حوار مع مركز أفاق للدراسات والأبحاث: مشكلة الأديان تتشكل في الخطاب الفقهي    ثمن الحرية    أمثل الأساليب في عمليّة تهذيب النفس    مزايا الشباب    العمل سرّ النجاح    العبادة وعيٌ وانفتاح لا جهل وانغلاق    اقتناء أصنام الأمم البائدة    المفاهيم الدينية بين وجوب الاعتقاد وحرمة الانكار    البناء الاعتقادي بين الاجتهاد والتقليد    
 
بحث
 
قصة الإمام الخميني مع الشيخ المشكيني
 
س » ما رأيكم بالفيلسوف صدر المتألهين ومدرسته الفلسفية؟
ج »
يمكن أن أوجز رأيي في نقطتين مختصرتين:
أولاً: أعتقد أنّ مدرسة الحكمة المتعالية مثلت في مرحلتها خلاصة الفلسفة الإسلامية لجهة عمقها ونضجها، وعلى يدي صاحب هذه المدرسة أعني صدر المتألهين الشيرازي تبلورت الكثير من المفاهيم الفلسفية بشكل واضح وجلي ومؤصل. وقد امتازت مدرسته بمزايا كثيرة، ومن أبرزها أنها وعلى الرغم من نقدها للمدرسة المشائية ورمزها الكبير ابن سينا قد توافقت معها على أهمية ومحورية البرهان في البناء المعرفي، ولم تكتف أبداً بالعرفان والكشف والشهود، وبذلك جمعت بين المدرستين – أي المشائية والإشراقية - ومدّت جسور التواصل بينهما، مع ميل واضح وجلي إلى مدرسة الإشراق والعرفان، ولا سيما إلى أفكار رمزها الكبير ابن عربي، صاحب الفتوحات المكية، وفي الوقت عينه فقد حرصت مدرسة الحكمة المتعالية على إظهار تناغم الأفكار الفلسفية والعرفانية وتوافقها التام مع نصوص القرآن الكريم، وحذت بذلك حذو ابن رشد في كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، وبذلك غدا القرآن والعرفان والبرهان في حالة اتساق واتفاق تام في رؤية هذه المدرسة.
ثانياً: إنّ هذه المدرسة وما تميزت به من رؤى فلسفية، وأفكار ملهمة ومؤثرة من قبيل فكرة الحركة الجوهرية أو نظرية وحدة الوجود جديرة بالبحث والتأمل والنقد والدراسة. وفي هذا السياق أرى أننا – من جهة - معنيون بالتعريف بهذه المدرسة فهي لا تزال مجهولة في بعض الحواضر العلمية، مع أنه ليس من الحكمة في شيء إهمالها أو تجاوزها أو التعامل معها باستخفاف، ومدعوون - من جهة ثانية – إلى مدارستها بطريقة نقدية ومقارنة مع النظريات الفلسفية الغربية أو غيرها، لأننا لا نرى مبرراً للجمود على أفكارها، فضلاً عن إعطاء رموزها - ولا سيما صدر المتأهلين – هالة مبالغاً بها من القداسة، بما يمنع من ممارسة نقد أفكارهم بحرية تامة، وكأن التفكير الفلسفي قد انتهى بعدهم، إنّ هذا ليس صحيحاً ولا يخدم الحكمة ولا الحقيقة ولا الإنسان.

 
س » نقرأ في فتاوى الفقهاء ومنهم السيد السيستاني أنه يجوز للمرأة الأمة أن تكشف عن رأسها.. لماذا هذا الفرق بينها وبين المرأة الحرة طالما أن الحجاب هو لنشر الفضيلة؟
ج »
المسألة مفتوحة على البحث ويمكن إعادة التفكير فيها بل قد يكون مهما وضروريا، لكنّ ما طرح في كلامكم من إشكال يمكن للسيد السيستاني وغيره من الفقهاء أن يجيبوا عليه، بأنّ القضية تندرج في ما يُعرف بالتعبد الشرعي، وبالتالي ليس ثمة ما يبرر قياس الأمة على الحرة ولا سيما بملاحظة ما ورد بينهما من فوارق في الأحكام والعديد من المجالات.وأما قضية نشر الفضيلة، فهي – في نظرهم - ليست سوى حكمة للحكم وليست علّة ليدور الحكم مدارها وجودا وعدما، ومما يعزز ذلك أنّ القضية مطروحة في الصلاة ولا علاقة لها بنظر الأجنبي، ولذا لو كانت الحرة في بيتها وحيدة وجب عليها أن تستر رأسه.، ولهؤلاء الفقهاء أن يقولوا إننا نلتزم بذلك بجواز كشف الأمة لرأسها في الصلاة فحسب، ودون أن يكون هناك ناظرٌ أجنبي، وإذا كانت بعض الروايات مطلقة وتدلّ على جواز كشفها رأسها حتى في غير الصلاة وحتى أمام الرجال الأجانب، فيمكن أن يُقيد اطلاقها بما جاء في رواية ابن بزيع سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن أمهات الأولاد لها أن تكشف رأسها بين يدي الرجال؟ قال: تقنع" . 
نعم، البحث يحتاج إلى مزيد من الدراسة لأن بعض الأخبار يظهر منها أن الجواز ليس منحصرا في الصلاة فحسب.

