتثال والإطاعة لله إنّما يكون بإطاعة أمر الرسول، إذ لا يأمر الله أحداً بلا واسطة، فكأنه تعالى قال ( أَطِيعُوا اللهَ ) بامتثال أمر الرسول ثم عطف عليه الأمر بإطاعة الرسول في أوامره الشخصية"[20].

ونلاحظ على كلامه: إنّه لو قبلنا بالقرينة التي ذكرها لإثبات أنّ قوله: "وأطيعوا الرسول" لا يراد به إطاعته بصفته مبلغاً لشرع الله ، فإنها لا توصل إلى النتيجة التي ذكرها، وهي أنّ المراد بقوله " أطيعوا الرسول" هو إطاعته في أوامره الشخصيّة، بل الأقرب حمله على أوامره السلطانية أو على الأعم منه ومن أوامره الشخصيّة[21]، وكون الرسول داخلاً في "أولي الأمر" لا يمنع من ذلك، فيكون من قبيل التعميم بعد التخصيص، ويشهد لذلك أنّ أمر الإطاعة لم يتكرر مع أولياء الأمر، وإنما عطف "أولو الأمر" على الرسول، بأمر واحد، ما يعني أن سنخ الإطاعة في الرسول وفي أولي الأمر واحد، بخلاف إطاعة الله التي خصصت بأمر إطاعة.      

الوجه الثاني: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم }[الأحزاب: 6].

 والوجه الثاني الذي يمكننا الاستدلال به في المقام هو قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }  [الأحزاب:6]، فإنّ هذه الآية قد أعطت النبي (ص) ولايةً على المؤمنين جعلته أولى بهم من أنفسهم، والمتيقن من ولايته عليهم، أنّ له الولاية عليهم في الأمور الاجتماعيّة والسياسيّة العامة، "بمعنى أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أحقّ وأولى بالنسبة إلى الأمور العامة المطلوبة للشارع غير المأخوذة على شخص خاص من المصالح الاجتماعية التي يرجع فيها كلّ قوم إلى رئيسهم و يرونها من وظائف قيّم المجتمع ، كإقامة الحدود ، والتصرف في أموال الغيّب والقصّر ، وحفظ النظام الاجتماعي ، وجمع الضرائب وصرفها في المصالح العامة، وعقد المواثيق مع الدول والملل ونحو ذلك . ففي هذا السنخ من الأمور الاجتماعية المرتبطة بالولاة يكون هو (صلى الله عليه وآله وسلم ) مبسوط اليد مخلّى السرب وتكون تحت اختياره و يجب على الأمة إِطاعته فيها والتسليم له ، ولا يجوز لأحد التخلف عن أوامره أو مزاحمته أو اتخاذ القرار بخلافه ، حيث إن النظام لا يستحكم إِلاّ بكون الرئيس في الأعمال المرتبطة به مطاعاً مخلّى السرب"[22]. وأما ولايته (ص) عليهم في القضايا الشخصية - كطلاق زوجة فلان أو بيع داره أو أخذ ماله - فالظاهر أنها ليست مورداً لنظر الآية، إلا إذا فرض أنها كانت على صلة بمصلحة اجتماعية عامة.

يقول الشيخ الطوسي في تفسير الآية:" المراد به ومعناه: أولى بتدبيرهم وفرض طاعتهم ولا يكون أحد أولى بتدبير الأمة إلا من كان نبياً أو إماماً، وإذا لم يكن نبياً وجب أن يكون إماماً"[23].

وربما يقال: إنّ تفريع الولاية على النبوّة هو شاهد - أيضاً - على كون الولاية هي من شؤون النبوّة، ما يصلح مؤيداً لما تقدم، من أنّ الحكومة هو منصب إلهي موكل بالأنبياء، فتأمل. 

الوجه الثالث: إقامة العدل والتطبيقات التدبيريّة

 إنّ وظيفة الأنبياء (ع) كما يحددها لنا القرآن الكريم لا تنحصر بمجرد نقل رسالة السماء إلى بني الإنسان، بل إن لهم وظيفة أخرى وهي تحقيق العدل في المجتمع في ضوء ما حددته رسالة السماء[24]، فالأنبياء (ع) أرسلوا ومعهم الكتاب والميزان وذلك بهدف تحقيق العدل، وبسط العدل في المجتمع يحتاج إلى أن يكون للنبي (ع) بالإضافة إلى دوره التشريعي والتبليغي سلطة تنفيذية تسمح له بذلك، ومن هنا لاحظنا أن الله تعالى يأمر نبياً من أنبيائه بالتصدي إلى أمر الحكومة بهدف تطبيق العدل في الأرض، قال تعالى:{ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ ص 26] .

الوجه الرابع: سيرة النبي (ص) العمليّة

 إنّ سيرة النبي محمد (ص) العمليّة هي خير دليل على وجود هذا البعد في شخصيته، فهو قد مارس دور الحاكم، فأسس الدولة ونظّم المجتمع وقاد الجيش وأصدر التعليمات والتوجيهات المختلفة، وفي كلِّ هذه المراحل التي عاشها في المدينة المنورة كان يقود الأمور وينظِّمُها بهدي من الوحي ويصدر التوجيهات والتدبيرات ذات الطبيعة المؤقتة والمرحلية، مما تقضيه تلك المرحلة بكل أحداثها، صحيح أنه كان ينتظر وحي السماء في كثير من القضايا، ولكن ملاحظة سيرته تنبينا أنّه كان ينتظر الوحي فيما يتصل بالأمور التشريعية، وأمّا في إدارة الحياة العمليّة فقد كان يبادر إلى اتخاذ إجراءات وتدبيرات بحسب ما يرى برأيه الصائب والثاقب وعقله الملهم وفي ضوء ما كان يوحى به إليه، فالوحي هو الهادي وبمثابة الشعاع الذي يضيء على حركة الأحكام التدبيرية، والله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه هذا الهامش الكبير، وهو هامش تقتضيه طبيعة الحياة المتغيرة والمتحركة في جانبها التنظيمي والإداري.

 وفي ضوء ما تقدّم يكون تحقق هذا البعد في شخصية النبي (ص) أمراً طبيعياً. ولو لم يكن لديه (ص) مثل هذه الصلاحية لكان هو الأمر المستغرب، ولتساءلنا عن السِّر في غيابها. ولا يخفى على المتدبر في سيرته، أنّ هذا البعد في شخصِ نبينا محمد (ص) هو بعدٌ أساسي.

  1. الأئمة (ع) والتدبيريّة

والبعد التدبيري - كما ترى المدرسة الإسلاميّة الشيعيّة - ليس مختصاً بالنبي (ص)، بل هو ثابت لجميع الأئمة من أهل البيت (ع) أيضاً. وهذا ما نتطرق إليه في هذه الفقرة.

  • ثبوت الموقع لهم

إنّ ثبوت منصب الإمامة الذي يستدعي صدور أحكام تدبيرية للأئمة من أهل البيت (ع) هو أمرٌ لا يخضع للتشكيك، وذلك طبقاً لأدلة كثيرة أقامها علم الكلام الشيعي على ذلك، وإذا كانت الظروف التاريخيّة قد حجبت وأبعدت معظمهم عن هذا الموقع فهذا لم يمنع من أن يتصرفوا أو يتكلموا من موقع الإمامة في ظروف مختلفة، فصدرت عنهم أحكام ذات بعد تدبيري في النطاق الذي امتدت ولايتهم فيه والذي لا يثير حساسية السلطة السياسية التي عاصروها، ففي كل مورد أتاحت لهم الظروف إصدار أحكام من هذا القبيل تولوا هذا الأمر. وفي بعض الموارد كانوا يشيرون إلى أنّه لو كانت يدهم مبسوطة لفعلوا كذا وكذا، ففي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس.."[25]. والأمر في الخبر بمعنى أمر القضاء والحكم، وقوله (ع): " لو كان الأمر إلينا.." لا يراد منه نفي كون الأمر إليهم واقعاً، بل ظاهراً وبحسب الظروف، فهو يقول: لو أننا تولينا الأمور لأجزنا القضاء بالشاهد واليمين في حقوق الناس، وقد قال الإمام الخميني: "هذه الرواية تدل على أنّ هذا التنفيذ وهذه الإجازة هو تنفيذ ولي الأمر والسلطان"[26].

الأخذ بقول الإمام الحي وأخبار التفويض

وقد يستدل به لإثبات هذا البعد في الشخصيّة النبويّة أو الإمامية، ما ورد عن بعض الأئمة من أهل البيت (ع): أنّه إذا روي عن أولهم خبر ثم روي عن آخرهم خبر معارض له فيؤخذ بالخبر الوارد عن الإمام المتأخر أو الإمام الحي، بناءً على وجه في تفسير هذه الأخبار، وهذا ما نبحثه مفصلاً في الملاحق. وكذلك يستدل لإثبات الشخصية التدبيرية لدى المعصوم ببعض أحاديث التفويض، والتي تدل على أنّ الله تعالى فوّض إلى نبيه (ص) أمر الخلق، فيما يتصل بهدايتهم وإصلاحهم والعمل على نظم أمورهم، ومعلوم أنّ إصلاحهم ونظم أمورهم يقتضي أن يصدر عنهم تعليمات وأحكاماً مؤقتة لا دائمة، وسنذكر بعض هذه الأخبار في الملاحق.

ولكننا نعتقد أنّ إثبات ذلك لا يحتاج إلى هذه الطائفة من الأخبار أو تلك، فإنّ خير دليل على ثبوت الموقع لهم ما أشرنا إليه وسيأتي من أنه قد صدر عنهم (ع) الكثير من الأحكام التدبيرية.

  • الأئمة (ع) وفعليّة التدبير

هذا ولا ريب أنّ الإمام علياً (ع) قد تولى السلطة الفعلية وكذلك الحسن (ع) في مدة يسيرة من حياته، وأمّا سائر الأئمة (ع) فلم يتسن لهم هذا النوع من استلام زمام السلطة الفعلية، بمن في ذلك الإمام الرضا (ع) والذي قبل ولاية العهد مكرهاً وشرط على المأمون أن لا يعزل ولا ينصب أحداً[27].

ولهذا ربما يقال: إنّ احتمال التدبيريّة فيما عدا كلام النبي (ص) أو كلام أمير المؤمنين(ع) أو الحسن (ع) لا محل له في كلام سائر الأئمة (ع)، باعتبار أنّهم لم يتصدوا لهذه المهمة، وهي سلطة إدارة المجتمع وشؤونه، وعليه فمن الطبيعي أن لا يصدر عنهم أحكام تدبيرية.

ولكننا نقول: إنّ الأئمة (ع) بعد علي والحسن (ع) بطبيعة الحال لم يصدر عنهم أحكامٌ سلطانيّة عامة تتصل بقضايا الحرب والسلم، أو قضايا نصب الأمراء وعزلهم أو تتصل باقتصاد الدولة بشكل مباشر أو ما إلى ذلك، لكن هذا لم يمنع من "تصرفهم بالإمامة"، فصدر عنهم أحكام تدبيرية في النطاق الذي لا يجعلهم في تماس مباشر مع السلطة، فالمقام لهم وهم أولى بذلك[28]، ولذا إذا كانت ظروفهم القاهرة تمنعهم من إصدار أوامر تتصل بالمجتمع الإسلامي بعامة، فإنّ ذلك لم يمنعهم من إصدار أوامر خاصة في نطاق الجماعة الخاصة التي تؤمن بإمامتهم وتنقاد لهم، وسيأتي أنه صدر عنهم بعض الأحكام التدبيريّة في هذه النطاق، فضلاً عن أنهم قد بينوا أنّ بعض ما صدر عن النبي (ص) قد صدر عنه بصفته ولياً للأمر وليس بصفته مبيناً ومبلغاً لشرع الله تعالى.

وعلى العموم، فإنّ من النتائج السلبيّة لإبعاد الأئمة (ع) وإقصائهم عن السلطة والخلافة هو حصول هذا الفقر في هذا الجانب، وحصول إرباك لدى الشيعة في كيفيّة التعامل مع الأحكام التشريعيّة، فالأئمة (ع) لو تسنى لهم التصدي للحكم في كل هذه المدة التي تصل إلى ما يزيد على قرنين ونصف فهذا يستدعي حتماً صدور عشرات الأحكام السلطانية عنهم، وهذا سوف يكون نِعْمَ العون لنا في فهم هذا البعد وعلاقته بالبعد التشريعي.

وقصارى القول: إنّ الأئمة (ع) حتى لو لم يتسلّموا السلطة السياسية أو الموقع القيادي الأول في الأمة فعلاً بما يتيح لهم أن يصدروا أحكاماً تدبيرية بشكل واضح وعلني، لكن مع ذلك فقد كان لهم موقع قيادي في حدود معينة، الأمر الذي أتاح لهم أن يصدروا أحكاماً تدبيرية في هذه الحدود، كما سنلاحظ. 

ولا ريب أنّ منع الأئمة (ع) من التصدي لأمر القيادة العامة في المجتمع الإسلامي قد حرمنا الكثير من البركات، ومنها ما يتصل بحركة الأحكام التدبيرية، وبيان حدودها وعلاقتها بالأحكام التشريعية. 

  1. إشكالات على المقام التدبيري

لقد تمّت الإشارة إلى أنّ ثمّة من ينكر ويرفض البعد السلطاني في شخصية النبي (ص) ويحمل كل أفعاله على البعد التشريعي، وهذا أوان بيان هذا الرأي بشيء من التفصيل. وربما يعترض على التدبيرية ببعض الإشكالات، نبينها فيما يلي:

الاعتراض الأول: التدبيرية والهوى

إنّ الأخذ بالتدبيرية منافٍ لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4]، حيث دلّت الآية على أنّ كل ما نطق به النبي (ص) هو وحي يوحى به إليه، ما يعني أنه ليس هناك أحكام تصدر عنه باعتبارها أحكامه، وإنما كلها أحكام إلهية، وقد صحّ عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله سلم بشر يتكلم في الغضب والرضاء! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتبْ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق"[29].

والجواب: إنّ الحصر المستفاد من قوله: {إنّ هو إلا وحي يوحى} [النجم: 4] هو حصر إضافي ، في مقابل ما جاء في صدر الآية المباركة من نفي نطقه عن الهوى، فهو وحي يوحى في مقابل الهوى الذي ربما يتوهم البعض أنّ النبي (ص) قد يصدر عنه في بعض أحكامه وتعاليمه. ومعلوم أنّ الحكم التدبيري ليس من الهوى في شيء، وإن لم يكن من الوحي، ما يعني وجود صنف ثالث لكلامه، ليس وحياً ولا هوى. وأما رواية عبد الله بن عمرو فإنها -  أيضاً - لا تدل على نفي صدور أحكام تدبيرية عنه، لأنّ مثل هذه الأحكام داخلة في ضمن الحق الذي لا ينطق (ص) بغيره، وليس مما يصدر عنه من موقع الغضب والانفعال.

هذا على أننا لا نرى مانعاَ من أن يكون الحكم التدبيري في بعض الأحيان موحى به إلى النبي (ص)، فقد يوحي إليه الله تعالى اتخاذ موقف تدبيري ظرفي في بعض المحطات، لكن شريطة نهوض الدليل أو قيام على تدبيريته وظرفيته.

الاعتراض الثاني: التدبيريّة تستلزم خطأ المعصوم

إنّ التدبيرية تعني أنّ النبي (ص) قد يجتهد ويخطأ، والحال أنّه معصوم عن الخطأ، في القول والفعل والفكر والعاطفة.

ويلاحظ عليه: إنّ التدبيرية لا تفترض أنّ النبي (ص) حتماً سيقع في الخطأ، ولا موجب لافتراض ذلك، وكون الحكم التدبيري يخضع للتغيير والتبديل لا يعني أنه خاطىء وإنّما يعني أنّه حكمٌ مؤقت وخاضع لظروف خاصة، وهذا من قبيل تغير الحكم بتغير الموضوع، وسيأتي توضيح ذلك في البحث عن الخبرويّة.

الاعتراض الثالث: لو كان لبان

 إنّه لو كان للمعصوم مثل هذا البعد في شخصيته، لتنبّه إليه الفقهاء المتقدمون ونبهوا عليه، وهؤلاء أقرب إلى عصر النص وإلى فهم وظائف المعصوم من غيرهم، وحيث لا حضور لهذا البعد في كلامهم، فلا هم نصّوا على هذه الوظيفة للنبي(ص) أو الإمام (ع) ولا هم فسّروا بعض الكلمات أو المواقف الصادرة عنه تفسيراً ولايتياً تدبيرياً فلا مجال للالتزام بهذا البعد.

والجواب: إنّه من قال إنّ هؤلاء لم ينبهوا لذلك، أو لم ينصوا عليه، فهم عندما تحدثوا عن أنّ الإمام (ع) له الولاية على الناس، فإنّهم كانوا على وعي بهذه الوظيفة، بل قد يقال: بأنّ ذلك كان مرتكزاً في إذهانهم.  