 
 
  مقالات >> أصول التفسير
هجر القرآن الكريم
الشيخ حسين الخشن



{وقال الرسول يا رب إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} [الفرقان 30].

  إنّها شكوى مؤلمة يبثّها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ويرفعها بحسرة وألم إلى الله تعالى عن حال قومه وأمته وكيفية تعاملهم مع كتاب ربهم (القرآن الكريم)، هذا الكتاب الذي فيه عزهم ورقيهم وهديهم، وقد أفنى (ص) عمره الشريف في سبيل تبليغه وبيان آياته، وإذا بهم - وبدل أن يحفظوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحفظهم له - يرمونه وراء ظهورهم ويتخذونه مهجوراً!

   إنّنا وحذراً من أن تطالنا هذه الشكوى لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا بدّ أن نشعر بالمسؤولية إزاء هذا الكتاب، ولكنّ السؤال الذي يفرض نفسه علينا هو ما المراد بهجر القرآن الذي يشكو منه الحبيب المصطفى؟ وما هي دلالاته؟ وما هي آثاره السلبيّة؟ وما هي مظاهره وأنواعه؟

أولاً: معنى الهجر

  يذكر المفسرون[1] للهجر معنيين:

الأول: البذاء والشتم، وانسجاماً مع هذا المعنى يكون المقصود بهجر القرآن أن يتفوّه المرء اتجاهه بكلمات الهجر، أي السباب والشتائم. وهذا المعنى - باعتقادي - بعيد عن جوّ الآية، لأنّها تتحدث عن أمّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن قومه، الذين يشكوهم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الله تعالى بلسان العتب والحرص والشفقة عليهم، وهؤلاء ليسوا هم المشركين والذين كذبوا بالكتاب، وإنما هم الذين آمنوا به واتبعوه (ص)، وواضحٌ أنّ هؤلاء لا يهجرون القرآن الكريم، بمعنى سبّه، ولكنهم يهجرونه بالمعنى الثاني الآتي.

الثاني: الإعراض[2]، والإعراض عن القرآن الكريم يعني تركه إلى غيره، يقال: فلان هجر زوجته أي تركها وأعرض عنها، وهذا المعنى هو الأقرب إلى الصواب فيما تريده الآية، وهو الذي يمكن أن يصدر من أمته (صلى الله عليه وآله وسلم) مع كونها أمته.

   ويستوقفنا هنا - ونحن نتحدث عن معنى الهجر - التعبير الذي استخدمته الآية، فالله تعالى لم يقل "إن قومي هجروا القرآن"، وإنما قال: {إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} (الفرقان 30) ولو أنه قال: "هجروا القرآن" فهذا يشير إلى موقف سلبي وهو إعراضهم عن القرآن وعدم عملهم به، لكنه قال: "اتخذوا القرآن.."، أي أنً هناك فعلاً متعمّداً قد صدر منهم، وهو اتخاذه مهجوراً، فهم اختاروا الإعراض عنه عن وعي وتصميم، وذلك بسبب أنّهم - على الأرجح - لما وهنوا وهانت عليهم أنفسهم وانغمسوا في الشهوات وابتعدوا عن  الأخذ بالقيم وبأسباب القوة والعزة وجدوا أن القرآن يمثل عبئاً عليهم ولا يستجيب لمصالحهم الخاصة، فقرروا هجره.