وهكذا عندما نجد أنّهم في موارد عديدة أشاروا إلى أنّ هذا الصادر عن المعصوم مما لا يمكن اطراده، فعبّروا عنه أنّه "قضية في واقعة"، فهم على الأرجح قد كانوا يشيرون إلى هذا المعنى في كثير من الأحيان.

الاعتراض الرابع: إطلاق أدلة الأحكام

 إنّ التدبيرية تنافي إطلاق كلام المعصوم (ع)، فإنّ مقتضى إطلاق كلامه الأزماني هو بقاء الحكم واستمراره إلى يوم القيامة، ولا مجال لتجميده أو تغييره من أحد.

والجواب: إنّ هذا الاعتراض أشبه ما يكون بالمصادرة، فإنّ المدعى أنّ الأحكام التدبيرية لا امتداد لها في عمود الزمان، وإنما هي مؤقتة وظرفية وموسمية، وعند قيام الدليل على التدبيرية فإنّ ذلك يشكل قرينة تمنع من انعقاد الإطلاق وتوضح بما لا لبس فيه أنّ المعصوم ليس في مقام البيان من جهة الامتداد الزمني للحكم، وبعبارة أخرى: إنّ مدعانا أنّ الإطلاق الأزماني لا مورد ولا محل له في الأحكام التدبيريّة، وإنّما يصحّ التمسك به في الأحكام المولويّة التشريعيّة، أجل لو أريد القول: إنّه وعند الشك في التدبيريّة فإنّ مقتضى الإطلاق هو المولوية فهذا بحث آخر وسوف نتطرق إليه لاحقاً بعون الله تعالى.

وقصارى القول: إن سيرة النبي (ص) والأئمة من أهل بيته (ع) ولا سيما أمير المؤمنين (ع) تؤكّد بشكل واضح لا لبس فيه أنه قد صدر عنهم (ع) الكثير من التعليمات التدبيرية كما سيأتي بيانه لاحقاً. وفي المحور التالي سنتحدث عن ثبوت هذا المنصب للحاكم الشرعي أيضاً.

خامساً: حقيقة الحكم التدبيري وعلاقته بالحكم التشريعي

ما هي حقيقة الحكم الولايتي التدبيري، هل هو حكم أولي أم ثانوي؟ وهل هو حكم واقعي أو ظاهري؟ وما الوجه في تقدمه على الأحكام الأوليّة؟

  1. حقيقة الحكم التدبيري

هل الحكم الولايتي حكم واقعي أو حكم ظاهري؟ أو أنه سنخ ثالث من الأحكام؟

يقول الشيخ مفيد الفقيه: "وأمّا الحكم الولائي - الذي عليه عمل الملتزِمين بولاية الفقيه في وقتنا الحاضر - فقد فسروه: بأنه لا يجب أن يكون هناك واقع ثابت مُسبقًا، أو حقيقة ثابتة يريد الحاكم أن ينجِّزُها، بل يكون المقصود بحكمه: هو تنجيز حكم واقعي على الأمّة لم يكن موجودًا في الشريعة، ولَم يكن هناك إلزام بحسب التشريع الأولي، ولا ملاك الإلزام، وحتى لو كان فيه ملاك الإلزام، فإنّ مصلحة عدم الإلزام تزاحمه. ومثلوا له: بما لو رأى الحاكم ضرورة تحديد الأسعار، فحكم بذلك. وذكروا أن هذا ليس حكمًا ظاهريًا حتى يمكن افتراض الخطأ فيه، بل كان حكمًا واقعيًا على أساس إعمال الولاية، إذا لم يكن فيه ملاك، أو كان له ملاك ولا يمكن إيصاله عن طريق الشريعة إلا من خلال ولاية الوليِّ"[30].

وقد اعترض على ذلك بأنّه:

  1. "إذا كان المقصود بهذا الكلام أنّ حكم الحاكم يكشفُ عن وجود مِلاك للحكم الشرعي، وهو وجوب الالتزام بحكمه. فبالإضافة إلى أنّ هذا دور واضح، فإنا لا نظنّ أحدًا يلتزم بذلك، لأنّ الملاكات لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يمكن استكشافها إلا عن طريق الحكم الثابت في الشريعة. وأمّا أن نستكشف مِلاك الوجوب الشرعي الواقعي من حُكْم الحاكم، فهذا من أوضح أنحاء التشريع المحرَّم بالكتاب والسنة والضرورة".
  2. "وإذا كان المقصود: أنّ المصلحة التي نظر إليها في حكمه، هي قويّة إلى درجةٍ تصحّ أن تكون مِلاكًا للحكم الشرعي: فإن كان المقصود بذلك: أن هذه "المصلحة" تكون من العناوين الثانوية، التي يعلم برجحانها الشرعي إلى درجة الإلزام. فهذا صحيح، ولكنّ حُكْم الحاكم حينئذٍ يكون تطبيقًا للحكم الشرعي على مورده غير المنصوص عليه بخصوصه. وبعبارة أوضح: يكون حكمًا للعنوان حيثما وُجِد، وقد طـبَّقه الحاكم بنظره الاجتهادي على هذا المورد، فهو حُكْم أوليّ، ولكن على عنوان آخر، وبعنوان آخر، غير العنوان الذي كان ثابتًا له أولاً، فهو حكم كاشف أيضًا، ويصحّ تسميته حكمًا ولائـيًا، لأن الوليَّ هو الذي طـبَّقه على مورده، وهذا موجود في كثير من أبواب الفقه - إن لم يكن كلها-  كما لو ثبتت الحرمة لموضوع، ثم طرأ على هذا الموضوع عنوان الضرر، أو الاضطرار، أو الإكراه، أو نحو ذلك، فإن الحرمة ترتفع لا محالة".
  3. "وأمّا إذا كان المراد بحكم الحاكم الولائي هو نفس الحكم الواقعي الذي يراه الحاكم إلزامًا. فهذا - بهذا المقدار- لا معنى له، لأن الحكم الواقعي حكم أُنشِئ على نحو القضيه الحقيقة، فإذا رآه الحاكم فعليًا لفعلية موضوعه، فهذا مثل القضاء، يكون حكمه فيه نافذًا، لأن رؤية الحاكم مقدَّمة على رؤية الآخر، فهو كحكم القاضي"[31].

وتعليقاً على ذلك نقول: إن الحكم الولايتي – كما سيتضح لاحقاً - ليس سنخاً واحداً، لأنّ الحاكم الشرعي تارة يصدر حكمه في دائرة التزاحم الاجتماعي، منطلقاً في حكمه من انطباق عنوان ثانوي على المورد، فيكون دوره تقديم عنوان على آخر وهذا ما أشير إليه في الشق الثاني من كلامه. وتارة يصدر حكمه في دائرة الفراغ التشريعي، وهنا إن انطبق عنوان إلزامي ثانوي، فمن الطبيعي أن يتقدم على العنوان الأولي المقتضي للجواز بالمعنى الأعم، وبطريق أولى[32]، وأما إذا لم يندرج المورد تحت عنوان ثانوي إلزامي، ولكن مع ذلك استصلح الحاكم أن يصدر حكماً إلزامياً فهنا - وبعد الفراغ عن صلاحيّة الحاكم في إصدار الحكم - يرد السؤال عن حقيقة هذا الحكم؟ وأنه حكم واقعي أو ظاهري، وما يمكن أن يقال: إنّ هذا الحكم لا موجب لعدّه حكماً واقعياً أو ظاهرياً، لأنّ الأحكام الشرعية هي التي تنقسم إلى هذين الصنفين، وحكم الحاكم في المقام ليس حكماً شرعياً ليتد إدراجه ضمن هذا التصنيف. أجل، يمكن القول: إنّ حكمه هذا يحملُ روحَ الحكم الظاهري، لجهة أنّه مبني على اجتهاد يتضمن جنبة كشف معينة عن الواقع، وهي تشخيص الحاكم وجود مصلحة ملزمة، ومعلومٌ أنّ تشخيصه قد يكون صائباً وقد يكون غير صائب. وعلى كل تقدير، تجب إطاعته في حكمه ما لم يُقطع بخطأه في التشخيص، بل قد يقال: إنه حتى مع القطع بخطأه تجب إطاعته أيضاً، لأنّ ما دلّ على جواز النقض أو عدم وجوب الالتزام به، إنما هو في صورة كون حكم الحاكم أو القاضي مخالفاً للحكم الواقعي ومؤدياً إلى ضياع الحقوق[33]، وفي المقام إذا كان حكمه في دائرة الفراغ فلا يوجد سوى الإباحة الواقعية حسب الفرض، وإذا كان حكمه في دائرة التزاحم الاجتماعي، فإنّ نظره فيها محكم كما قلنا، ولا يمكن إسقاط حكمه لعامة حتماً، لأنّه لا حجيّة لرأيهم ولا أثر لقولهم في المقام، وكذلك لا يجوز للحاكم الآخر نقضه إلا في حال غدا الثاني مبسوط اليد وأصبح الأمر له، لأنّ إعطاء الحاكم حق نقض حكم الحاكم الآخر يؤدي إلى الهرج والمرج واختلال النظام. وبعبارة أخرى: ما يقال عن أنّه لا تلزم في بعض الصور إطاعته ويجوز نقض حكمه عند القطع بخطأه، فذلك فيما إذا كان حكماً في قضيّة شخصيّة، وأمّا إذا كان هذا الحكم في قضية اجتماعية أو سياسية عامة، فلا يجوز نقضه لأحد من أفراد الناس، لأنّ ذلك ليس من مهامهم، وإنما من مهام الحاكم البصير بالشأن العام. وأمّا سائر الفقهاء فلا يتسنى لهم نقضه لمجرد الاختلاف في التشخيص، وإلا لأدى ذلك إلى الهرج والمرج، نعم لو أن الحاكم كان مصراً على رأيه عناداً رغم وضوح بطلانه، وتنبيهه على خطأه، فهذا يخدش شرط العدالة فيه ويسقط أهليته للحكم، وعندها يجوز نقض حكمه بل قد يجب العمل على إسقاطه. 