ثانياً: الآثار السلبية لهجر القرآن

   لا شكّ أنّ المتضرّر الأول والأخير من هجر القرآن الكريم هم الناس أنفسهم وليس القرآن ولا مُنْزِلُه وهو الله سبحانه، فالله تعالى الغني المطلق الذي لا يضره إعراض الناس عن تعاليم دينه وقيم وحيه، كما أنّ القرآن الكريم كنز ثمين، ولا يضرّ الكنزَ شيءٌ إن لم يكتشفه أحد، بيد أنّ الحقيقة المرّة هي أنّه إذا لم نكتشف نحن أمة القرآن ما تضمنه من تعاليم وسنن، فقد يُهيّأ الله قوماً آخرين يكتشفونه ويستفيدون من بركاته ومعارفه وكنوزه، وفقاً لقانون الاستبدال: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 90].

 إن هجر القرآن له تداعيات كثيرة وسلبيات خطيرة: وأولى تلك الآثار السلبية هي حرماننا في هذه الدنيا من بركاته المعنوية والمعرفيّة، وما واقعنا المتردّي أخلاقياً والمشتّت اجتماعياً والمتشظّي سياسيّاً وغير المستقر روحيّاً إلاّ دليل بيّن على هجرنا للقرآن الكريم حتى لو كنا نتلوه على المنابر ونعلّقه على صدورنا، فإنّ المعيار في أخذنا بالقرآن وعدم هجرنا له هو واقعنا وأفعالنا وليس مزاعمنا وأقوالنا، تماماً كما أنّ صدق إيماننا وإسلامنا يعرف من خلال هذا الواقع لا من خلال الشعارات ولا الشكليّات.

  والأثر السلبي الآخر لهجر القرآن هو أثر أُخرويّ، فكما أنّ هجرنا له سوف يُصيبنا بالتردّي في هذه الحياة، فإنّه سوف يُصيبنا بالتردّي في الآخرة، وهذه نتيجة طبيعية لتردينا في الدنيا، {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا } [الإسراء: 72].

 وإني لأسأل الله أن يصلح حالنا ويثبت أقدامنا وينور قلوبنا بالقرآن ويبصرنا حقائق آياته، قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي نقف فيه بين يدي تعالى وبمحضر نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الأنبياء (ع) والأمم، حيث يكون وقع تلك الشكوى آنذاك مؤلماً وقاسياً وثقيلاً في الميزان وموجباً للندامة والحسرة! هل يتخيل واحدنا وقع هذا المشهد، عندما يتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الحشر ويقف بين يدي الله تعالى ليبث شكواه على رؤوس الأشهاد ويقول: يا رب إنّ هؤلاء قومي الذين أفنيتُ عمري في تعليمهم القرآن ومبادئه وبيان أحكامه، حلاله وحرامه، إنّ قومي هؤلاء الذين تركت بين ظهرانيهم كتاباً هو نور وهدى وحبل متين قد تركوا هذا الكتاب وهجروه وأعرضوا عنه إلى غيره! 

ثالثاً: الهجر الحقيقي في جهل وظيفة القرآن

  لا يخفى أنّ لهجر القرآن مستويات عديدة وأنواعاً وأشكالاً مختلفة، ولا يسعنا أن نتعرّف على هذه المستويات من الهجران قبل أن نتعرّف على واجبنا تجاه القرآن وعلى وظيفة القرآن ودوره في حياتنا.

 والذي نعتقده أنّ للقرآن وظائف ثلاث: وظيفةً معرفية، وأخرى روحية، وثالثةً سلوكية، وإليك توضيح ذلك:

  1. أما الوظيفة المعرفيّة للقرآن، فباعتبار أنّه مصدر للعقيدة، ومن المفترض أن نبني تصوراتنا الاعتقاديّة ورؤيتنا الكونيّة على أساس القرآن الكريم ومن وحي ما تضمنته آياته، فأيُّ تخطٍّ أو تجاوزٍ لهذه المرجعيّة القرآنية في بناء التصور الاعتقادي هو هجران له، بل هو أعلى درجات الهجران. وهذا ما وقع فيه الكثيرون من أبناء هذه الأمة، ممن يصرون على تلقي أفكارهم من مرجعيات أخرى لا تلتقي مع كتاب الله، أو الذين اختاروا مذاهب بعيدة عن روح القرآن أو تبنوا أفكاراً وآراءً تمثّل في الواقع إعراضاً عملياً عن القرآن. إنّ التصورات التي يحملها بعض المسلمين في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع.. لا تنسجم مع كتاب الله، فهي مصداق جلي لهجر الكتاب.
  2. أمّا الوظيفة الروحيّة للقرآن الكريم، فباعتباره مصدراً للبناء الروحي، لأنّ الإنسان لا يحتاج فقط إلى معارف عقليّة، بل هو بحاجة إلى ما يملأ القلب والوجدان، ويمنحه الأمن والاطمئنان، والقرآن الكريم إذا ما أحسنّا التعامل معه، فإنّه يملأ الروح والوجدان، كما يملأ العقل، ومن هذا فتلاوة القرآن الصحيحة لا بد أن تمنحنا الأمن والاستقرار على المستويين الفردي والاجتماعي، قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وقال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق..} [الحديد: 16]، ويحدّثنا الإمام علي في خطبة "صفات المتقين" عن هذا الدور الروحيّ البناء للقرآن الكريم، فيقول (ع) في وصف أهل التقوى: "فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً وظنّوا أنّها نصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنّوا أنّ زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم"[3]، إنّ القرآن الكريم هو الذي يغيّر القلوب والعقول كما يغيّر الواقع الفاسد والمنحرف.
  3. أما الوظيفة العمليّة والسلوكيّة للقرآن، فباعتباره كتاب الحياة، وكتاب التشريع والأخلاق، فسلوكنا وأخلاقنا وكل حياتنا لا بدّ أن تنسجم مع القرآن وتستقي منه، وهذه من أهم وظائف القرآن وأهدافه. إنّ بعض المسلم باختياراتهم الخاطئة وسلوكيّاتهم المنحرفة قد جسّدوا هجر القرآن، فكانوا على العكس مما أراده نبيهم (ص)، فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جسّد القرآن في أخلاقه وهديه حتى قالت إحدى زوجاته وهي السيدة عائشة: "كان خلقه القرآن"[4]، فإنّ أناساً من أمته قد جَسَّدوُا هجر القرآن بأخلاقهم البعيدة عن نهجه وتعاليمه.

رابعاً: أشكال من الهجر الخفي للقرآن

   وهذا يعني أنّ الهجر هَجْرَان، فهناك هجر شكلي للقرآن وهو يتمثّل بأنْ لا يقرأ المسلم كتاب ربه ولا يستمع إليه، أو يتعامل معه بلا مبالاة، وهناك هجر عملي وسلوكي يتمثّل بأن يتبنّى المسلم فكرةً تخالفُ مبادئ القرآن، أو يتخذ موقفاً لا ينسجم مع القرآن نصاً أو روحاً.

إنّ القرآن كتاب الحياة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..} [الأنفال: 24]، وليس كتاب الموت، فمن لم يتخذ القرآن منهجاً له في حياته فقد هجره، ومن حوّل القرآن إلى كتاب موتٍ فقد هجره، لقد صار المتعارف بيننا أنه إذا سمعنا عن بعد صوت تلاوة للقرآن أن نبادر إلى التساؤل: أمات أحد من الناس؟ لأننا في كثير من الأحيان لا نقرأ القرآن إلاّ على الأموات!

في ضوء ما تقدم يمكننا أن نشير إلى بعض مظاهر الهجر المنتشرة فيما بيننا، وبعضها من مصاديق الهجر الجلي وبعضها من مصاديق الهجر الخفي:

الأول: الاهتمام الشكلي

 إنّ البعض منّا يخال أنّه بمجرد أن يعلّق القرآن الكريم على جدار بيته أو في سيارته أو يقبّله أو يتفاءل به أو يستشفي بآياته إلى غير ذلك من مظاهر الاهتمام الشكلي بالقرآن فإنه بذلك يخرج عن عنوان هجر القرآن، وهذا فهم خاطئ لعلاقتنا بالقرآن ولدوره ووظيفته. لقد غدا مألوفاً أن نرى القرآن معلّقاً في بيوت الكثيرين دون أن تُفتح صفحاته، بل ربّما علاه الغبار، إنّ هذا لا يخرجنا عن الهجر، وهو ما حذّر منه الإمام الصادق(ع) فيما رُويَ عنه، ففي الحديث عن الصادق(ع): "ثلاثة يشكون إلى الله عزّ وجلّ: مسجد خراب لا يصلي فيه أحد، وعالم بين جهّال، ومصحف معلّق قد وقع عليه الغبار لا يُقرأ فيه"[5]، ووفقاً لهذا الحديث، فإنّ القرآن المعلّق في بيتك والذي يعلوه الغبار سوف يشكوك إلى الله، لتواجهك يوم القيامة شكويان: شكوى الرسول (ص)، وشكوى القرآن نفسه.