ثم في المورد الذي يُنقض فيه حكمه الصادر في دائرة الفراغ أو في دائرة التزاحم، فإنّ نقض الحاكم الآخر لهذا الحكم ليس من جهة تبين مخالفته للواقع، وإنما من جهة تبين الخطأ في التشخيص، وأنه لا توجد مصلحة تقتضي رفع اليد عن الإباحة بالمعنى الأعم أو عن الحكم الأولي الإلزامي.

  1. علاقة الحكم التدبيري بالحكم التشريعي

هل يتقدم الحكم الولايتي على الحكم الشرعي؟ وإذا قيل بالتقدم فما وجهه؟

  يبدو أنّ ثمة اتجاهين في المسألة:

الاتجاه الأول: إنّ الأحكام التدبيريّة بما أنّها أحكامٌ إجرائيّة جزئيّة وواقعة في طريق إنفاذ الأحكام الكليّة الإلهية فهي حكماً "في طول الأحكام الشرعيّة الأولويّة والثّانويّة لا في عرضها"[34]. وعليه فلا مجال لتقدمها عليها.

الاتجاه الثاني: إنّ "الحكومة هي شعبةٌ من الولاية المطلقة لرسول الله (ص)، وتعدّ واحدة من الأحكام الإلهية للإسلام ومقدَّمة على جميع الأحكام الفرعيّة حتى الصلاة والصوم والحج.." [35].

ولا يخفى أنّ صحة الاتجاه الأول مبنيّة على عدم نهوض دليل يثبت صحة الاتجاه الثاني، وحيث إنّنا سوف نرجح فيما يأتي - استناداً إلى الأدلة والشواهد - أنّ الحاكم له ولاية في منطقة الفراغ  بملئها بالأحكام الإلزامية الحكوميّة الملائمة، وتحويل الحكم الترخيصي إلى حكم إلزامي، فهذا يعني أنّ الحكم التدبيري له نوع  سلطة وقيمومة على الأحكام الأولية، وأنّ الشريعة نفسها قد فوّضت إلى الحاكم هذه الصلاحية. بالإضافة إلى ما سيأتي من صلاحيات أخرى على هذا الصعيد.

 ولهذا يكون الاتجاه الثاني الذي يرى تقدم الأحكام الحكومية على الأحكام التشريعية له وجاهة، بيد أنّ السؤال ما هو وجه تقدمها؟ وما طبيعة العلاقة بين الحكمين؟ فهل هي علاقة الحكومة؟ أم أنّها علاقة حكم ثانوي بآخر أولي؟

من الطبيعي أنه لا معنى للحكومة بمعناها الأصولي، لأنها تفترض وجود خطابين شرعيين يكون أحدهما ناظراً إلى الآخر ومتصرفاً في موضوعه بالتوسعة أو التضييق، وهذا غير متوفر في المقام.

ولذا قد يقال: إنّ علاقة الحكم التدبيري بالحكم التشريعي هي علاقة الحكم الثانوي بالحكم الأولي، والحكم التدبيري هو حكم ثانوي وهو يتقدم على الحكم الأولي عند تحقق موضوعه.

وبعبارة أخرى: إنّ الحكم التشريعي قد يكون حكماً أولياً كحرمة شرب الخمر، وقد يكون حكماً ثانوياً كحلية شرب الخمر للمكره أو المضطر إليه، بينما الحكم السلطاني لو أريد أو صحّ إدراجه ضمن هذا التصنيف للحكم فهو دائماً حكم ثانوي ينصب على منطقة الفراغ أو في دائرة التزاحم الاجتماعي المشار إليها، وفي كثير من الحالات قد يكون مخالفاً لحكم القاعدة الأولية، كما في مثال النهي عن منع فضل الماء، فإنّ الأصل أنّ للإنسان سلطنة على ملكه، ولكن النبي (ص) منعه من إعمالها، وهكذا أكل لحوم الحمير الأهلية، فهو بحد ذاته حلال، ولكن النبي (ص) حرمه ظرفياً لحاجة المسلمين للدواب لركوبها في المعارك.

وقد يقال: "إنّ أحكام الشريعة كلّها أحكام أوليّة، حتى هذه الأحكام الولائية. ولا يسمى الحكم ثانويًا إلا بلحاظ أنه حكم آخر، أو حكم ثانٍ لنفس الموضوع، لتبدُّل عنوانه الذي يستوجب انتفاء المفسدة أو المصلحة منه.  فلا نقول إن هناك أحكامًا أولية وأحكامًا ثانوية، بل الأحكام كلها أوليه صادرة عن الشارع بنصّ خاص أو عام.  نعم، نقول: إن الحكم: ( تارة ): يكون للموضوع نفسه بعنوانه الأولي الطبيعي.  (وأخرى ): يكون للموضوع نفسه بعنوان آخر"[36].

ولكننا نقول: لنفرضْ أنّ تسمية الحكم السلطاني حكماً أولياً أو ثانوياً ليست ذات جدوى ولا يترتب عليها ثمرة عملية، ولكن على كل حال، فإنّ الحكم التدبيري أكان صادراً لتطبيق الحكم الأولي، أو لتجميده أو تغييره، أو لغير ذلك، وذلك في منطقة الفراغ، فهو في طول الحكم التشريعي ومتقدم عليه، سواء عبّرنا عن هذا التقدم بالحكومة أو لم نعبّر بذلك، فلا مشاحة في الاصطلاح، والوجه في التقدم هو قيام الدليل على إعطاء الحاكم نظارة إشرافيّة وسلطةً تسمح له بتغيير الأحكام الشرعيّة في المجالات المشار إليها سابقاً.

  1. صلاحيّة التدبير حكمٌ شرعي

وينبغي أن يُعلم أنّ ما يصدر عن الحاكم في مجال نظم الشؤون العامة وتطبيق المقررات الشرعيّة هي أحكام تدبيريّة كما قلنا، وسيأتي حديث مفصل عن سعة أو ضيق دائرة الأحكام التدبيريّة، ولكنّ ما نروم التنبيه عليه هنا أنّ أصل امتلاك النبي (ص) أو الإمام (ع) هذه الصلاحيّة، أعني صلاحيّة إصدار أحكام تدبيرية هي حكم تشريعي مولوي، لا يقبل التبديل والتغيير، فالله تعالى هو منْ شرّع هذا الأمر وأعطى النبي (ص) أو الإمام (ع) هذه الصلاحيّة، وما يشرعه الله تعالى لا يمكن لأحدٍ نسخه أو إلغاؤه، أجل قد يمكن تجميده نتيجة الظروف التي تواجه المعصوم وتمنعه من العمل بهذه الصلاحية، يقول العلامة الطباطبائي: " إنّ الأحكام التي تصدر عن منصب الولاية والحكومة الشرعيّة قابلة للتغيير والتحول، حسب مقتضيات الظروف والأجواء الاجتماعية، ولذلك فلا تحسب من أحكام الشريعة، أما مسألة الولاية والحكومة ذاتها فهي غير قابلة للتغيير والاختلاف، ولا يمكن أن تتأثر بالظروف والبيئات مهما كان تأثيرها، وذلك لأن مسألة الحكومة ترتبط بالفطرة والكينونة البشرية، ولا يختلف حكمها من محيط اجتماعي إلى محيط اجتماعي آخر"[37]، وكما أنّ أصل صلاحيّة التدبير هي حكم تشريعي، فإنّ إطاعة الحاكم في حكمه التدبيري هي حكم شرعي، كما مرّ سابقاً.

وحيث كان للنبي (ص) أو الإمام (ع) مثل هذا البعد القيادي، فيكون من الطبيعي أن تتنزّل عليه أو تتوجه إليه أحكام بصفته قائداً، كما قد تتوجه إليه أحكامٌ بصفته الفرديّة، فالأحكام الشرعيّة المتوجهة إلى النبي (ص) أو الإمام (ع) على نوعين:

النوع الأول: الحكم الذي يكون المخاطب به هو المكلف الفرد، بما في ذلك النبي (ص)، ويندرج فيها ما يصطلح عليه بخصائص النبي (ص).

النوع الثاني: الحكم الذي يكون المخاطب به هو المكلف القائد أو الدولة، أكان بلسان مخاطبة أولي الأمر[38]، أو بلسان مخاطبة النبي (ع)، مع علمنا بأنه خوطب بذلك بصفته القيادية[39]، أو بلسان مخاطبة المؤمنين، مع علمنا أنّ المراد هو مخاطبتهم بصفتهم الاجتماعية لا الفردية[40]، وهذا ما يعني أن المتولي لذلك هو القيادة.

والأحكام المتصلة بالجهاد وإقامة الحدود وجباية الضرائب وتنظيم السياسات الاقتصاديّة والعمرانيّة، وما يتصل بحفظ النظام العام هي أحكام تتوجه - في الأساس - إلى النبي (ص) بصفته القيادية.

وبذلك يتضح أنّ الصفة القيادية لدى النبي (ص) أو الإمام كما تستدعي أن يصدر عنها أحكام تدبيرية، فإنّها تقتضي وتستدعي أن يتوجه إليها خطابات بصفته القيادية عينها. وهذه الخطابات قد تكون ذات مضمون تدبيري ظرفي وقد تكون أحكاماً شرعيّة وبعض منها يحدد تكاليف القائد ومسؤولياته، وهذا يسمح بفتح باب الحديث عن التدبيرية في بعض الآيات القرآنية، بمعنى أنّ بعض ما خوطب به النبي (ص) في القرآن الكريم قد يكون خطاباً وتوجيهاً له - وللأمة من خلاله - بصفته التدبيرية وليس التشريعية.

وكما يلزمنا تمييز الأحكام التشريعية من التدبيرية الصادرة عن النبي (ص)، فإنّ من اللازم أن نميّز - كذلك - بين الأحكام الموجهة إلى أفراد المكلفين، ومنهم النبي (ص) بصفته الشخصيّة، وبين الأحكام المتوجهة إليه بصفته القيادية، وكما أنّ الخلط في المجال الأوّل مضرٌّ (وهذا ما سيأتي بيانه) فإنّ الخلط في المجال الثاني أيضاً مضرّ.

وربما يقال: إنّ الأحكام التدبيريّة تنحصر بخصوص ما صدر عن النبي (ص)، لأنّ منطقة التدبير متروكة من قبل الله تعالى إليهما بصفته قائداً للأمة، وأمّا ما يصدر عن الله سبحانه وتعالى فهي أحكام شرعيّة وليست تدبيرات.

فإنّه يقال: هذا صحيح، إلا أنّ الله تعالى في مواكبته لحركة النبي (ص) - في تبليغ الرسالة وما تواجهه من تحديات وصعاب وما يحاك ضدها - قد يوجّه بعض الإرشادات إلى نبيه (ص) تسديداً له وتثبيتاً للجماعة المؤمنة المحيطة به (ص)، وهذه الإرشادات حتى لو اشتملت على توجيهات إلزاميّة، فإنها قد تحمل روح الحكم التدبيري، لجهة كونها مختصة بمرحلة معينة ولا تمتد امتداد الزمان على عكس ما هو الحال في الأحكام التشريعية الصادرة لتنظيم حياة الإنسان في الحالات الطبيعية. ومن يقرأ السور القرآنية التي تتضمن الحديث عن حروب النبي (ص) وظروفها ومجرياتها قد يجد نماذج تثبت صحة ما نقول، ألا ترى أن الحديث عن إعداد رباط الخيل، في قوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل} [الأنفل: 60]، إنّما هو مثال لما نقوله، فهو ليس حكماً تشريعياً يتسم بالثبات، وإنما هو حكم ظرفي مرحلي، وهو في الواقع مصداق للقوة المأمور بها في الآية المباركة، فإعداد القوة هو مبدأ ثابت، وأما إعداد الخيل فهو وسيلة متغيرة ومتحركة.

وأعيد التأكيد على أنّ مثل هذه التشريعات تحملُ روح الحكم التدبيري لجهة مرحليتها وظرفيتها ولم نقل إنها أحكام تدبيرية، وذلك حتى لا يقال اعتراضاً علينا بأنّ هذه الأحكام الواردة في القرآن الكريم هي أحكام شرعيّة، ولكنّها ترتفع بارتفاع موضوعها، وارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه ليس من شأن الشارع، تماماً كثبوت الأحكام بثبوت موضوعاتها.

  1. وجوب إطاعة ولي الأمر في أحكامه التدبيرية

وما تقدم عن محوريّة المرجعيّة التشريعيّة والفكريّة في الشخصيّة المعصومة، لا يلغي البحث عن الشخصيّة السلطانيّة والتدبيريّة لهم، وذلك لأنّ البحث عنها وفيها على صلة وثيقةٍ بالشخصيّة التشريعيّة، إذْ لا يمكن فهم حدود الشخصيّة التشريعيّة إلا إذا فهمنا أبعاد الشخصية السلطانية، والعكس صحيح. وهذه في الواقع إحدى ثمرات البحث في الشخصية التدبيرية للمعصوم، وثمة ثمار أخرى تقدمت الإشارة إليها. ولا ريب في وجوب إطاعة النبي (ص) فيما صدر عنه من موقع التدبير كما تجب إطاعته فيما صدر عنه من موقع التشريع ووجوب إطاعته في أحكامه التدبيرية هو حكم شرعي كما سيأتي.

  • الفارق بين الإطاعة في الحكم التشريعي والإطاعة في الحكم التدبيري

والفارق بين إطاعته في الحكم التشريعي وإطاعته في الحكم التدبيري أنّ إطاعته في مقام التشريع هي إطاعة وامتثال لأمر الله ونهيه، بينما إطاعته في مقام التدبير هي إطاعة لأمره ونهيه (ص)، يقول الإمام الخميني: إن النبي (ص) "بما أنه مبلغ ورسول من الله ليس له أمر ولا نهي، ولو أمر أو نهى في أحكام الله تعالى لا يكون ذلك إلا إرشاداً إلى أمر الله ونهيه.. وأمّا إذا أمر أو نهى بما أنه سلطان وسائس فيجب إطاعة أمره بما أنه أمره، فلو أمر سريّة أن يذهبوا إلى قطر من الأقطار تجب طاعته عليهم بما أنه سلطان وحاكم.. وقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59] ناظر إلى تلك الأوامر والنواهي الصادرة من الرسول(ص) وأولي الأمر بما أنّهم سلاطين وأولياء على الناس.."[41].

  • إطاعة ولي الأمر غير المعصوم في أحكامه

 وحيث كانت إطاعته (ص) في التدبير هي إطاعته بصفته ولياً للأمر، فلا يكون للأمر علاقة بشخصيته المعصومة، ولذا تجب إطاعة كل حاكم شرعي ولو لم يكن معصوماً، وذلك بصرف النظر عما إذا كانت دائرة ومساحة إطاعة ولي الأمر مساوية لدائرة ومساخة إطاعة الحاكم المعصوم، ويمكن الاستدلال عليه أيضاً بالاستناد إلى إطلاقات وعمومات إطاعة ولي الأمر، ومنها: قوله تعالى: { وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (النساء: 59). واحتمال خطأ الحاكم غير المعصوم في التشخيص أو في إصدار الأحكام وإن كان وارداً لكنّ ذلك لا ينفي وجوب الإطاعة فيما لم يُقطع بحصول الخطأ فيه، وذلك للتمسك بالعمومات المذكورة عينها، مضافاً إلى أنّ ترك إطاعته في هذه الحالة يؤدي إلى اختلال النظام، الذي من أجله كانت الولاية. يقول الشيخ لطف الله الصافي الكلبيكاني ( معاصر): "الأحكام السلطانية وإنْ كانت بشريّة غير إلهيّة، وكانت لا محالة متأخرة عن الأحكام الإلهيّة، لأنّها لتحقيق إجراء الأحكام الإلهيّة وتنفيذها، لكنّ أصل جواز الحكم للحاكم وولايته على إصدار هذه الأحكام وإلزام الآخرين في الموارد التي قررها الشارع حكم شرعي، كما أنّ وجوب طاعة الحاكم في أحكامه حكم شرعي أيضاً كما ذكرنا. وإذا لم يكن الحاكم في هذه الأحكام من المعصومين وأولي الأمر الذين قرن اللّه إطاعتهم بطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) - ولو كان من عمّالهم والمنصوبين من قبلهم بالنصب الخاص أو العام - فإنّه يجوز وقوعه في الخطأ والاشتباه ، ولكن تجب إطاعته حفظاً للنظام إلا إذا عُلم خطؤه، وحينئذٍ فلا يجب على العالم بذلك إطاعته، بل ينبغي في بعض الموارد تنبيهه على خطئه. ومن لا يعلم ذلك وإن احتمله فيجب عليه إطاعة الحاكم "[42].