إنّ القرآن الكريم هو كتاب العمل والحركة، وليس كتاباً للزينة والبركة يحيث نكتفي بتعليقه على صدورنا أو أن نزيّن به بيوتنا، ونحن أبعد الناس عن مبادئه، ومن أسخف ما يفعله البعض أن يُزيِّن بيته ببعض السور القرآنية المكتوبة بماء الذهب وإلى جانب بيته يعيش أناس فقراء جوعى، إن هذا أيضاً هو هجران للقرآن، وتجاوز لمبادئه، لأنّ القرآن الذي دعا إلى إطعام اليتيم والمسكين، ونهى عن اكتناز الذهب والفضة { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [التوبة 34]، يأبى أن يتحول إلى مزخرفات مذهبّة وأيقونات منمقة تبذل في سبيلها الأموال الطائلة ويترك الناس يعانون ألم الجوع والفقر.

الثاني: القراءة الببغائية

 وقد يتخيّل بعض الناس أنّه بإكثاره من تلاوة القرآن وتجويده يغدو إنساناً قرآنياً ولا ينطبق عليه عنوان الهجر، ولكن لا بدّ أن نوضح الأمر، لأنّ التلاوة وإن كانت عملاً طيباً ومستحسناً ولها أثر كبير في النفوس، وقد أوصى النبي (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) بتلاوة القرآن بطريقة ندية وصوت حسن جميل بعيداً عن أنغام الطرب، لأنّ هذه الطريقة تساعد على تعميق المعاني القرآنية في النفوس[6]، لكن هذه القراءة التجويدية الحسنة لا ينبغي أن تشغلنا بالنغم أو تدفعنا من حيث لا ندري إلى الاستغراق بالشكل والتركيز على الصوت، بعيداً عن العمق والمضمون، على طريقة القراءة الببغائية، التي تحصر جُلَّ اهتمام القارئ بنغمات صوته دون أن يفقه ما يتلو، أو يعي شيئاً مما يقرأ، أو يتدبر فيه، وإنّ قراءة كهذه لا تخرجنا عن عنوان الهجر، وقد أشارت بعض الروايات إلى أنّ الانهماك بمراعاة بعض التدقيقات النحوية يؤدي إلى نتيجة سلبية، وهي سلب الخشوع، كنتيجة طبيعية لانهماكه بالشكل على حساب المضمون، ففي الحديث عن موسى بن جعفر(ع) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "من انهمك في طلب النحو سُلِب الخشوع"[7]، وإنما التلاوة المطلوبة هي التلاوة الواعية، والقراءة المتدبرة {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}، [محمد: 24]، ولهذا فإنّنا -عندما يدور الأمر بين القراءة غير الواعية لسورٍ طويلة من القرآن الكريم، وبين قراءة عشر آيات أو أكثر قراءة تدبّر ووعي - لا نتوانى عن ترجيح الثاني، أعني القراءة القليلة الواعية.

لقد كان الأعرابي يأتي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيعرض عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الإسلام، فيُسلم الرجل، ثم يطلب الأعرابي منه (ص) أن يعلّمه معالم دينه، فيقرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له بعض آيات القرآن فينصرف غانماً، كما جاء في الرواية، "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعلّمه القرآن فانتهى إلى قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7] فقال: يكفيني هذا وانصرف! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انصرف الرجل وهو فقيه"[8].

لا يجوز تراقيهم

   هكذا كان وقع القرآن على القلوب وتأثيره في النفوس، بحيث إنّ آية واحدة من آيات الله كانت كفيلة بتغيير حياة الإنسان بشكل كامل، ونقله من ضفة الكفر إلى ضفة الإيمان، أمّا اليوم فقد قست قلوب الكثيرين منا، فغدوا يقرأون القرآن بألسنتهم، ويخالفون تعاليمه بأفعالهم، وهذا ما أخبر به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في نبؤة صادقة له (وكل كلامه صدق وعدل) تستشرف حال أمته في قادم الأيام، وقد استخدم (صلى الله عليه وآله وسلم) توصيفاً دقيقاً لما يمكن تسميته بالانفصام في شخصية المسلم، الذي يقرأ القرآن بلسانه ويخالفه في سلوكه، والتعبير الذي استخدمه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو قوله: "يقرأون القرآن لا يجوز تراقيهم"[9]، والمراد بكونه لا يجاوز تراقيهم أنّه يتحوّل إلى مجرد ألفاظ تخرج من حناجرهم وأفواههم ولا يُجاوز حلوقهم إلى الداخل لتتلقاه قلوبهم بالتدبّر والقبول، ولا يجاوز تراقيهم إلى الخارج لينعكس على أخلاقهم وسلوكهم، ويرتفع إلى الله تعالى ليتلقاه بالقبول والرضا، فهو ألفاظ فقط، لا تحدث تغييراً في حياتهم، واللافت أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استخدم هذا التعبير في موردين:

الأول: هو مورد التغنّي بالقرآن، ففي الحديث عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وأَصْوَاتِهَا وإِيَّاكُمْ ولُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وأَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَإِنَّه سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ والنَّوْحِ والرَّهْبَانِيَّةِ لَا يَجُوزُ تَرَاقِيَهُمْ قُلُوبُهُمْ مَقْلُوبَةٌ وقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُه شَأْنُهُمْ"[10].

الثاني: مورد الإشارة إلى الخوارج وجماعات القتل والتكفير، ففي الحديث المستفيض عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.."[11]

الثالث: عدم الانصات للقرآن الكريم

 عندما نكون في مجالس يُقرأ فيها القرآن، فإنّ احترام القرآن يفرض علينا الانصات {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204]، إنّ عدم الإنصات عند التلاوة قد لا يكون مجرد هجران للقرآن، بل ربما عبّر عن حالة استخفاف به وبقدسيته، تماماً كما كان يفعل بعض المشركين في مكة، حيث كانوا يأمرون سفهاءهم بالضجيج ورفع الصوت عالياً عندما يبدأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتلاوة القرآن، وهذا ما نقله لنا قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت 26]. لقد كان للقرآن سطوة على القلوب وهيبة في النفوس، وكان هو البرهان الوحيد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المرحلة المكية، وذلك بسبب قوة مضامينه وبلاغة أسلوبه وسحر بيانه الذي كان يأخذ بالألباب ويخترق القلوب، ولهذا لم يجد المشركون أسلوباً نافعاً في وجه جاذبيته هذه سوى التشويش عليه بالضجيج والصراخ.

الرابع: القرآن واستكشاف المغيّبات

 ومن أساليب التعاطي الخاطئ مع القرآن الكريم والتي لا تبتعد عن الهجر: أن يتمّ استخدامه في استكشاف المغيّبات، كما يفعل بعض الناس ممن اتخذوا هذا العمل حرفة يتعيّشون من خلالها، حيث تأتيهم الناس لاستطلاع بعض المغيبات ومعرفة ما سيواجههم في المستقبل من أخطار، أو معرفة سعادتهم أو شقائهم أو ما إلى ذلك، فهذا العمل الذي يحوّل القرآن الكريم إلى وسيلة للتنجيم هو إخراج للقرآن عن أهدافه ومقاصده، بل وفيه خروج عن تعاليم القرآن نفسه التي تؤكد على أنّ الغيب بيد الله تعالى، ومع الأسف فإنّ بعض المسلمين لا يعرف شيئاً عن كتاب الله إلاّ في مثل هذه الحالات، أو عندما يرغب في الاستخارة أو التفؤل، مع العلم أنّ القرآن لم يُعدّ ليكون كتاباً للاستخارة أبداً، ولم يعهد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأئمة من أهل بيته (ع) استخدموه لهذا الغرض.

الخامس: التعسف في تأويل القرآن

 ومن أبرز مصاديق الهجر بل والتحريف لكتاب الله: كل جهدٍ يتعسف في تأويل آياته وصرفها إلى غير معانيها الظاهرة دون قرينة أو حجة. إنّ بعض القراءات الباطنية القديمة والحديثة التي تتجاوز الظهور وتلوي عنق النص القرآني وتحمله على محامل بعيدة لا يتحملها الظهور في تجاوزٍ للمعنى العرفي واللغوي للألفاظ بما قد يفقد القرآن الكريم جماليته وبلاغته هي من مصاديق الهجر البارزة، وقد ردّ بعض أئمة أهل البيت (ع) على بعض من يؤّولون الخمر أو الميسر بأنّ المراد بهما رجال، فقال(ع): "ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعلمون"[12]. ولنا عودة خاصة إلى أخبار التأويل وما سببته من تشويه لكتاب الله.