أجل، وقع الكلام والخلاف في بعض الجوانب:

منها: سعة ولاية الحاكم غير المعصوم، فهل له الولاية العامة، بحيث تكون ولايته مساوية لولاية النبي (ص)، كما ذهب إليه الإمام الخميني حيث رأى أنّ للحاكم "من الحقوق والمناصب والولاية، ما للنبي الأكرم من إعداد القوات العسكرية، ودعمها بالتجنيد ، وتعيين الولاة وأخذ الضرائب ، وصرفها في محالها، إلى غير ذلك"[43]. أو أنه لا يمتلك مثل هذه الولاية العامة، ولكنه يمتلك الولاية في الأمور العامة كما يرى بعض الفقهاء.

ومنها: وجوب إطاعته في حال تبيّن خطأه، وللمسألة صور متعددة[44] مبحوثة في بابها، والمؤكد أنه لا يجوز مخالفة حكمه لمجرد خلاف اجتهادي، ما دام اجتهاده طبق الموازين، وأنّه تجوز المخالفة في حال قطع بخطأ الحاكم في حكمه واجتهاده لقصور أو تقصير، وبحثه موكول إلى محله.

  • الالتزام بالقوانين في ظلّ الأنظمة غير الشرعيّة 

وتحسن الإشارة إلى أنّ القوانين المتصلة بتنظيم شوؤن البلاد والعباد هي قوانين نافذة وتحرم مخالفتها حتى في ظلّ الحكم غير الشرعي أو الدولة غير الإسلامية، لأنّ حفظ النظام من أهم الواجبات الدينية، واختلاله هو من الأمور التي لا يقبل الإسلام به على كل حال، وقد ورد في بعض الأحاديث التأكيد على ذلك، فعن أمير المؤمنين (ع) : "وإِنَّه لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِه الْمُؤْمِنُ، ويَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ ويُبَلِّغُ اللَّه فِيهَا الأَجَلَ ويُجْمَعُ بِه الْفَيْءُ، ويُقَاتَلُ بِه الْعَدُوُّ وتَأْمَنُ بِه السُّبُلُ ويُؤْخَذُ بِه لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ ويُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ"[45]، وعنه (ع): "والٍ ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم"[46]، وقد تنبه الفقهاء إلى هذا الأمر وجرت عليه الفتوى[47].

  • المحاسبة والمؤاخذة على مخالفة الأحكام التدبيريّة

 وقد تحدثنا عن قاعدة وجوب حفظ النظام وأدلتها ومجالاتها في محلّ آخر[48]. ولن نزيد على ذلك شيئاً، ولكننا نكتفي هنا بالتطرّق إلى مسألة المحاسبة على مخالفة الحكم التدبيري، فهل يُعاقب المكلف على مخالفته للحكم التدبيري كما يعاقب على مخالفته للحكم التشريعي؟

والجواب: إنّه تارة يقع الكلام عن المحاسبة الدنيوية وأخرى عن المحاسبة الأخروية:

  • أمّا على صعيد المحاسبة القانونيّة في عالم الدنيا فلا ريب في مشروعيتها، فمن الطبيعي أنّ تستدعي مخالفة الحكم التدبيري الصادر عن أهله مسؤلية قانونية، لأنّ هذا الحكم هو ذو اعتبار إداري تنظيمي، فإذا لم يتم محاسبة المخالفين له أو المتمردين عليه، فهذا سوف يؤدي إلى انتشار الفوضى وإغراء الناس بالتمرد على الحاكم، ما يؤدي إلى الهرج والمرج واختلال النظام. وتقدير العقوبة - كماً وكيفاً في مثل هذه الصورة - مناطٌ بيد الحاكم الشرعي نفسه، لأنّ المخالفة ما لم تندرج في نطاق المخالفات التي جعلت لها الشريعة حدوداً خاصة، فتكون العقوبة من نوع التعزير، وتقدير العقوبة التعزيرية هي بيد السلطة الشرعية، والتعزير ليس بالضرورة أن يكون عقوبة جسديّة، فلربما كان غرامة مالية. وتجدر الإشارة إلى أنّ استتباع كلّ مخالفة للحكم الشرعي للعقوبة التعزيرية هي محل تأمل، وإن كان المعروف والمشهور[49] بينهم أنّ التعزير ثابت على كل مخالفة شرعية لا نصّ فيها على عقوبة معينة، ما يعني أنّ كل معصية، سواء تمثلّت بفعل الحرام أو بترك الواجب ولو لم يكن فيها تعدٍ على حقوق أحد ولا مجاهرة بالمعاصي ولا انتهاك صارخ لحرمة الدين ولا فعل ما يُفقد المجتمع حصانته الأخلاقية أو يجرأ الناس على المعاصي، يحقّ للحاكم الشرعي المعاقبة عليها، بيد أنّ هذا الأمر يحتاج إلى البحث والتدقيق في أدلة النهي عن المنكر وأدلة التعزير أيضاً، لنرى إن كانت تمتلك إطلاقاً يسمح لنا بمعاقبة كل من ترك واجباً أو فعلَ حراماً، أو أن ذلك يختص ببعض الذنوب كالمنكرات والفواحش، مثلاً؟ والظاهر أنه ليس لدينا دليل تام الدلالة وخال من المناقشة على هذه الكليّة، أعني مشروعية التعزير على كل من ارتكب معصية وحراماً، أو ترك واجباً، فلو أن شخصاً ترك صلاة الصبح في وقتها فلا دليل على لزوم تعزيره عند ثبوت ذلك للحاكم، وهكذا لو أنه لم يصل أرحامه مثلاً إلى غير ذلك من الأمثلة.

وأمّا على صعيد الحساب الأخروي، فلا يبعد أيضاً أن تكون مخالفة الحكم التدبيري مستوجبة للمساءلة والمؤاخذة في محكمة العدل الإلهي، لأنّ مخالفة الحكم التدبيري تتضمن مخالفة للحكم المولوي، فإنّ الذي ألزم بضرورة ووجوب إطاعة الحاكم الشرعي في مقرراته التدبيرية هو الله تعالى، فمخالفته هي في المآل مخالفة لأمر المولى عزّ وجلّ، ومخالفة الله تعالى تستوجب المساءلة في يوم الحساب.

من كتاب: أبعاد الشخصية النبوية (دراسة أصولية في تصرفات الرسول صلى الله عليه وآله التشريعية والتدبيرية والخبروية والبشرية)



[1]  وتجدر الإشارة إلى أنّ الفكرة المطروحة في هذا البحث منقولة عن بعض علمائنا وعلى رأسهم الفقيه السيد البروجردي رحمه الله، بحسب ما نقله بعض تلامذته، ومنهم الشهيد مرتضى المطهري، انظر: الإسلام ومتطلبات العصر، ص 144، ص 145، ترجمة علي هاشم، مراجعة الدكتور محمود البستاني، طبعة دار الأمير، بيروت لبنان، 2010 م، وكذلك تلميذه الشيخ واعظ زادة الخراساني، نداء الوحدة والتقريب للشيخ واعظ زادة الخراساني ص 235-236.

[2] أنظر: الشافي في الإمامة للسيد المرتضى ج1 ص5، والباب الحادي عشر للعلامة الحلي، ص 93،

[3] الكافي، ج 1، ص 58.

[4] نعم قد يؤثر على قدرة الإمام على التحرك بحرية في أداء مهمته الدينية.

[5] مروي في التراث الإسماعيلي فقد رواه القاضي نعمان المصري في دعائم الإسلام ج 1، ص 37، بصيغة: " إماما حق قاما أو قعدا"، وهو مروي في بعض كتب الزيدية، انظر: شرح الأزهار، ج 4، ص 522، عند الشيعة الإمامية فقد رواه كثيرون، انظر: وعلل الشرائع ج 1، ص 211، وكفاية الأثر للخزاز القمي، ص 117، والإرشاد للمفيد، ج 2، ص 30، وروضة الواعظين، ص 122. ومناقب ابن شهر آشوب، ج 3، ص 141، وعبّر عنه بالخبر المشهور، ولم نعثر عليه في مصادر السنة.

[6] كمال الدين وتمام النعمة، ص 409، وكفاية الأثر للخزاز القمي، ص 296، وعيون أخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 130، وانظر: الكافي، ج 1، ص 178، باب " أن الأرض لا تخلو من حجة". وقد عدّه الشيخ الصدوق من معتقدات الإمامية فقال: "ونعتقد أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه ، إما ظاهر مشهور أو خائف مغمور "، الاعتقادات في دين الإمامية، ص 94.

[7] وهو حديث مشهور ومروي بأسانيد مختلفة وفي العديد من المصادر، أنظر: كمال الدين وتمام النعمة، ص 409، وكفاية الأثر، ص 296، الكافي، ج 1، ص 377، وفي رواية أخرى: " مَنْ مَاتَ ولَيْسَ لَه إِمَامٌ فَمِيتَتُه مِيتَةُ جَاهِلِيَّةٍ"، الكافي، ج 1، ص 371.

[8] فقد روى الإمام أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني قد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا بعدي: الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي الا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض "، مسند أحمد ج 3 ص 14، ورواه أيضاً في سنن الترمذي ج 5 ص 328، و329 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 109، ومجمع الزوائد ج 9 ص 163، وغيرها. وأمّا في مصادر الشيعة، فانظر: الكافي ج 2 ص 415، والأمالي للصدوق ص 500، والخصال ص 65، وعيون أخبار الرضا (ع) ج 1 ص 60، وج 2 ص 34، و 17 و 26 و57، و59.

[9] رواه غير واحد من المحدثين من أهل السنة، ففي المعجم الأوسط للطبراني بإسناده عن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أهل بيتي فيكم كسفينة نوح عليه السلام في قومه من دخلها نجا ومن تخلف عنها هلك"، المعجم الأوسط ج 5 ص 306، ورواه البغدادي في تاريخ بغداد ج 12 ص 90، عن أنس بن مالك عنه (ص).

[10] هو من الأحاديث التي روها الفريقان، فقد رواه الحاكم في المستدرك بأكثر من سند عنه (ص) ومنها ما رواه بالإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب". قال: هذا حديث صحيح الاسناد، ولم يخرجاه" المستدرك ج 3 ص 126، ورواه الطبراني في المعجم الكبير ج 11 ص 55، وابن عبد البر في الاستيعاب ج 3 ص 1103، وأما في مصادر الشيعة فلا يكاد مصدر منها يخلو منه.

[11] هذا مبني على أنّ الفرق بين الأصل العقدي وغيره، أنّ الأصل هو ما يكون للاعتقاد به كامل الموضوعيّة في انتساب الإنسان إلى الدين أو إلى المذهب، بحيث يكون عدم الإيمان به ولو لجهل قصوري أو غفلة موجباً للخروج عن الدين أو المذهب وإن كان المكلف معذوراً في عدم الإيمان، وأما غير الأصل، فلا يكون عدم الاعتقاد به موجباً للخروج عن الدين أو المذهب إلا إذا كان مستلزماً لتكذيب النبي (ص)، مع الالتفات للملازمة، وقد بحثنا ذلك في كتاب أصول الاجتهاد الكلامي فراجع. 

[12] بل إن المشهور عندهم هو أن لا يحكم بكفر من أنكر الإمامة مطلقاً، ما دام أنّ إنكارها لا يستتبع تكذيب النبي (ص)، كما أوضحنا ذلك في كتاب فقه العلاقة مع الآخر المذهبي – دراسة في فتاوى القطيعة، ج 1، ص .

[13]  وعلى ذلك، فإنّ وظيفتنا اليوم أن نبذل الجهد الأكبر في تأكيد المرجعية الدينية - لا السياسية - لأهل البيت (ع)، كما يرى السيد البروجردي (رحمه الله) والذي أولى أهميّة خاصة لحديث الثقلين وكتب عنه بإسهاب في مقدمة كتابه "جامع أحاديث الشيعة" وأمر بعض العلماء بتأليف رسالة مستقلة حول طرقه ومتنه، وكان "يعتقد أنّه لو اكتفى الشيعة في هذا العصر الذي انتهت فيه مشكلة الخلافة في إثبات صحة مذهبهم بحديث الثقلين الدال على المرجعية العلمية لأهل البيت(ع) فسينجحون في إثبات شرعية مذهبهم وإقناع الآخرين بأنّ التمسك بأقوال وفتاوى العترة النبوية قادر على توحيد المسلمين والحيلولة دون اختلافهم"، نداء الوحدة والتقريب للشيخ واعظ زادة الخراساني ص 235 - 236.

[14] انظر: الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق.

[15] قال تعالى: { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ..}[ ص 26]

[16] قال تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }[ الأنفال ص 61].

[17] قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }[ التوبة 73].

[18] يقول الشيخ المنتظري: " والمراجع للكتاب والسنة وفقه مذاهب الاسلام من الشيعة والسنة يظهر له بالبداهة ان دين الاسلام الذي جاء به النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم ينحصر أحكامه في أمور عبادية ومراسيم وآداب فردية فقط ، بل هو جامع لجميع ما يحتاج اليه الانسان في مراحل حياته الفردية والعائلية والاجتماعية من المعارف والاخلاق والعبادات و المعاملات والسياسات والاقتصاد والعلاقات الداخلية والخارجية. فهو بنفسه نظام كامل يجمع الاقتصاد والسياسة أيضاً. والتتبع في أخبار الفريقين وفتاواهم في الأبواب المختلفة لفقه الاسلام يرشدنا إلى كون الحكومة وتنفيذ المقررات أيضاً داخلة في نسج الاسلام ونظامه. فالإسلام بذاته دين ودولة، وعبادة واقتصاد وسياسة"، دراسات في ولاية الفقيه، ج 1، ص 8.

 [19]بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر للإمام الخميني ص106.

[20] موسوعة الإمام الخوئي (التنقيح في شرح المكاسب) ، ج 37، ص 158.

[21] إنّ مقتضى الأدب مع رسول الله هو إطاعته (ص) في أوامره الشخصية التي لا تتصل بالشأن العام وما يدخل تحت أوامر أولي الأمر، كما لو طلب ممن جليسه أن يفتح له باب الدار، وعلم أن الطلب هو لغرض شخصي، وأما وجوب ذلك بمعنى الحكم بفسق من لم يفتح له الباب فهذا يحتاج إلى دليل، والآية أعلاه ليست واضحة الدلالة في ذلك، وقد ذكرت وجوه أخرى لإثبات ذلك، انظر: موسوعة الإمام الخوئي (التنقيح في شرح المكاسب)، ج 37، ص 158. لكنها لا تخلو من تأمل، وبحث ذلك موكول إلأى محله، وقال النائيني: " فلا يعبأ بخلاف من يخص الولاية التشريعية بخصوص وجوب اتباعهم في الأحكام الشرعية والتقبل عنهم فيما يبلغون منها ، وقال بعدم الدليل على وجوب الإطاعة في الزائد عن ذلك كما في الأمور العادية مثل الأكل والنوم والمشي والقيام والقعود فلا يجب امتثالهم فيما يأمرون بالأمور المتعارفة لعدم ثبوت السلطنة لهم في أمثاله ( ولا يخفى وهنه وسخافته ) بل الأدلة الأربعة ناهضة على رده "، كتاب المكاسب والبيع، ج2، ص 333.

[22] دراسات في ولاية الفقيه، ج 1، ص 39

[23] الاقتصاد ص 218.ونحوه ما قاله السيد المرتضى: أنظر: رسائل السيد المرتضى ج 3 ص 253.

[24]  اشتهر الاستدلال على أن الأنبياء (ع) مكلفين بإقامة العدل بقوله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]، وقد يعترض على دلالتها بأنّ الآية لا دلالة فيها على أنّ القيام بالقسط هو تكليف الرسل، بل هو تكليف المرسل إليهم، سوا قيل إن اللم هي للعلة أو للعاقبة.

[25] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 55، ونظيرهذا التعبير ورد في الطلاق، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع): "..قَالَ: لَوْ كَانَ الأَمْرُ إِلَيْنَا لَمْ نُجِزْ طَلَاقاً إِلَّا لِلْعِدَّةِ"، انظر: الكافي ج 6 ص 140.