الخامس: التمسك به مع إقصاء السنة

 ومن أشكال هجران القرآن: الدعوة البرّاقة إلى اعتباره مرجعية وحيدة للفكر الإسلامي ورفض مرجعيّة السُنّة النبوية، وهي دعوة ينادي بها بعض المسلمين ممن أطلقوا على أنفسهم اسم "القرآنيون" ورفعوا شعار أنّنا لا نأخذ أفكارنا وعقائدنا إلا من القرآن، وكذلك لا نأخذ فتاوانا الشرعية ومفاهيمنا الأخلاقية إلا من القرآن. ولو أنّ هذه الدعوة أكدت على مرجعية الكتاب واعتبارها المرجعية الأساس وفي ضوئها تحاكم مرجعية السُنّة لكانت دعوى صحيحة ومقبولة، لقيام الدليل عليها، إلاّ أنها - أقصد الدعوة المذكورة - لم تكتف بذلك، بل نادت بانحصار المرجعيّة الثقافية الإسلامية بالكتاب الكريم ورفض مرجعية السُنّة، وهذا ما يدفعنا إلى رفضها، لأنها - باعتقادنا - تخالف القرآن الكريم نفسه، لأن القرآن هو الذي أكَّدَ على مرجعية السُنّة ودورها في تبيان القرآن وشرح مفاهيمه، {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]. وهذا الأمر أيضاً سوف نخصص له محوراً خاصاً للحديث عنه.

هجران القرآن الناطق

   إنّ الإعراض عن السنة والدعوة إلى عدم حجيتها وترك الإفادة منها في بناء المعرفة الدينية إذا كان يمثل هجراً للكتاب كما ذكرنا، فهو بصورة مباشرة يشكل هجراً لرسول الله (ص)، ويؤسفني أننا - أفراداً وأمة - كما هجرنا القرآن الكريم أو الكتاب الصامت، فقد هجرنا القرآن الناطق أيضاً، وهو الرسول الله (ص ) وكذلك الأئمة من أهل بيته (ع)، هجرناهم هجراناً عملياً وسلوكياً، وذلك عندما ابتعدت أخلاقنا عن أخلاقهم، وأعمالنا عن أعمالهم، وأفكارنا عن أفكارهم،  إنّنا هجرناهم عملاً وفكراً واهتممنا بهم شكلاً ومظهراً وادعاءً فارغاً، لقد هجرنا فكرهم، ولكننا في الوقت عينه حرصنا على زيارة مقاماتهم والتمسح بأضرحتهم! هذا مع أنّ هجران النبي (ص) وكذلك الإمام (ع) هو هجران للقرآن، وقد ورد في بعض زيارات الإمام الحسين(ع): "لقد أصبح رسول الله بفقدك موتوراً وعاد كتاب الله مهجوراً"[13]، في إشارة واضحة وجلية إلى أن دور الإمام هو أن يحرك مفاهيم القرآن في الحياة.

  ومن أكبر الخدع والتدليسات أن يتمّ هجر الكتاب الناطق بحجة مخالفته لكتاب الله وآياته، كما حصل مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عندما رُفعت المصاحف بوجهه في معركة صفين في خدعة ابتكرها بعض دهاة العرب، لإيجاد بذرة الخلاف والشقاق في جيش الإمام (ع)، وانطلت الحيلة[14] على البعض وترددوا وتساءلوا: كيف نقاتل كتاب الله؟! أو لا ننزل على حكم القرآن؟! هذا مع أنّ علياً (ع) هو أعلمهم بالكتاب وأحرصهم على العمل بآياته، وقد كان قدره أن يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل على تنزيله، وكانت معركة التأويل أكثر قسوةً عليه من معركة التنزيل، لأنها معركة قد تشوبها بعض الالتباسات في ذهن السذج من الناس، وكما قال (ع): " كم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله كما يزخرف الدرهم النحاس بالفضة المموهة"[15].

من كتاب: حاكمبة القرآن (دراسة تأصيلية حول علاقة السنة بالكتاب ودورها في تفسيره)



[1] يقول الشيخ الطوسي في تفسير قوله تعالى "مهجوراً" وقيل في معناه قولان: أحدهما: قال محمد وإبراهيم: إنهم قالوا فيه هجراً، أي شيئاً من القول القبيح لزعمهم أنّه سحر وأنّه اساطير الأولين.

الثاني: قال ابن زيد: هجروا القرآن بإعراضهم عنه وترك ما يلزمهم فيه، ويشهد لهذا قوله: "لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه" [فصلت: 26] (التبيان: ج7 ص 486)، ويقول الشيخ الطبرسي في تفسير قوله "مهجوراً"، أي تركوه ولم يؤمنوا به، وقيل: هو من هجر إذا هذى، أي جعلوه مهجوراً فيه، أي زعموا أنّه هذيان وباطل، أو هجروا فيه حين سمعوه كقوله: {لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه} [فصلت: 26]. (أنظر: جوامع الجامع: ج2 ص 65).

[2] قال الخليل بن أحمد (ت: 170هـ): "... والهجر والهجران: ترك ما يلزمك تعهده، ومنه اشتقت هجرة المهاجرين، لأنّهم هجروا عشائرهم فتقطعوهم في الله، قال الشاعر:

            وأُكثر هجر البيت حتى كأنني            مللت وما بي من ملال ولا هجر

وقال تعالى: {إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً} [الفرقان: 30]، أي يهجرونني وإياه، وقال تعالى: {مستكبرين به سامراً تهجرون} [المؤمنون: 76]، أي تهجرون محمداً..."، كتاب العين: ج3 ص 387.

[3] نهج البلاغة، ج 2، ص 162.

[4] مسند أحمد، ج6، ص 91.

[5] الكافي ج2 ص613.

[6] ففي الحديث عن عبد الله بن سلمان سألت أبا عبد الله(ع) عن قول الله عز وجل: "ورتل القرآن ترتيلاً" قال: قال أمير المؤمنين (ع): "بيّنه تبياناً، ولا تهذه هذَّ الشعر ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أفرغوا قلوبكم القاسية، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة". أنظر: الكافي ج2 ص614.

[7] بحار الأنوار ج1 ص217.

[8] أسرار الصلاة، مدرج في رسائل الشهيد الثاني، ص 140، وعنه بحار الأنوار، ج 89، ص 107، وإحياء علوم الدين للغزالي، ج 3، ص 521.

[9] قال ابن الأثير: "في حديث الخوارج (يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم) التراقي: جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. وهما ترقوتان من الجانبين ووزنها فعلوة بالفتح. والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، فكأنها لن تتجاوز حلوقهم. وقيل المعنى أنهم لا يعملون بالقرآن ولا يثابون على قرأته، فلا يحصل لهم غير القراءة"، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 1، ص 187. ونحوه ما جاء في مجمع البحرين، ج 5، ص 142.

[10] الكافي ج2 ص614، ونحوه ما في صحيح مسلم، ج2 ص204.

[11] سنن ابن ماجة، ج1 ص59، وغيره من الصحاح.

[12] تفسير العياشي، ج 1، ص341.

[13] أنظر: بحار الأنوار ج 98 ص 241.

[14] قال المسعودي تحت عنوان "حيلة رفع المصاحف": "وكان الأشتر في هذا اليوم - وهو يوم الجمعة - على ميمنة علي، وقد أشرف على الفتح، ونادت مشيخة أهل الشام: يا معشر العرب الله الله في الحرمات والنساء والبنات، وقال معاوية: هلم مخبآتك يا ابن العاص فقد هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو: أيها الناس، من كان معه مصحف فليرفعه على رمحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجة ونادوا: كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومن لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار؟ ورفع في عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف، وفي ذلك يقول النجاشي بن الحارث:

فأصبح أهل الشام قد رفعوا القَنا    عليها كتاب الله خير قَرانِ

ونادوا علياً: يا ابن عم محمد       أما تتقي أن يهلِكَ الثقلانِ؟

فلما رأى كثير من أهل العراق ذلك قالوا: نجيب إلى كتاب الله ونُنيب اليه، وأحبّ القوم الموادعة، وقيل لعلي: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك الى كتاب الله فاقبل منه، وكان أشدهم في ذلك اليوم الأشعث بن قيس، فقال علي: أيها الناس، إنه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وإني كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وقد أحببتم البقاء"، مروج الذهب، ج 2، ص 389.

[15] المحاسن للبرقي، ج 1، ص 230، وترتيب غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي، ص 290، وعيون الحكم والمواعظ، ص 381.

 






اضافة تعليق

الاسم *

البريد الإلكتروني *

موضوع *

الرسالة *


 


 
  قراءة الكتب
 
    Designed and Developed
       by CreativeLebanon