[26] بدائع الدرر ص 110.

[27] قال الصدوق: "حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه ، عن الريان بن الصلت ، قال : دخلت على علي بن موسى الرضا عليهما السلام فقلت له : يا بن رسول الله الناس يقولون : إنك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا ؟ فقال عليه السلام : قد علم الله كراهتي لذلك ، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل.."، عيون أخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 150، وفي حديث آخر أنّه لما رفض الإمام الرضا (ع) ولاية العهد غضب المأمون، " ثم قال: إنك تتلقاني أبدا بما أكرهه وأمنت سطوتي فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك فإن فعلت وإلا ضربت عنقك، فقال الرضا عليه السلام : قد نهاني الله تعالى أن القي بيدي التهلكة فإن كان الامر على هذا فافعل ما بدا لك وأنا أقبل على أني لا أولي أحدا ولا أعزل أحدا ولا أنقض رسما ولا سنة وأكون في الامر من بعيد مشيرا فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهة منه عليه السلام بذلك"، عيون أخبار الرضا (ع)، ج 2، ص 152.

[28] في دعاء الإمام زين العابدين (ع) في يوم الضحى والجمعة يقول: " اللهم إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها، قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك لا يغالب أمرك ولا يجاوز المحتوم من تدبيرك، كيف شئت وأنى شئت... حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلاً وكتابك منبوذاً وفرائضك محرفة عن جهات إشراعك، وسنن نبيك متروكة"، الصحيفة السجادية، دعاؤه يوم الأضحى ويوم الجمعة.

[29] سنن الدارمي ج 1 ص 125، وسنن أبي داوود ج 2 ص 176، ومسند أحمد ج 3 ص 163، والمستدرك للحاكم، ج 1 ص 106.

[30] ولاية الفقيه في مذهب اهل البيت (ع)، ص 258.

[31] ولاية الفقيه في مذهب أهل البيت (ع)، ص 259 - 261.

[32] لأنّ العنوان الاستحبابي لا يزاحم العنوان الإلزامي.

[33] إنّ عمدة الدليل على عدم وجوب إطاعة الحاكم في حكمه مع القطع بخطأه هو أنّ التأمل في الأخبار الواردة في باب القضاء والحكم، يدل دلالة بينة على أن "حكم الحاكم غير مغيّر للواقع عما هو عليه، بل الواقع باقٍ بحاله، وحكم الحاكم قد يطابقه وقد يخالفه، كيف وقد صرح بذلك في صحيحة هشام بن الحكم عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّه ص إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ والأَيْمَانِ وبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِه مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَه مِنْ مَالِ أَخِيه شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَه بِه قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"، الكافي ج 7 ص 414، وتهذيب الأحكام ج 6 ص 229، فإنها صريحة فإنها صريحة - كما ترى - في أن القضاء غير مبدل للواقع وأن من حكم له الحاكم بشيء إذا علم أن الواقع خلافه لم يجز له أخذه"، موسوعة الإمام الخوئي، ( التقليد )، ج 1، ص 331.

[34] بحوث فقهية مهمة، ص 500.

[35] منهجية الثورة الإسلامية مقتطفات من أفكاره وآراء الإمام الخميني (رحمه الله) ص 169 - 170.

[36] ولاية الفقيه في مذهب أهل البيت، ص 260.

[37] نظرية السياسة والحكم في الإسلام، الدار الإسلامية، ترجمة وتقديم الشيخ محمد مهدي الآصفي، ط 1، 1402هـ بيروت لبنان، ص 61. وراجع مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي، ص 170، وما في المصدرين هو ترجمة لكلام الطباطبائي عينه. 

[38] نلاحظ وجود هذه النوع من الخطابات في الأحاديث، كما في عهد علي (ع) إلى الأشتر، فإن معظم الخطابات المتوجهة فيه إلى مالك هي بصفته ولياً للأمر من قبل الإمام (ع)، ولذا تراه (ع) وبعد أن يأمره بالعديد من المطالب، يقول له: "وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل"، نهج البلاغة، ج 3، ص 101.

[39] من قبيل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[]، أو قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ..}[]، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[].

[40] من قبيل قوله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[ ]،أو قوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ }[]، إلى غير ذلك من الخطابات المتوجهة إلى الهيئة الاجتماعية لا إلى عامة الأفراد، على اعتبار أن هذه الخطابات لا يتولى تنفيذها الأفراد وإلا لزم الهرج والمرج.

[41] بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر للإمام الخميني، ص 106.

[42] الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير ص 29.

[43] الحكومة الإسلامية، ص

[44] أنهاها الشيخ علي كاشف الغطاء إلى ستة موارد وقع الكلام فيها عن جواز نقض حكم الحاكم، انظر: النور الساطع في الفقه النافع، ج 1، ص 602.

[45] نهج البلاغة ج 1 ص 91.

[46] عيون الحكم والمواعظ ص 505

[47] أفتى الفقهاء بعدم شرعية تجاوز قوانين السير، سئل السيد السيستاني: قانون تنظيم المرور ومخالفاته وما يتعلق بحوادث المرور ، وكذلك قانون إقامة الأجانب ومخالفتها وقانون البلدية ومخالفتها في الكويت هل يجب التقيد بها وعدم مخالفتها؟ فكان الجواب: يجب التقيد بالقوانين التي توضع لمصلحة المجتمع كقوانين المرور ولا يجب في غير ذلك"، استفتاءات ص 489. وقد سئل السيد الخوئي أيضاً عمّن ضرب إنساناً بسيارته خطأ مع مخالفة المضروب لقانون السير، هل يجب عليه دفع الدية أو الكفارة أم ماذا؟ فأجاب: يجب دفع الدية على سائق السيارة إذا كان مخالفا لقانون المرور، وإلا فلا شئ عليه في مفروض السؤال"، صراط النجاة، ج 2، ص 412.

[48] انظر ما كتبناه حول قاعدة حفظ النظام العام في كتاب الإسلام والبيئة ص

[49] قال المحقق الحلي: "كل من فعل محرماً، أو ترك واجبا فللإمام عليه السلام ، تعزيره بما لا يبلغ الحد ، وتقديره إلى الإمام" ، انظر: شرائع الإسلام ج 4 ص  ، ويقول السيد الخوئي:" من فعل محرما أو ترك واجبا إلهيا عالما عامدا عزره الحاكم حسب ما يراه من المصلحة "، أنظر: مباني تكملة المنهاج، ج 1، ص 337، وقد أشار المحقق الخونساري إلى هذا الأمر : " أمّا التمسك بما دل على أن لكل شئ حدا - الخ ، فهو مجمل لشموله ظاهرا لكل شئ فلا بد من رد علمه إلى أهله وأما الاستفادة من الأخبار الواردة بنحو القاعدة الكلية فهي مشكلة، ألا ترى أن الطائفة الجائية لشهود الحد ، الذين عليهم الحق أو الحد بعد رجوعهم علم أن عليهم الحد ، والمعروف أن الإمام له أن يعمل بعلمه فمع لزوم التعزير أو الحد عليهم لم يحدهم ولم يعزرهم" أنظر: جامع المدارك ج 7 ص 121. وقال السيد الكلبيكاني بعد استعراض بعض الأدلة والمناقشة فيها: " والحاصل إنه لا دليل لنا تطمئن إليه النفس في الحكم بوجوب التعزير في كل معصية بل ولا في خصوص الكبائر منها "، أنظر: الدر المنضود في أحكام الحدود ج 2 ص 297. ومن الموارد المنصوصة ما ورد في الحديث عن حماد، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " في رجل ولته امرأة أمرها إما ذات قرابة أو جارة له لا يعلم دخيلة أمرها، فوجدها قد دلست عيبا هو بها ، قال : يؤخذ المهر منها  ولا يكون على الذي زوجها شئ ، وقال : في امرأة ولت أمرها رجلا فقالت : زوجني فلاناً، قال: لا زوجتك حتى تشهدي بأن أمرك بيدي، فأشهدت له، فقال: عند التزويج للذي يخطبها يا فلان عليك كذا وكذا ؟ قال : نعم ، فقال هو للقوم : اشهدوا إنّ ذلك لها عندي وقد زوجتها من نفسي، فقالت المرأة: ما كنت أتزوجك ولا كرامة ولا أمري إلا بيدي وما وليتك أمري إلا حياءً من الكلام، قال: تنزع منه ويوجع رأسه "، انظر: من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 87.

 






اضافة تعليق

الاسم *

البريد الإلكتروني *

موضوع *

الرسالة *


 


 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon